جريدة الديار
الثلاثاء 13 يناير 2026 05:59 صـ 25 رجب 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

تيك توك وتوك توك: حكاية جيل يطارد ”الرزق السهل”.

في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة و تتبدل فيه القيم تحت وطأة التكنولوجيا، تبرز ظواهر اجتماعية قد تبدو متباعدة في شكلها، لكنها تتحد في جوهر تأثيرها. "التيك توك" و"التوك توك"؛ ظاهرتان لم تشترك في إيقاع الاسم فحسب، بل اجتمعتا على إحداث حالة من "السيولة" التي أربكت المشهد الاجتماعي و الاقتصادي، و صرفت الناس عن معالي الأمور إلى هوامشها.
فخ المتعة الفورية و وهم النتائج السريعة
يشترك "التيك توك" كمنصة رقمية و"التوك توك" كوسيلة نقل في تعزيز ثقافة "الاستجابة الفورية". فالتطبيق يمنح المستخدم لذة بصرية و ترفيهية في ثوانٍ معدودة، و المركبة الصغيرة توفر حلاً سريعاً للتنقل بعيداً عن تعقيدات المرور. هذا النمط يعزز لدى الإنسان الحديث الرغبة في الحصول على كل شيء "الآن و بدون مجهود"، مما يضعف طاقة الصبر و المثابرة التي تتطلبها المهن اليدوية العريقة أو الدراسات الأكاديمية الجادة، و يخلق جيلاً يبحث عن "الكبسولة" بدلاً من المحتوى، و عن "الاختصار" بدلاً من الطريق القويم.
استنزاف الطاقات: من الحرفة إلى اقتصاد الأوهام
تتجلى الخطورة الكبرى في انصراف الكوادر البشرية عن الإنتاج الحقيقي. فالحرفي الذي كان يقضي ساعات في صقل موهبته، بات يجد في "التوك توك" وسيلة لكسب رزق سريع و سهل لا يتطلب مهارة، مما أدى إلى تصحر المهن الحرفية التي هي عماد الاقتصاد الوطني.
و في المقابل، نجد أن "التيك توك" قد استقطب عقول الطلاب، فاستبدلوا عناء المذاكرة بـ "ضجيج بصري" يستنزف من وقت الفرد ما قد يتجاوز الساعتين يومياً—وهو وقت كفيل ببناء مهارة مهنية كاملة أو إنجاز ورد دراسي عميق. كلاهما يبيع للشباب "وهم الثراء السريع"؛ فالشاب خلف المقود يفتقر لأدنى درجات الأمان الوظيفي أو التأميني، و المراهق خلف الشاشة يطارد "الترند" وأرباح البث المباشر ظناً منه أنها بديل عن الشهادة، بينما الحقيقة أن الغالبية يستهلكون أعمارهم كوقود لمنصات وأدوات لا تبني مستقبلاً مستداماً.
الضجيج النفسي وانحدار الذوق العام
يعاني المجتمع من "فوضى" مشتركة؛ فالتوك توك في الشوارع يمثل حالة من الانفلات المروري والضجيج السمعي، وهو ما يفعله التيك توك تماماً بضجيجه البصري و محتواه العشوائي. هذا الانفلات امتد ليشمل "الذوق العام" و لغة الحوار؛ فبينما تضج منصات التيك توك بلغة هابطة و تحديات تمس الكرامة من أجل "النقاط"، تنضح جدران التوك توك بعبارات تكرس لثقافة المظلومية و التواكل. كلاهما يعمل في "مساحة رمادية" بعيداً عن التنظيم القانوني أو الأخلاقي الصارم، مما يجعلهما بيئة خصبة للسلوكيات المندفعة و السطحية التي تهدد الأمن الاجتماعي و السكينة العامة.
التداعيات الاجتماعية: هل نقود مستقبلنا بمقود أم بشاشة؟
لقد ساهم هذا "التحالف غير المُعلن" في إلهاء المجتمع عن قضاياه الأساسية. فالشباب الذي يُفترض أن يكون وقوداً للتنمية، وجد نفسه مشتتاً بين مطاردة "المشاهدات" أو الانخراط في عمل عشوائي. هذا التحول خلق طبقة من العمالة غير الماهرة، و جيلاً يجد صعوبة في التركيز العميق، مما يهدد البنية الاقتصادية للمستقبل، و يحول المجتمع من "مجتمع صانع" إلى "مجتمع متفرج" أو "مجتمع عابر". و هنا يبرز التساؤل: هل نحن بصدد جيل يقود مستقبله بمقود "توك توك" و شاشة هاتف، أم جيل يقود العالم بالعلم و الصناعة؟
نحو وعي مجتمعي جديد
إن التيك توك و التوك توك ليسا مجرد أدوات، بل هما انعكاس لخلل في ميزان الأولويات. إن مواجهة هذه الآثار لا تكون بالمنع المطلق، بل بتقنين الواقع و توجيه الوعي؛ بتحويل "التوك توك" إلى وسيلة نقل منظمة تخضع لسيادة القانون، و تطويع "التيك توك" ليكون منصة لنشر المعرفة و الصناعة. إن التوازن بين الاستفادة من معطيات العصر و بين الحفاظ على جوهر الإنتاج و قيمة الوقت هو السبيل الوحيد للنجاة.
دعوة للاستفاقة
إن الهدف من رصد هذه الظواهر هو دق ناقوس الخطر لحماية "الوقت" الذي يضيع، و"الحرفة" التي تندثر، و"العلم" الذي يُهمّش. إن مجتمعاً يستبدل ورش التصنيع و مقاعد الدراسة بـ "الترند العابر" أو "العمل العشوائي" هو مجتمع يرهن مستقبله للصدفة. لذا، وجب علينا كأفراد و مؤسسات أن نعيد الاعتبار لقيمة الإتقان و الجهد، و أن ندرك أن التطور الحقيقي يبدأ حين نتحكم في أدواتنا، لا حين نتركها تتحكم في مصيرنا و عقول شبابنا.