جريدة الديار
الجمعة 26 يونيو 2026 05:13 مـ 11 محرّم 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

من الأربعينيات إلى اليوم.. كيف تبدلت ملامح جمهور السينما المصرية؟

منذ بداياتها الأولى، لم تكن السينما المصرية مجرد شاشة تعرض عليها الأفلام، بل كانت مرآة تعكس تحولات المجتمع وتكشف ملامح أجياله المتعاقبة، بما تحمله من تغيّرات في الذوق والوعي وطبيعة التلقي.

ومع امتداد الرحلة من الأربعينيات حتى اليوم، ظل جمهور السينما نفسه هو العنصر الأكثر قابلية للتحول، بين من اعتبرها مساحة للثقافة والتأمل، ومن رآها وسيلة للترفيه الخالص، وصولاً إلى واقع جديد فرضته التكنولوجيا وتغيرات نمط الحياة.

هذا التحقيق يحاول تتبع المسار الطويل لجمهور السينما المصرية، ليس فقط من خلال تغير الأفلام، بل عبر فهم أعمق للعلاقة المعقدة بين المتلقي وصانع العمل الفني، وكيف تشكلت هذه العلاقة وتبدلت ملامحها عبر الزمن، وما إذا كان الانحدار مسؤولية الجمهور وحده أم صناعة كاملة تشاركه هذا التحول.

فما بين زمن كانت فيه السينما وسيلة للثقافة والمعرفة والمتعة، وواقع أصبحت فيه لدى قطاع كبير من الجمهور مجرد وسيلة للترفيه السريع، تبرز تساؤلات عديدة: هل تغير الجمهور فانعكست تغيراته على السينما؟ أم أن صناعها هم من قادوا هذا التحول؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين الطرفين؟

محمد فاضل: السينما بدأت للنخبة وانتهت إلى الترفيه الخالص

يرى المخرج محمد فاضل أن جمهور السينما المصرية شهد تحولات جذرية عبر العقود، موضحًا أن جمهور الأربعينيات كان يقتصر في الأساس على الطبقة الأرستقراطية والعائلات الثرية، وهو ما انعكس على تصميم دور العرض التي ضمت "اللوج" و"البلكون" لتوفير خصوصية أكبر لهذه الفئات، وكانت السينما آنذاك وسيلة للمتعة والثقافة في آن واحد.

وأضاف أن الخمسينيات والستينيات شهدتا نهضة سينمائية كبيرة مع تمصير العديد من القصص العالمية، الأمر الذي جذب جمهورًا أكثر ثقافة ووعيًا، وأسهم في ازدهار الحركة السينمائية.

وأشار إلى أنه مع نهاية الستينيات بدأت النظرة إلى السينما تتغير تدريجيًا، لتصبح وسيلة للتسلية، خاصة مع انتشار الأفلام الكوميدية، وهو ما أدى إلى اتساع قاعدة الجمهور بانضمام أبناء الطبقة المتوسطة والشباب إلى رواد دور العرض.

وأوضح أن السبعينيات والثمانينيات شهدتا اختفاء الطبقة الأرستقراطية تقريبًا من جمهور السينما، ليصبح الشباب والمراهقون، وتحديدًا الفئة العمرية من 15 إلى 25 عامًا، هم الشريحة الأكبر، بالتزامن مع انتشار الأفلام الرومانسية والكوميدية وأفلام الانفتاح الاقتصادي التي قدمها عادل إمام، مثل "سلام يا صاحبي" و"شعبان تحت الصفر".

وأكد أن التسعينيات، خاصة بعد النجاح الكبير لفيلم "إسماعيلية رايح جاي"، شهدت ظهور موجة الأفلام الكوميدية الشبابية، بينما جاءت الألفية الجديدة بأفلام العشوائيات والأفلام الشعبية، وهو ما أفرز جمهورًا جديدًا يرتبط بأفلام المواسم والأعياد، يبحث عن الضحك أكثر من البحث عن الأفكار.

واختتم فاضل رؤيته بقوله إن المنحنى شهد تراجعًا مستمرًا، بعدما تحولت السينما - في رأيه - من وسيلة للثقافة والمتعة الفكرية إلى مجرد وسيلة للتسلية، معتبرًا أن بعض الأفلام الحالية تعتمد على عناصر استعراضية وتجارية أكثر من اعتمادها على القيمة الفنية والفكرية.

