جريدة الديار
الجمعة 7 أغسطس 2026 12:14 مـ 23 صفر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

سموم خفية في الحقول: المُبيدات تهدد صحة الإنسان والبيئة

في مشهدٍ تغمره الخضرة وتمتد فيه الحقول حتى تلامس الأفق، يبدو المشهد الزراعي للوهلة الأولى هادئاً ومُطمئناً، غير أن خلف هذا الصفاء تتشكل أزمة صامتة لا تُرى بالعين المجردة. فبينما يتنقل المزارعون يومياً بين محاصيلهم في مُواجهة الآفات، يتصاعد رذاذ كيميائي قد يحمل مخاطر لا تظهر آثارها فوراً، لكن بقايا بعض المبيدات قد تستمر في البيئة أو تنتقل عبر السلسلة الغذائية عند سوء الاستخدام أو الإفراط. وهكذا يبرز التحدي في تحقيق التوازن بين حماية المحاصيل وضمان الأمن الغذائي، وبين الحد من المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للمبيدات.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو 385 مليون حالة تسمم حاد غير مقصود بالمبيدات سنوياً حول العالم، بينها قرابة 11 ألف حالة وفاة. وعلى الرغم من أن الدراسة العلمية التي استندت إليها هذه التقديرات (Boedeker et al., BMC Public Health, 2020) خضعت لاحقاً لمُراجعة منهجية وتم سحبها في أكتوبر 2024 بسبب خلاف إحصائي حول طريقة الاستقراء، إلا أن المُنظمة لا تزال تعتمد هذا التقدير في تقاريرها الرسمية كأحدث رقم متاح حتى الآن. وتتركز النسبة الأكبر من هذه الحالات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث تضعف أنظمة الرقابة وتقل إجراءات الوقاية، مما يزيد الفجوة بين الاستخدام الآمن والمُمارسات الخاطئة.

الموت في الحقول
خلف المساحات الزراعية الواسعة، يواجه كثير من المزارعين مخاطر التعرض المباشر للمبيدات شديدة الخطورة، خاصة مع نقص وسائل الحماية أو ضعف الالتزام بإجراءات السلامة. ويجسد «الحاج جابر» هذه الصورة؛ فبحسب روايات مُقربين منه، كان يضاعف جرعات بعض المبيدات اعتقاداً بأنها تزيد من فعاليتها، رغم أن الإرشادات الزراعية تحذر من هذه الممارسة لما قد تسببه من زيادة مخاطر التعرض للتسمم.

ولم يبق هذا الخطر مُجرد أرقام؛ إذ تعرض «الحاج جابر» — وفق روايات مقربين منه — لإغماء مفاجئ أثناء عمله بالحقل، مع اشتباه طبي في إصابته بتسمم حاد وتأثر في وظائف الكلى، دون صدور تقرير طبي منشور يؤكد التشخيص النهائي. وأوضح طبيب بإحدى الوحدات الصحية الريفية، فضل عدم نشر اسمه لعدم تخويله بالتصريح لوسائل الإعلام، أن حالات الاشتباه في التسمم بالمبيدات شديدة الخطورة «تظهر بشكل متكرر، لكنها غالباً لا تُوثق بصورة منهجية»، وهو ما يُثير تساؤلات حول حجم الظاهرة غير المرصودة رسمياً.

أرقامٌ في الظل
في غرب أفريقيا، حيث تمتد مزارع الكاكاو تحت ظلال الأشجار الاستوائية، تكمن إحدى أكبر فجوات البيانات الصحية التي يعرفها العالم. فقد أظهرت دراسة ميدانية أجريت عام 2011 أن المزارعين الذين يتعاملون يومياً مع المبيدات يعانون من أعراض صحية — صداع، غثيان، حكة، ضيق تنفس — بمعدلٍ يفوق أربع مرات ما يعانيه أفراد أسرهم الذين لا يقتربون من هذه المواد. لكن المفاجأة كانت في الرقم الأخير: رغم هذا العبء الصحي غير المرئي، أفادت الدراسة — التي نشرتها دورية Environment, Development and Sustainability — أن نسبة الحالات التي تصل فعلاً إلى المراكز الصحية الرسمية لا تتجاوز 2% من إجمالي المصابين. وخلصت إلى أن السجلات الرسمية للتسمم بالمبيدات في البلاد «مُهدرة بشكل خطير»، في انعكاسٍ لظاهرةٍ عالمية: الأرقام التي نعرفها قد لا تمثل سوى قمة جبلٍ جليديٍّ يمتد في صمتٍ بين الحقول.

