جريدة الديار
الثلاثاء 17 فبراير 2026 07:30 مـ 1 رمضان 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

خديعة التدخين الإلكتروني: منظومة تسمم كيميائي تهدد الصحة والبيئة

انتشرت في الآونة الأخيرة خرافة تسويقية مفادها أن السجائر الإلكترونية (الفيب) هي «البديل الآمن» للتبغ التقليدي، لتتحول من مجرد موضة عابرة إلى ظاهرة عالمية أعادت تشكيل علاقة جيل كامل بالنيكوتين تحت شعار «الأمان» و«التكنولوجيا النظيفة».

لكن خلف تلك السحب الكثيفة والروائح الجاذبة، تتوارى معامل كيميائية مجهرية تضخ سموماً تفوق في تعقيدها مخاطر التبغ التقليدي؛ فبينما ينساق الملايين وراء بريق النكهات و وعود الأمان الزائفة، تحتشد في الظل تساؤلات علمية و بيئية مُلّحة لم تنل حظها من التدقيق، كاشفةً عن فجوة مخيفة بين ما تروجه شركات التكنولوجيا و ما تؤكده مختبرات الصحة.

هذا الواقع يستدعي إلقاء الضوء بالأدلة و الدراسات و الشهادات الطبية على الوجه الخفي للفيب، للكشف عن ما يحمله دخانه الملون من سموم صامتة و تأثيرات تتجاوز الفرد لتطال المجتمع و البيئة. ما يسمونه «البخار الآمن» ليس سوى منظومة تعرض كيميائي مستمر تقود إلى كوارث صحية مؤجلة.

أكذوبة البديل الآمن

خلف غلاف التكنولوجيا و الروائح الذكية، تختبئ أكبر خرافة تسويقية في العصر الحديث. تروج الشركات للفيب كبديل «صحي» بنسبة 95%، و هي مغالطة تستند إلى دراسات قديمة و أحيانًا ممولة. الحقيقة أن «السخان» يُحَوّل السائل الكيميائي إلى هباء جوي، مزيج من جزيئات فائقة الدقة تخترق جدران الرئة و تستقر في مجرى الدم مباشرة، مما يُمهد لكوارث صحية مؤجلة.

فخ السموم المسرطنة

يستنشق مستخدم الفيب غاز «الفورمالديهايد» القاتل المستخدم في التحنيط، الناتج عن تسخين المواد الكيميائية، مما يحول الرئة إلى مختبر لإنتاج المسرطنات التي تسبب تلفاً جينياً. و يتعزز هذا الخطر بوجود «أملاح النيكوتين» التي تسرّب كميات هائلة من السموم للدم دون وخز، مسببةً اضطراباً في ضربات القلب وتدميراً لنمو قشرة الدماغ لدى الشباب وتتزايد الخطورة الصحية لدى كبار السن من المدخنين السابقين الذين استنزف التبغ التقليدي كفاءة رئاتهم، ليجدوا أنفسهم أمام خطر الفيب الذي يفتقر حتى الآن لدراسات توثق آثاره التراكمية بعيدة المدى نظراً لحداثة عهده بالأسواق؛ و مع ذلك، بدأت المؤشرات السريرية و الشكاوى الميدانية تطفو على السطح بالتزامن مع طول فترة التعرض لهذه المنظومة الإلكترونية، مما أطلق صافرات إنذار دولية تحذر من تداعياتها الصحية التي قد تكون القشة الأخيرة في تدمير ما تبقى من وظائفهم الحيوية.

كارثة الرئة الفشارية

تعد النكهات الجذابة «حصان طروادة» لإدخال مادة «الداي اسيتيل» التي تسبب مرضًا دائمًا يعرف بـ «الرئة الفشارية»، حيث تتندب الشعب الهوائية وتنسد بشكل غير قابل للعلاج.

بالتوازي مع ذلك، تتآكل لفائف التسخين لتطلق معادن ثقيلة كالرصاص و النيكل من معدن المسخن، التي تخترق أنسجة الجسم مسببة فشلاً تنفسياً قد ينتهي بضرورة زراعة رئة جديدة للبقاء على قيد الحياة.

