جريدة الديار
الإثنين 23 مارس 2026 11:57 صـ 5 شوال 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

الذهب يتراجع تحت نيران الحرب… وأسواق الطاقة تشعل اختبارًا قاسيًا للاقتصاد العالمي ومصر تتحرك بحذر

في لحظة فارقة من عمر الاقتصاد العالمي، لم يعد الذهب—ذلك المعدن الذي طالما اعتبره المستثمرون “ملاذًا آمنًا”—قادرًا على الصمود أمام عاصفة الجغرافيا السياسية. فقد هبطت أسعاره بشكل حاد، مقتربة من محو مكاسب عام كامل، في وقت تدخل فيه حرب إيران أسبوعها الرابع، وسط تصعيد متبادل بين واشنطن وطهران يهدد بإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية.

لكن ما يحدث ليس مجرد تراجع في سعر معدن، بل هو انعكاس لتحول أعمق في سلوك الأسواق، حيث لم تعد القواعد التقليدية صالحة كما كانت.

الذهب يتراجع… لماذا الآن؟

المفارقة أن الذهب، الذي يرتفع عادة في أوقات الحروب، يتراجع هذه المرة بنسبة وصلت إلى 3.8%، ليسجل أحد أسرع موجات الهبوط في تاريخه الحديث.

السبب ببساطة أن المستثمرين لا يبحثون الآن عن “الأمان” بقدر ما يبحثون عن “السيولة”.
في أوقات الأزمات الكبرى، تتجه المحافظ الاستثمارية إلى الدولار الأميركي، باعتباره العملة الأكثر سيولة عالميًا، حتى لو كان ذلك على حساب الذهب.

إلى جانب ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات أعاد شبح التضخم بقوة، وهو ما يقلل احتمالات خفض أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي الأميركي. وهنا تكمن الضربة المزدوجة للذهب:لا عائد مباشر منه وبيئة فائدة مرتفعة تقلل جاذبيته

النفط يشتعل… والعالم يدفع الثمن

على الجانب الآخر، تقف أسواق الطاقة في الاتجاه المعاكس تمامًا.
خام “برنت” يقترب من 113 دولارًا للبرميل، مدفوعًا بمخاوف حقيقية من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.

اللافت أن الأسعار لم ترتفع فقط بسبب نقص فعلي في الإمدادات، بل بسبب “الخوف من النقص”، وهو ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تصريح سياسي أو تهديد عسكري.

وهنا تظهر إشكالية كبرى:
الاقتصاد العالمي لا يتعامل مع أزمة طاقة فقط، بل مع صدمة ثقة.

الغاز المسال… الأزمة الأخطر القادمة

إذا كان النفط يشتعل، فإن الغاز الطبيعي المسال يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا.
الهجمات على منشآت “رأس لفان” في قطرالتي تمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية—تشير إلى أن الأزمة قد تكون أطول وأكثر عمقًا مما يتوقعه السوق.

التقديرات تشير إلى:

خروج عشرات الملايين من الأطنان من السوق
احتمالات وصول الأسعار إلى مستويات قياسية
ضغوط هائلة على أوروبا وآسيا

وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام أزمة طاقة جديدة تشبه ما حدث في 2022؟
الإجابة الأقرب: نعم… ولكن بشكل أكثر تعقيدًا.

لماذا يهبط الذهب رغم الحرب؟

التاريخ يجيبنا.
في أزمات 2008 و2020 و2022، تراجع الذهب في البداية قبل أن يعاود الصعود لاحقًا.

ما يحدث الآن هو المرحلة الأولى فقط:

بيع أصول لتغطية خسائر
هروب إلى الدولار
إعادة ترتيب المحافظ الاستثمارية

لكن إذا استمرت الأزمة، فإن الذهب قد يعود بقوة… وربما بمستويات قياسية.

مصر في قلب العاصفة… ولكنها تتحرك

في خضم هذا المشهد العالمي المضطرب، لم تكن مصر بعيدة عن التأثيرات.
الحكومة أعلنت بوضوح أن فاتورة واردات الطاقة تضاعفت أكثر من مرتين منذ اندلاع الحرب، وهو رقم يعكس حجم الضغط على الاقتصاد.

الإجراءات التي تم اتخاذها—مثل ترشيد استهلاك الكهرباء وتقليص ساعات عمل المحلات—لم تكن قرارات سهلة، لكنها تحمل رسالة واضحة:

الدولة تتحرك استباقيًا لتفادي الأسوأ.

ورغم الجدل الشعبي حول هذه القرارات، فإن قراءتها اقتصاديًا تكشف أنها:

محاولة لتقليل الضغط على العملة الأجنبية
تقليل فاتورة الاستيراد
الحفاظ على استقرار شبكة الطاقة

إلى أين يتجه المشهد؟

نحن أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

تصعيد عسكري واسع
→ ارتفاع أكبر في النفط والغاز
→ موجة تضخم عالمية
→ ضغط إضافي على الاقتصادات الناشئة
استمرار التوتر دون حسم
→ تذبذب الأسواق
→ بقاء الأسعار مرتفعة
→ حالة عدم يقين طويلة
تهدئة مفاجئة
→ هبوط سريع في النفط
→ تعافي الذهب
→ استقرار تدريجي للأسواق

هل لدى مصر تنوع في مصادر الطاقة؟

رغم هذه الضغوط، فإن نقطة القوة الحقيقية لمصر تكمن في تنوع مزيج الطاقة، وهو ما يمنحها قدرًا من المرونة في مواجهة الأزمات.

تعتمد مصر على عدة مصادر رئيسية:

الغاز الطبيعي: يمثل العمود الفقري للإنتاج، مدعومًا باكتشافات كبرى مثل حقل ظهر، ما ساعد في تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي.
الطاقة الشمسية: عبر مشروعات ضخمة مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية، الذي وضع مصر على خريطة الطاقة النظيفة عالميًا.
طاقة الرياح: خاصة في مناطق خليج السويس، حيث تتمتع مصر بواحد من أفضل مواقع الرياح في العالم.
الطاقة الكهرومائية: من خلال السد العالي، الذي لا يزال يساهم في إنتاج الكهرباء.
الطاقة النووية (مستقبلاً): مع مشروع محطة الضبعة النووية، الذي سيضيف مصدرًا مستقرًا طويل الأجل.

عالم بلا يقين

ما يحدث اليوم يؤكد أن الاقتصاد العالمي لم يعد يُدار فقط بالأرقام، بل بالسياسة والجغرافيا والنفوذ.

الذهب يهبط… والنفط يرتفع… والغاز يدخل دائرة الخطر…
وفي القلب من كل ذلك، تقف دول مثل مصر تحاول تحقيق معادلة صعبة:
حماية الاقتصاد دون تحميل المواطن فوق طاقته.

إنها لحظة اختبار حقيقية… ليس فقط للأسواق، بل لقدرة الدول على إدارة الأزمات بحكمة ومرونة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: ماذا يحدث الآن؟
بل: من يملك القدرة على الصمود حتى النهاية؟