نقص أدوات الحماية
تكمن إحدى أبرز أسباب استمرار هذه المخاطر في محدودية استخدام معدات الوقاية الشخصية وضعف الالتزام بالإرشادات الفنية. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن بعض المزارعين قد يستخدمون مبيدات غير مسجلة أو لا يلتزمون بتعليمات الاستخدام، مما يزيد المخاطر الصحية والبيئية.
ويؤكد المهندس الزراعي محمد حسن أن زيادة الجرعات لا تعني تحقيق فعالية أكبر، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية تضر بصحة الإنسان والبيئة. ويضيف أن الالتزام بالجرعات الموصى بها، وقراءة تعليمات الاستخدام، وارتداء معدات الوقاية، وتجنب الخلط العشوائي للمبيدات، تمثل خط الدفاع الأول لحماية المزارعين والمحاصيل.

معركة مع رذاذ السموم
في فلسطين على تلال الضفة الغربية، حيث يتسلق المزارعون أشجار الزيتون ويحصدون الخضروات موسمياً، يخوض آلاف العمال معركة صامتة مع رذاذ لا يرونه. ففي دراسة شملت 1105 مزارعين بين عامي 2020 و2022، أبلغ نحو 59% منهم عن معاناتهم من أعراض صحية مباشرة بعد التعامل مع المبيدات، تصدرها الصداع، تلتها الحكة الجلدية (47%)، والحساسية (37%)، والدوخة (36%)، وضيق التنفس (34%). لكن الأرقام كشفت عن علاقةٍ أعمق: كلما قلّ الالتزام بإجراءات الوقاية — خاصةً عدم ارتداء القفازات أو تجاهل إرشادات الاستخدام — زادت حدة الأعراض. وفيما نُشرت هذه النتائج في دورية African Health Sciences، وأشارت الدراسة إلى أن التعرض المهني للمبيدات قد يرتبط بآثار صحية متعددة تشمل الجهاز العصبي والجلد وبعض وظائف الجسم، وفقًا لطبيعة المادة ومستوى التعرض.

خطر يصل المنازل
لا يقتصر تأثير المبيدات شديدة الخطورة على مواقع استخدامها، إذ تشير دراسات بيئية إلى إمكانية انتقال بقاياها إلى المنازل عبر الملابس الملوثة أو من خلال تسربها إلى مصادر المياه، مما يزيد احتمالات تعرض أفراد الأسرة، ولا سيما النساء والأطفال.

وفي دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا، بيركلي ضمن مشروع CHAMACOS — وهو مشروع طولي بدأ عام 1999 لمتابعة صحة الأمهات وأطفالهن في وادي ساليناس الزراعي — رُصدت ارتباطات بين تعرض النساء الحوامل لبعض المبيدات من فئة الفوسفات العضوية وتأثيرات مُحتملة في النمو الإدراكي لدى الأطفال. ونُشرت نتائج مُتعددة من هذا المشروع على مدى عقدين في دوريات مُتخصصة، مع التأكيد على أن حجم التأثير يتفاوت تبعاً لدرجة التعرض والعوامل البيئية المصاحبة.

ضحايا بلا إدراك
تكشف رواية «أم محمد» كيف قد يمتد التعرض للمبيدات إلى داخل المنازل؛ إذ اعتادت التعامل مع ملابس العمل الملوثة قبل أن تلاحظ، بحسب روايتها، تأخراً في نمو طفلها.
ويقول أحمد محسن، أحد المزارعين في دلتا النيل: «كنا نعود إلى المنزل بملابس العمل نفسها، دون إدراك للمخاطر المحتملة.»
كما أقر أحد تجار المبيدات في المنطقة – فضل عدم نشر اسمه – بأن بعض المزارعين يتجنبون شراء معدات الوقاية لتقليل النفقات رغم إدراكهم للمخاطر، وهو ما يعكس تداخل عوامل الوعي والاعتبارات الاقتصادية في استمرار هذه المُمارسات.