معادن ثقيلة مستنشقة

كشفت أبحاث جامعة «جونز هوبكنز» بولاية ماريلاند في أمريكا، والتي تُصنف كواحدة من أعرق و أفضل الجامعات في العالم، خاصة في مجالات الطب والعلوم والبحث العلمي، عن سر مخيف داخل أجهزة الفيب؛ فالأسلاك الحرارية تتآكل مع الحرارة لتطلق ذرات الرصاص والنيكل والكروم. تتراكم هذه المعادن الثقيلة في الجسم مسببةً تسمماً تدريجياً للأعضاء الحيوية، وفشلاً في وظائف الكلى والكبد مخزن السموم العضوية في الجسم وتدميراً للجهاز العصبي، وهو خطر لا يتواجد بهذا الشكل والحدة حتى في السجائر التقليدية.

وباء إصابات إيفالي

سجلت مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) بولاية جورجيا الأمريكية، حالات وفاة مفاجئة تحت مسمى إصابات «EVALI»، بسبب تراكم زيوت السوائل (مثل الجلسرين) داخل الحويصلات الهوائية، مما يسبب التهاباً رئوياً شحمياً. الرئة ليست مصممة لمعالجة الزيوت المستنشقة، وتحويلها إلى مخزن للشحوم يؤدي إلى ضيق تنفس حاد وفشل تنفسي قد ينهي الحياة في غضون أيام بشكل مفاجئة.

منظومة تسمم

تؤكد الدكتورة سامية جلال سعد، أستاذة بالمعهد العالي للصحة العامة والبيئية بالإسكندرية ومستشار الأمم المتحدة لصحة البيئة وإدماج نظم الإدارة البيئية المتكاملة، أن السجائر الإلكترونية لا يمكن التعامل معها كمنتج ترفيهي أو بديل آمن، بل يجب النظر إليها كمنظومة تعرّض كيميائي شرس و مستمر.

و أشارت مستشار الأمم المتحدة، إلى أن الخطر لا يكمن فقط في نوعية المواد، بل في طريقة دخولها للجسم؛ فالرئة، على عكس الجهاز الهضمي، تفتقر لآليات فعالة لتصفية السموم. والجزيئات الدقيقة الناتجة عن تسخين سوائل الفيب تخترق الحاجز الرئوي الدموي خلال ثوانٍ، لتصل مباشرة إلى الدورة الدموية، مؤثرةً على القلب والكلى والجهاز العصبي، وليس الرئة وحدها.

البعد البيئي

حذرت الدكتورة سامية، من أن أضرار الفيب تمتد إلى البيئة؛ إذ تحتوي خراطيش السوائل وبطاريات الأجهزة على معادن ثقيلة ومركبات كيميائية تتحول بعد التخلص منها إلى مخلفات سامة تلوث التربة ومصادر المياه. كما أن بقايا السوائل والهباء المتطاير في الأماكن المغلقة تساهم في تلوث الهواء الداخلي، ما يعرض غير المستخدمين لمخاطر صحية غير مباشرة. الاستخدام المزمن، حتى بجرعات «خفيفة»، يؤدي إلى تراكم تدريجي للمواد السامة والمعادن الثقيلة في الجسم والبيئة معًا، وهو نمط خطورة صامت يصعب رصده مبكرًا، وتظهر آثاره بعد سنوات.

كشف المستور و خديعة البخار الآمن

تزعم شركات التبغ أن الفيب مجرد «بخار ماء»، لكن دراسة نشرتها الجمعية الكيميائية الأمريكية (ACS) وهي واحدة من أكبر المنظمات العلمية في العالم والمسئولة عن إصدار العديد من المجلات البحثية وقواعد البيانات الكيميائية، كشفت عن وجود مواد كيميائية تتلف الحمض النووي في لعاب المستخدمين، خطوة أولى نحو الإصابة بالسرطان. و التسخين الكهربائي للسائل يغير تركيبه الكيميائي، محولًا مواد كد تكون اقل خطورة ويدعي امانها إلى مركبات سامة عند استنشاقها وتغلغلها في النسيج الرئوي.