عبد الرحيم كمال: العلاقة بين الجمهور والسينما تبادلية

من جانبه، يرى السيناريست عبد الرحيم كمال أن العلاقة بين جمهور السينما ونوعية الأفلام علاقة تبادلية، فكل جيل يفرض اهتماماته وأفكاره على السينما، وفي الوقت نفسه تسهم السينما في تشكيل وعي جمهورها.

وأوضح أن جمهور الأربعينيات كان منقسمًا بين طبقة أرستقراطية تعتبر الذهاب إلى السينما جزءًا من نمطها الاجتماعي الراقي، وطبقات شعبية كانت ترتاد دور العرض من الدرجتين الثانية والثالثة.

وأضاف أن الخمسينيات شهدت استمرار هذا التقسيم، مع ظهور جمهور خاص بالأفلام الأمريكية، بينما ظل جمهور السينما المصرية في معظمه من الطبقات الشعبية.

وأشار إلى أن الستينيات مثلت مرحلة نضج فكري، بفضل ظهور جيل من المخرجين والمبدعين المثقفين، مثل كمال الشيخ، وعز الدين ذو الفقار، ويوسف شاهين، إلى جانب ازدهار الأعمال المقتبسة عن الأدب المصري لكبار الكتاب، وفي مقدمتهم نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، ويوسف إدريس، وهو ما أسهم في خلق نهضة فكرية وجمهور واسع يقدر السينما الجادة.

وأضاف أن السبعينيات والثمانينيات كانتا مرحلة ازدهار حقيقي، حيث ضم جمهور السينما مختلف الطبقات الاجتماعية والثقافية، قبل أن يشهد المشهد تراجعًا في التسعينيات مع هيمنة السينما الشبابية، ثم ظهور ما وصفه بـ"سينما المولات"، التي ارتبطت بثقافة الترفيه السريع والفيشار والتسوق.

واعتبر أن المنافسة أصبحت تدور على جذب جمهور يبحث عن المتعة السريعة أكثر من اهتمامه بالمضمون، وهو ما ينذر - من وجهة نظره - بمزيد من التراجع إذا استمر هذا المسار.

شريف مندور: السينما انعكاس مباشر للواقع وتحولاته

يرى المخرج شريف مندور أن السينما المصرية هي ابن شرعي للواقع الذي تعيشه، مؤكداً أنها تتغير وتتطور وفقاً للتحولات الاجتماعية والثقافية المحيطة بها.

وأوضح أن السينما في الأربعينيات والخمسينيات اتسمت بقدر كبير من التأمل والهدوء الفكري، واستمرت حالة من التوازن الثقافي والفني حتى ظهور جيل من المخرجين الكبار في أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات، مثل عاطف الطيب، ومحمد خان، وعلي بدرخان، وداود عبد السيد، حيث قدموا رؤية سينمائية مختلفة، عكست عمقاً فكرياً واضحاً، وكان الجمهور في تلك المرحلة أكثر ميلاً للبحث عن الفكرة والمعنى قبل التسلية.

وأضاف أن المشهد تغير جذرياً مع انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ما انعكس على طبيعة جمهور السينما، وظهور ما وصفه بـ"سينما الهلس"، التي تعتمد على الأغاني والكليبات والرقصات والاستعراضات بشكل أساسي.

وأشار إلى أن هذا النمط ليس جديداً في المطلق، إذ إن السينما الاستعراضية كانت موجودة منذ بداياتها، في أفلام مثل أفلام علي الكسار، لكنها كانت - على حد وصفه - مُسخّرة داخل إطار فني ورؤية واضحة، بينما تحولت في المرحلة الحالية إلى عنصر منفصل عن الفكرة والهدف.

واختتم بأن السينما، في جوهرها، مرتبطة بالواقع بشكل مباشر، فهي تعكسه وتنقله كما هو، بل وتعلّق عليه، وهو ما يفسر - من وجهة نظره - هذا التحول في طبيعة الإنتاج والجمهور على حد سواء.

ماجدة خير الله: الفضائيات والمولات غيّرت خريطة المشاهدة

من جانبها، تؤكد الناقدة ماجدة خير الله أن جمهور السينما المصرية تغير بشكل جذري خلال العقود الأخيرة، مرجعة ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة.