من الحقل للطعام
لا تتوقف آثار المبيدات عند العاملين في الحقول، بل تمتد إلى المستهلكين عبر متبقياتها على المنتجات الزراعية. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن الالتزام بفترة ما قبل الحصاد يتيح انخفاض هذه المتبقيات إلى الحدود الآمنة.
إلا أن بعض المُمارسات الميدانية تُظهر عدم الالتزام بهذه الفترات تحت ضغوط اقتصادية. ويروي أحد المزارعين أنه اضطر إلى حصاد محصوله قبل الموعد الموصى به للاستفادة من ارتفاع الأسعار، في سلوك يعكس التعارض بين ضغوط السوق ومتطلبات السلامة.

فحوصات مخبرية
في أسواق الفلاحين بمحافظة الشرقية، حيث تُعرض الخضروات والفاكهة طازجةً كل صباح، كشفت فحوصات مخبرية دقيقة أجريت عامي 2020 و2021 عن انتشار بقايا مبيدات لا تُرى بالعين المُجردة. فبعد تحليل 120 عينة باستخدام أجهزة كروماتوغرافيا الغاز والسائل المُزدوجة، تبين أن ثلثي عينات الخضروات — بنسبة 67% — ونحو 61% من عينات الفاكهة، كانت تحمل بقايا مبيدات، وأن نحو 41% من هذه البقايا في الخضروات و39% في الفاكهة تجاوزت الحدود الدولية الآمنة. وكان الخيار الأكثر تلوثاً، إذ احتوت عينة واحدة منه على 15 مادة كيميائية مختلفة، بينما حمل التفاح 20 مادة. وفي ختام الدراسة التي نشرتها دورية Toxics، حذر الباحثون من أن مبيدات مثل لامبدا سايهالوثرين وفبرونيل، المُكتشفة في هذه الأسواق، قد تُشكل — عند تراكمها — مخاطر صحية حادة ومُزمنة على المُستهلكين.

سلسلة غذاء ملوثة
يمتد تأثير الاستخدام غير المنضبط للمبيدات إلى النظام البيئي بأكمله، إذ يمكن أن تتراكم بقاياها في التربة والمياه، ثم تنتقل عبر النباتات إلى الحيوانات والإنسان فيما يُعرف بالتراكم الحيوي. كما يُهدد الإفراط في استخدام المبيدات الكائنات النافعة، وفي مقدمتها النحل، بما قد ينعكس على التنوع الحيوي وإنتاجية المحاصيل.

آفات أكثر مقاومة
لا تقتصر آثار الاستخدام غير الرشيد للمبيدات على صحة الإنسان والبيئة، بل تمتد إلى فعالية المُكافحة الزراعية نفسها. فوفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، يُؤدي الاستخدام المُتكرر للمبيد نفسه أو للمبيدات ذات آلية التأثير الواحدة إلى زيادة احتمالات ظهور سلالات من الآفات مُقاومة لهذه المواد، مما يُقلل من كفاءتها بمرور الوقت. ومع تراجع الفعالية، يلجأ بعض المزارعين إلى زيادة الجرعات أو استخدام مُركبات أشد سُمّية، فتزداد المخاطر الصحية والبيئية وترتفع تكاليف الإنتاج. وتوصي المُنظمة بتطبيق الإدارة المتكاملة للآفات (IPM)، التي تجمع بين الوسائل الزراعية والبيولوجية والكيميائية للحد من الاعتماد على المبيدات وتحقيق إنتاج أكثر استدامة.

مخاطر طويلة الأمد
تشير تقييمات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)، التابعة لمُنظمة الصحة العالمية، والصادرة عام 2015 ضمن المجلد 112 من سلسلة تقييمات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، إلى تصنيف مادتي الجليفوسات والمالاثيون ضمن فئة «يُحتمل أن تكون مُسرطنة للبشر» (المجموعة 2A).

كما تشير دراسات في علم السموم إلى أن بعض المُبيدات قد تؤثر في وظائف الخلايا، إلا أن طبيعة هذه التأثيرات تعتمد على نوع المادة، ومستوى التعرض لها، ومدته، إلى جانب عوامل فردية وبيئية أخرى.

مُبيدات شديدة الخطورة
تُصنف المبيدات شديدة الخطورة وفق معايير مُشتركة وضعتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة، استناداً إلى ارتفاع سُمّيتها أو آثارها الصحية والبيئية طويلة الأمد. وتشير تقارير مُتعددة إلى استمرار استخدام بعض هذه المواد في عدد من الدول النامية، رغم الدعوات الدولية إلى التخلص التدريجي منها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فعالية الرقابة وتفاوت تطبيق المعايير بين الدول.