رئة الفشار القاتلة

أثبتت دراسة أجرتها جامعة هارفارد في أمريكا أن 39 من أصل 51 نكهة فيب تحتوي على مادة الداي اسيتيل، المسئولة عن مرض «التهاب القصيبات الساد» أو «الرئة الفشارية»، الذي يسبب تضيقاً مزمناً و غير قابل للعلاج في الشعب الهوائية الصغيرة. و المصابون يعانون من سعال جاف وضيق تنفس حاد، وغالباً يحتاجون لأجهزة تنفس اصطناعي في مراحل متقدمة.

معادن ثقيلة بالدم

نشرت مجلة منظورات الصحة البيئية الأمريكية والتي تخضع لإشراف المعهد الوطني لعلوم الصحة البيئية (NIEHS)، دراسة من جامعة جونز هوبكنز، كشفت عن تسرب معادن سامة من الملفات الحرارية داخل الأجهزة، بما في ذلك الرصاص والنيكل والكروم في بخار الفيب و في بول و لعاب المستخدمين. هذه المعادن تتراكم لتسبب تسمماً عصبياً، و فشلاً كلوياً، واضطرابات في القلب والأوعية الدموية تفوق أحيانًا ما تسببه السجائر العادية.

فورمالدهيد خلف الدخان

أكدت دراسة في مجلة نيو إنجلاند الطبية بمدينة بوسطن الأمريكية، أن مستخدمي الفيب بجهد عالٍ يستنشقون كميات من الفورمالدهيد (مادة التحنيط) تفوق ما يستنشقه مدخن السجائر التقليدية بـ 15 ضعفاً كما ان هذه المادة من المواد الكيماوية الممنوع استخدامها عالميا. هذه المادة تنتج من تفاعل الجلسرين و البروبيلين جليكول مع الحرارة العالية. تصنف الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) في مدينة ليون بفرنسا، و هي التابعة لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، هذه المادة كـ «مسرطن حتمي»، حيث ترتبط مباشرة بسرطانات الأنف والبلعوم وسرطان الدم (اللوكيميا).

متلازمة إيفالي المرعبة

في عام 2019، وثقت مراكز السيطرة على الأمراض و الوقاية منها (CDC) وباءً باسم EVALI. أسيتات فيتامين E في بعض سوائل الفيب تلتصق بجدران الرئة وتمنع تبادل الأكسجين، مسببة التهاباً رئوياً كيميائياً حاداً. الصور الإشعاعية أظهرت «الرئة البيضاء» أو «الرئة الزجاجية»، حيث تمتلئ الرئة بالسوائل و الالتهابات، مما أدى لوفاة العشرات ودخول الآلاف للعناية المركزة.

ضحايا الوهم: قصص حقيقية

فيما أصيب الشاب البريطاني إيوان فيشر قبل سن العشرين، بفشل تنفسي حاد نتيجة الفيب، وضع على جهاز «الرئة الاصطناعية»، ورئتيه تحولت إلى «قطعة زجاج مهشمة».

بينما أصيب إيريك بوبلز الأمريكي، بالرئة الفشارية نتيجة نكهات الفواكه، يعتمد على أنابيب الأكسجين، في انتظار زراعة رئة جديدة.

كما أصيبت سيدة أمريكية 49 عامًا، بتليف رئوي معدني نتيجة المعادن الثقيلة من لفائف الفيب.

أما الشاب أوستن آدامز أمريكي من ولاية نيفادا، فقد عدة أسنان وتحطم فكه السفلي إثر انفجار بطارية جهاز الفيب داخل فمه بشكل مفاجئ.

و دخل المراهق تيرون هيل الأمريكي، في غيبوبة بسبب تراكم زيوت الفيتامين (E)، واضطر لإعادة تعلم المشي و التنفس.

الإقلاع الطبي المعتمد.

