«كيف نجحت مصر في تحويل أزمة حرب إيران إلى اختبار جديد لقدرة الدولة على الصمود؟»
في عالم الاقتصاد، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم احتياطاتها أو معدلات نموها، بل تُقاس بقدرتها على الصمود حين تهتز المنطقة من حولها. ومصر، التي تقف في قلب إقليم ملتهب، وجدت نفسها خلال الأشهر الماضية أمام اختبار بالغ الصعوبة مع اندلاع الحرب الإيرانية وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة والشحن والتجارة العالمية.
لكن اللافت أن الاقتصاد المصري، وبعد أسابيع من الضغوط العنيفة، بدأ يلتقط أنفاسه سريعاً، مقدماً رسالة مهمة مفادها أن الدولة المصرية لم تعد تتعامل مع الأزمات بردود أفعال مؤقتة، بل بمنهج إدارة اقتصادي أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات.
ففي يوم واحد فقط، جاءت عدة مؤشرات اقتصادية إيجابية لترسم صورة مختلفة عما كان يتوقعه كثيرون. تراجع معدل التضخم خلال أبريل، وارتفعت الاحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي إلى مستوى قياسي جديد تجاوز 53 مليار دولار، كما سجل الاقتصاد المصري معدل نمو بلغ 5% خلال الربع الأول من عام 2026، وهو رقم تجاوز حتى توقعات الحكومة نفسها في ظل أجواء الحرب والاضطراب الإقليمي.
الأكثر دلالة أن الجنيه المصري، الذي تعرض لضغوط قوية مع بداية الأزمة، عاد ليسترد جزءاً من قوته أمام الدولار مع تحسن شهية المستثمرين وتراجع المخاوف بشأن استمرار الحرب.
معركة التضخم.. والسياسة النقدية الأكثر انضباطاً
الحقيقة أن أحد أهم أسباب هذا التماسك يعود إلى السياسة النقدية التي انتهجها البنك المركزي المصري خلال الفترة الأخيرة. فالدولة تعلمت من تجارب سابقة أن ضخ السيولة بلا ضوابط أو التوسع غير المحسوب في الإنفاق قد يقود إلى موجات تضخمية مؤلمة للمواطن.
لذلك، جاء التوجه واضحاً نحو الحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة نسبياً، إلى جانب رفع عوائد شهادات الادخار بالبنوك الحكومية، وهي خطوات ساهمت في امتصاص السيولة من الأسواق وتقليل الضغوط التضخمية.
ورغم أن المواطن لا يزال يشعر بارتفاع الأسعار، فإن تباطؤ التضخم يحمل دلالة مهمة، وهي أن الاقتصاد بدأ يستعيد شيئاً من التوازن بعد موجات عنيفة من الاضطرابات العالمية والإقليمية.
قناة السويس تعود تدريجياً إلى المشهد
ومن بين الرسائل الإيجابية التي لا يمكن تجاهلها، عودة النشاط التدريجي لقناة السويس، التي ظلت لفترات طويلة أحد أبرز ضحايا التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر.
المفارقة أن الأزمة الإيرانية، رغم قسوتها، دفعت بعض خطوط الملاحة لإعادة النظر في مساراتها، وهو ما منح قناة السويس فرصة لاستعادة جزء من نشاطها. وتشير البيانات الحكومية إلى أن القناة حققت نمواً إيجابياً للربع الثالث على التوالي بنسبة 23.6%.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مالية، بل تعني عودة تدفقات نقدية دولارية تحتاجها مصر بشدة، وتعني أيضاً أن الموقع الجغرافي المصري ما زال يمثل أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية للدولة.
القطاع الخاص لا يزال يواجه الضغوط
ورغم هذه المؤشرات المطمئنة، فإن الصورة ليست وردية بالكامل. فالقطاع الخاص غير النفطي لا يزال يواجه تحديات حقيقية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والمواد الخام.
