وفاء أبو السعود تكتب: ما بين رؤى صُنّاع التاريخ وحقيقتها تكون نبض العباسة
جميعًا يدور بخلدنا بعض الأسئلة التي قد لا نجد لها إجابة ، من يملك كتابة التاريخ؟ وهل من يكتبه سيكون منصفًا طبقًا لواقع المرحلة التي كُتب فيها فيسوق لنا الحقيقة كاملة؟ أم تصل إلينا محمّلة برؤى صاحبها فيخالطها الهوى؟ أم يكتب ما أُريد له أن يُكتب؟
من بين تلك الأسئلة تأتي لنا ( نبض العباسة) وهي نص مسرحي للكاتب والناقد صموئيل نبيل أديب، والتي حصدت جائزة المركز الأول لأفضل نص مسرحي في الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، متصدرة قائمة النصوص الفائزة من بين أكثر من 200 عمل إبداعي، حيث أُعلنت النتيجة خلال حفل ختام المهرجان على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية برئاسة الفنان محمد رياض.
وتبدأ أحداث النص حين يقتل الخليفة هارون الرشيد جعفر البرمكي، بينما علي الجانب الاخر تستعد فرقة مسرحية لتصوير وإخراج نص مسرحي على خشبة المسرح من خلال البروفات، لتبدأ الرحلة بين كل من عهد الخلافه من ناحية وداخل الفرقة من ناحية اخري من خلال مجموعة من الصراعات التي تتجاوز حدود العمل المسرحي نفسه، وتكشف أثر الخوف في حياة الإنسان، وفي اختياراته وعلاقاته ومواقفه.
فتتوالى الأحداث في مشاهد تجمع بين دقة الوصف، وروعة التعبير، وخفة الروح، لتأخذ القارئ في رحلة لا تقف عند حدود التاريخ، وإنما تمتد إلى داخل الإنسان نفسه.
ويحكي النص عن قصة تدور أحداثها في العصر العباسي، في عهد الخليفة هارون الرشيد، الذي تولى الخلافة عام 786 ميلادية، وهو في العشرين من عمره، وكان خامس خلفاء الدولة العباسية وأحد أبرز خلفائها.
حيث شهد عصرة قوة الدولة واتساع نفوذها وازدهارها، لكنه في الوقت ذاته حمل في طياته صراعات الهيمنة واستبداد النفوذ، وتجسدت تلك الصراعات في غضب الخليفة من حب الرعية لأهم رجاله الذين ساعدوا في ترسيخ دعائم ولايته.
وبظهور أسرة البرامكة، وعلى رأسها يحيى بن خالد البرمكي، الذي ساعد في تربية هارون الرشيد، وابنه جعفر البرمكي، الذي كان من أقرب رجال الخلافة إلى هارون، وزواج العباسة أخت الرشيد من جعفر، وتولي أفراد الأسرة عددًا من المناصب القيادية داخل الدولة.
وكما كانت تلك الأسرة سببًا رئيسيًا في ازدهار الخلافة واتساع نفوذها ورقعتها، حققت لنفسها كذلك الكثير من النفوذ والثروات، ثم جاء الحدث الجلل بقرار الخليفة المفاجئ بالتخلص من أسرة البرامكة؛ فسُجن يحيى البرمكي، وقُتل جعفر، وصودرت ثروات الأسرة، في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في التاريخ العباسي.
ولم تكن تلك الحادثة هي الوحيدة في التاريخ، بل شهدت عصور أخرى أحداثًا مشابهة؛ حين استقطب الخليفة أبو جعفر المنصور أحد أهم رجاله، وهو أبو مسلم الخراساني، إلى مجلس الخلافة، ثم أمر رجاله بقتله، خوفًا من تنامي نفوذه.
مما يٌظهر أن النجاح في بعض الأحيان قد يتحول إلى جريمة يُعاقب عليها صاحبها، وأن الحب والانتماء قد لا يشفعان لصاحبهما إذا ما بلغ نفوذه حدًا يثير مخاوف السلطة.
وهنا نتذكر ما طرحه المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون في تحليلاته من أفكار حول علاقة السلطة بالنفوذ، وكيف يمكن أن يتحول القرب من مركز الحكم والاستئثار بالجاه والنفوذ إلى سبب في إثارة المخاوف والصراعات، ومن ثم إلى زوال صاحبه.
فقد استطاع الكاتب من خلال هذا النص أن يمسك بيد القارئ، ويفتح له نافذة يعبر منها بين جسور الزمن، فيعيش الماضي بكل تفاصيله، وإذا به ينتقل إلى الحاضر( المقصود هنا بالحاضر حاضر اي زمان ) بكل سهولة ويسر، حتى تبدو عقارب الساعة وكأنها تسير بين الزمنين في كل الاتجاهات، إلى الخلف وإلى الأمام.
واستطاع الكاتب، ما بين الحقيقة وظلها في تلك الفترة أن يقدم سردًا راقيًا وعقلًا واعيًا يصوغ الكلمات، فيضع كل كلمة في مكانها الصحيح، منتقدًا غياب الوعي وتضليل الحقائق في زمنٍ تختلط فيه الحقائق، ومنتقدًا الجهل المتعمد بالتاريخ وإسقاط رموزه.
نبض العباسة ليست محاولة لمجرد استعادة واقع فترة تاريخية ما، بقدر ما هي نافذة يطل منها الكاتب على سؤال أعمق: ماذا يحدث حين يقترب الإنسان من السلطة، ويتحول قربه منها إلى نفوذ؟
إن نص ( نبض العباسة ) محاولة جادة لإعادة هيبة الكتابات المسرحية الهادفة، واستعادة دور المسرح في طرح الأسئلة التي تتجاوز حدود الحكاية، لتصل إلى أعماق الإنسان والمجتمع والسلطة.
وستظل ( نبض العباسة ) كاشفةً أن الأحداث، وإن تبدلت وأن الأسماء وإن اختلفت فإن دوافع البشر ستظل باقية ومخاوفهم لا تتبدل كثيرًا، وصراعاتهم ستظل تطارد الجميع، في تلك القصص التي تختبئ هي وما فيها من خلف ستار الزمن.