بدائل النيكوتين (NRT)

تعتبر الخط الأول والآمن عالمياً، متوفرة في الصيدليات لصقات، علكة، و أقراص استحلاب. تمنح الدماغ النيكوتين دون السموم والمواد المسرطنة، مع تقليل أعراض الانسحاب تدريجياً.

أدوية طبية متخصصة

دواء فارينيكلين يقلل الاستمتاع بالتدخين و يخفف الرغبة، ودواء بوبروبيون يساعد في السيطرة على المزاج وأعراض التوتر، مع ضرورة استشارة طبية دقيقة.

العلاج السلوكي النفسي

جلسات الاستشارة ومجموعات الدعم تساعد على التعامل مع المحفزات اليومية، وتقنيات التنفس العميق و الرياضة تعوض نقص الدوبامين الناتج عن الإقلاع.

مخاطر الفيب الغذائية

أكدت الدكتورة عفاف محمد علي، رئيس بحوث متفرغ بقسم تكنولوجيا اللحوم و الأسماك و الدواجن بمعهد بحوث و تكنولوجيا الاغذية، مركز البحوث الزراعية، وزارة الزراعة، أن الخطر الصحي للفيب لا يقتصر على الجهاز التنفسي فقط، بل يمتد ليشمل التوازن الغذائي و التمثيل الغذائي للجسم، مُوضحة أن النيكوتين – خاصة عند امتصاصه السريع عبر الرئة كما في الفيب – يؤثر بشكل مباشر على امتصاص عدد من العناصر الغذائية الحيوية مثل فيتامين C، و فيتامين D، و الكالسيوم و الحديد ، مما يضعف المناعة و يؤثر على صحة العظام و العضلات.

و أشارت الدكتورة عفاف، إلى أن المركبات الكيميائية الموجودة في سوائل الفيب تزيد العبء الأيضي على الكبد (المسئول الأول عن إزالة السموم) و يقلل من كفاءته في التعامل مع السموم الغذائية و البيئية الأخرى، لافتة إلى أن فقدان الشهية أو اضطرابها لدى بعض مستخدمي الفيب ليس عرضًا عابرًا، بل نتيجة تأثير مباشر على مراكز الجوع و الشَبع في الدماغ، و هو ما قد يؤدي إلى ظهور أعراض نقص التغذية التي يمكن ملاحظتها ظاهريًا على المدى المتوسط في صورة إرهاق مزمن، ضعف تركيز، و اختلال في التوازن الهرموني.

التدريج المنظم للإقلاع

ينصح الأطباء باتباع «خطة زمنية» بدلاً من التوقف المُفاجئ. تبدأ بتحديد «يوم الإقلاع»، و تقليل مرات التدخين أو تركيز النيكوتين تدريجيًا، مع شرب الماء و الوجبات الصحية للمساعدة في طرد السموم بسرعة أكبر، مع ضرورة وضع الفيب بعيدا عن نظر المدخن.

الوعي ركيزة القرار الصحي

إن المخاطر الحقيقية للخيارات العصرية لا تتجلى إلا لمن يمعن النظر في ذلك التوازن الدقيق بين الجسم و البيئة؛ حيث تتقاطع القرارات الفردية مع تأثيرات أوسع تتجاوز المظهر الجذاب للمنتجات. و في ظل تعاظم الصيحات العالمية المُحذرة من المُلوثات الكيميائية، تبرز المعرفة و الوعي العلمي كأدوات قوة ضرورية لحماية المجتمع—لاسيما فئة الشباب—من التغلغل الخفي للمواد الحافظة، و الملونات، و مكسبات الطعم، و التدخين بكافة صوره.

هذا الواقع يفرض ضرورة تبني ثقافة «القراءة الواعية» لمكونات المنتجات، و الالتزام بالحذر تجاه كل ما يبدو «خفيفاً» و لكنه يحمل في طياته آثاراً تراكمية عميقة، لتظل اليقظة الصحية و البيئية هي الركيزة الأساسية للحد من التعرض الكيميائي و ضمان حياة أكثر أماناً.