ارتفاع أسعار النفط بنحو 40% منذ اندلاع الحرب فرض أعباء إضافية على الصناعة والنقل والإنتاج، وهو ما انعكس على نشاط الشركات ومؤشرات مديري المشتريات التي أظهرت استمرار حالة الانكماش.
وهنا تظهر أهمية التوازن المطلوب في إدارة الاقتصاد؛ فالحكومة مطالبة من ناحية بالحفاظ على الانضباط المالي وعدم العودة لسياسات الدعم العشوائي، لكنها مطالبة أيضاً بدعم الصناعة والإنتاج المحلي وتخفيف الأعباء عن المستثمرين والقطاع الخاص، لأن النمو الحقيقي لا يتحقق بالأرقام الحكومية وحدها، بل بقدرة المصانع والشركات على العمل والتوسع وتوفير فرص العمل.
الطاقة.. المعركة الأهم في السنوات المقبلة
إذا كانت الحرب الإيرانية قد كشفت شيئاً بوضوح، فهو أن أمن الطاقة أصبح قضية أمن قومي بالمعنى الكامل للكلمة.
ولهذا تبدو التحركات المصرية الأخيرة في قطاع البترول والغاز شديدة الأهمية. فالدولة تستهدف جذب استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 6.2 مليار دولار خلال العام المالي المقبل لزيادة إنتاج النفط والغاز، بالتوازي مع تقديم حوافز غير مسبوقة للشركات العالمية.
والأهم أن الحكومة نجحت في استعادة ثقة الشركاء الأجانب عبر الالتزام بسداد مستحقاتهم المتأخرة، التي تراجعت من أكثر من 6 مليارات دولار إلى أقل من مليار دولار خلال أقل من عام.
هذه النقطة تحديداً كانت حاسمة في عودة شركات كبرى مثل “إيني” و“بي بي” و“شيفرون” و“أباتشي” إلى تكثيف عمليات البحث والاستكشاف في البحر المتوسط والبحر الأحمر.
ومع خطة لحفر 14 بئراً استكشافية جديدة خلال 2026، تسعى مصر لاستعادة مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، خاصة في ظل الاحتياطيات الواعدة التي تشير التقديرات إلى أنها قد تصل إلى 12 تريليون قدم مكعب من الغاز.
الموازنة العامة.. التحدي الأصعب
ورغم كل المؤشرات الإيجابية، يبقى الملف الأخطر هو عبء الدين وفوائد القروض، التي تلتهم وحدها نحو 46.7% من مصروفات الموازنة الجديدة، بما يتجاوز 2.4 تريليون جنيه.
هذه الأرقام تشرح لماذا تتحرك الدولة بحذر شديد في ملفات الدعم والإنفاق العام، ولماذا تركز الحكومة على زيادة الإيرادات وجذب الاستثمارات وتحفيز النمو.
فأي اقتصاد، مهما حقق من نجاحات، لا يمكنه الاستمرار طويلاً إذا استنزفت خدمة الدين الجزء الأكبر من موارده.
بين الصمود والإصلاح
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الاقتصاد المصري ما زال يواجه تحديات كبيرة، لكن الفارق اليوم أن الدولة أصبحت أكثر قدرة على إدارة الأزمات مقارنة بما كان يحدث في السابق.
الرهان الآن ليس فقط على تجاوز تداعيات الحرب الإيرانية، بل على استغلال اللحظة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وقدرة على المنافسة، اقتصاد يعتمد على الصناعة والتصدير والطاقة والسياحة، لا على المسكنات المؤقتة.
المواطن المصري تحمل كثيراً خلال السنوات الأخيرة، ومن حقه أن يرى ثمار هذه الإصلاحات في صورة فرص عمل أفضل، وأسعار أكثر استقراراً، ومستوى معيشة يليق بحجم التضحيات.
أما الرسالة الأهم، فهي أن مصر، رغم العواصف التي تضرب المنطقة، ما زالت قادرة على الوقوف بثبات… ليس لأن التحديات انتهت، بل لأن الدولة بدأت تتعلم كيف تدير الأزمات بعقل الدولة، لا بردود الفعل المؤقتة.

