مياه تحت التهديد
وتحذر وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) من أن بعض المبيدات قد تصل إلى المياه السطحية والجوفية عبر الجريان السطحي أو التسرب خلال التربة، خاصة عند الإفراط في استخدامها أو التخلص غير الآمن من بقاياها وعبواتها. وتوصي الوكالة بالالتزام بالجرعات المُعتمدة، وإنشاء مناطق عازلة حول المجاري المائية، والتخلص الآمن من العبوات الفارغة، للحد من تلوث الموارد المائية وحماية النظم البيئية.

ردود رسمية مُباشرة
من جانبها، تؤكد وزارة الزراعة وجود منظومة مُتكاملة لتنظيم تسجيل وتداول المُبيدات، إلى جانب برامج إرشادية تستهدف رفع وعي المزارعين بأساليب الاستخدام الآمن، والالتزام بالجرعات المُقررة وفترات الأمان السابقة للحصاد. كما تشير إلى استمرار حملات التفتيش والرقابة على الأسواق ومنافذ التداول، مُؤكدة أن مُخالفة الضوابط المنظمة تُعرض مُرتكبيها للمساءلة القانونية.

ورغم أهمية هذه الإجراءات، يرى خبراء أن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بوجود التشريعات واللوائح، بل بمدى كفاءة تنفيذها ميدانياً، وضمان وصول التوعية إلى جميع حلقات المنظومة الزراعية، من المنتج إلى المُستهلك. ولم تتوفر بيانات تفصيلية حديثة حول معدلات الالتزام الفعلية أو أعداد المُخالفات المُسجلة خلال الفترة الأخيرة، ما يفتح الباب أمام الحاجة إلى مزيد من الشفافية في نشر مؤشرات الرقابة والنتائج الميدانية.

خسائر اقتصادية ممتدة
ولا تقتصر آثار الاستخدام غير الرشيد للمُبيدات على الصحة والبيئة، بل تمتد إلى الاقتصاد الزراعي. ويروي المزارع «عصام» أن الاعتماد المُتزايد على المُبيدات أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وظهور آفات أكثر مقاومة، مما اضطره إلى الاقتراض والتوقف مُؤقتاً عن الزراعة. ويرى خبراء أن استمرار هذه المُمارسات قد يحول المبيدات من وسيلة لزيادة الإنتاج إلى عبء اقتصادي يثقل كاهل المُزارعين ويُحد من استدامة النشاط الزراعي.

تحديات صحية وبيئية
تكشف المُعطيات العلمية أن المُبيدات تمثل أداة أساسية لحماية المحاصيل وتعزيز الإنتاج الزراعي، إلا أن سوء استخدامها قد يحولها إلى مصدر لمخاطر صحية وبيئية واقتصادية تمتد آثارها من الحقول إلى المنازل، ومن الموارد الطبيعية إلى السلسلة الغذائية. ولهذا توصي تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة بتطبيق الإدارة المُتكاملة للآفات، باعتبارها نهجاً يوازن بين حماية المحاصيل، والحفاظ على صحة الإنسان، وصون البيئة، والحد من الاعتماد المُفرط على المبيدات الكيميائية.

نهاية مفتوحة صادمة
وبينما تواصل الحقول إنتاج الغذاء يوماً بعد آخر، يواصل آلاف المُزارعين عملهم وسط مخاطر قد لا تكون مرئية، لكنها قد تصبح ملموسة عندما يغيب الاستخدام الآمن والرقابة الفعالة. وتوضح الشهادات الإنسانية، إلى جانب الدراسات العلمية، أن المُشكلة لا تكمن في وجود المبيدات بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها والالتزام بالضوابط المُنظمة لها. فكل خطوة تُهمل فيها إجراءات الوقاية، وكل جرعة تُستخدم خارج التوصيات، قد تزيد من احتمالات تعريض الإنسان والبيئة لمخاطر يُمكن الحد منها.

ويبقى السؤال مطروحاً: كيف يمكن تحقيق مُعادلة تضمن إنتاجاً زراعياً وفيراً، وفي الوقت نفسه تحمي المُزارعين والمُستهلكين والبيئة؟ وتبدو الإجابة مرهونة بتكامل الأدوار بين الجهات الرقابية، والمؤسسات الإرشادية، والمُزارعين، وتطبيق المُمارسات الزراعية السليمة، حتى تظل المُبيدات وسيلة لحماية المحصول، لا مصدراً يهدد صحة الإنسان والبيئة.

تحقيق : أحمد عبد الحليم