وأشارت إلى أن ظهور الفضائيات كان أحد أهم الأسباب، إذ أصبحت الأفلام تُعرض بعد ساعات قليلة من طرحها في دور السينما، مما أتاح للمشاهد فرصة متابعتها من المنزل دون تكاليف إضافية.

وأضافت أن عامل المشقة أيضًا لعب دورًا مهمًا في هذا التغير، سواء من حيث صعوبة التنقل أو تمركز دور العرض داخل المراكز التجارية "المولات"، إلى جانب تراجع دور سينمات الأحياء القديمة التي كانت أكثر قربًا من الجمهور.

ولفتت إلى أن ارتفاع أسعار التذاكر، التي وصلت في بعض الحالات إلى 60 و70 جنيهًا، ساهم بدوره في تقليص الإقبال، إلى جانب ظهور ما يُعرف بـ"سينما المواسم"، ما أدى إلى انخفاض عدد الأفلام المنتجة سنويًا.

كما أشارت إلى أن صناعة السينما أصبحت أكثر حذرًا من الناحية الإنتاجية، في ظل مخاوف الخسائر الناتجة عن القرصنة وعدم ضمان الإيرادات، بالإضافة إلى مشكلات تتعلق بتوزيع الأفلام واحتكار بعض دور العرض، وغياب تشريعات كافية تحمي حقوق العرض.

واختتمت بأن جمهور السينما في الستينيات والسبعينيات يظل - من وجهة نظرها - الأكثر نضجًا ووعياً في تاريخ السينما المصرية، سواء من حيث التذوق أو التفاعل مع الأعمال الفنية.

آراء جمهور السينما.. تفضيلات متباينة بين الكوميديا والأكشن وسينما الأعياد

وفي سياق متصل، رصد التحقيق آراء عدد من رواد دور العرض، والتي عكست تنوعًا كبيرًا في تفضيلات الجمهور، مع تركيز واضح على أفلام الترفيه السريع بأنواعها المختلفة.

يقول محمد حسن (19 عامًا)، من رواد سينما مترو بوسط البلد، إنه يفضل الذهاب إلى السينما لمشاهدة الأفلام الكوميدية فقط، باعتبارها مصدرًا للسعادة والبهجة.

كما يضيف هاني السيد (17 عامًا)، من أمام سينما كريم بوسط البلد، أنه لا يرتاد السينما إلا في الأعياد، لمتابعة الأفلام الخفيفة التي تعتمد على الأغاني والرقص والكوميديا، موضحًا أنها تمنحه حالة من البهجة والترفيه.

ويشير شريف محمد (21 عامًا)، من أمام سينما جالاكسي بالمنيل، إلى أنه لا يفضل الأفلام العربية عمومًا، معتبرًا أنها لا تقدم ما يجذبه، في حين يفضل الأفلام الأجنبية لما تتضمنه من أكشن وقصص مشوقة ونجوم عالميين.

وتوضح منة عبد المجيد (22 عامًا)، من إحدى دور العرض داخل مول تجاري، أنها كانت تفضل في السابق الأفلام الرومانسية، إلا أنها لم تعد تجد هذا النوع متاحًا بكثرة، مشيرة إلى أن المعروض حاليًا يتركز في أفلام تعتمد على العنف أو الاستعراضات والرقص.

ومن جانبه، يقول حسين السيد (18 عامًا)، من أحد المولات التجارية، إنه يقبل على السينما فقط لمشاهدة أفلام الأكشن، خاصة أفلام نجوم مثل محمد رمضان وأحمد السقا، لما توفره من إثارة ومتعة على حد تعبيره.

كما يضيف محمد عادل (18 عامًا) أنه وأصدقاءه لا يرتادون دور العرض إلا في مواسم الأعياد، لمشاهدة أفلام تتضمن الغناء والرقص والأفراح الشعبية، باعتبارها "أفلام العيد" التي تمنحهم حالة من البهجة، بينما يفضلون في غير ذلك مشاهدة الأفلام الأجنبية، معتبرين أن كثيرًا من الأفلام المصرية لم تعد تقدم قصصًا جديدة أو مختلفة إلا في نطاق محدود جدًا.