مها بسطاوي تكتب: مأساة إنسانية كشفت حجم القلق الذي يعيشه أولياء الأمور تجاه أبنائهم داخل المجتمع والمدرسة معًا
ما حدث للطفل آدم لا يمكن اختزاله في خبر عابر أو في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي. فالقضية، قبل أن تكون موضوعًا للتحقيقات أو مادةً للجدل العام، هي مأساة إنسانية كشفت حجم القلق الذي يعيشه أولياء الأمور تجاه أبنائهم داخل المجتمع والمدرسة معًا. وما يزيد الألم أن الضحية لم يكن شابًا في نهاية المراهقة، بل طفلًا في المرحلة الإعدادية خرج من منزله كأي يوم دراسي عادي، ثم عاد إلى أسرته جثمانًا.
ورغم أن التحقيقات الرسمية لم تحسم بعد جميع التفاصيل والملابسات، فإن ردود الفعل الواسعة التي صاحبت الواقعة تعكس حالة خوف أعمق من الواقعة نفسها. فالمجتمع لم يصدم فقط بسبب وفاة طفل، وإنما بسبب الأسئلة التي فرضت نفسها بقوة: كيف يمكن أن تصل مادة خطرة إلى طفل في هذا العمر؟ وهل أصبحت الأسرة والمدرسة أقل قدرة على متابعة التغيرات التي تطرأ على الأبناء؟ وهل ما نشهده اليوم من ضغوط تعليمية متزايدة يأتي على حساب التربية والتوجيه وبناء الشخصية؟
الحقيقة أن المدرسة لم تُنشأ يومًا من أجل تدريس المناهج فقط. فالوظيفة الأصلية للمؤسسة التعليمية أوسع كثيرًا من نقل المعلومة الأكاديمية. فالمدرسة فضاء اجتماعي يتعلم فيه الطالب التعاون والانضباط والاحترام وقبول الآخر، ويتعرف فيه معنى المسؤولية والانتماء. وعندما تتحول العملية التعليمية إلى سباق دائم نحو الامتحانات والتقييمات والأرقام، فإن الجانب التربوي يتراجع تلقائيًا، حتى لو ظل موجودًا في الشعارات والخطط الرسمية.
المشكلة لا تكمن في وجود اختبارات أو متابعة دراسية، فهذه أمور ضرورية، إنما في تحولها إلى الهدف الوحيد الذي يدور حوله الجميع. الطالب مشغول بالدرجات، والمعلم مشغول بالخطة الزمنية وإنهاء المقرر، وولي الأمر منشغل بالتحصيل والنتائج. وفي وسط هذا الزحام تتراجع المساحات التي كان يمكن أن تشهد حوارًا حقيقيًا حول القيم والأخلاق والصداقة والغيرة والتعامل مع الضغوط النفسية.
الأطفال لا يولدون وهم يعرفون كيفية إدارة مشاعرهم. الغيرة مثلًا شعور إنساني طبيعي، لكن الطفل يحتاج إلى من يعلمه كيف يتعامل معها بصورة صحية. يحتاج إلى أن يفهم أن تفوق الآخرين لا ينتقص من قيمته، وأن النجاح ليس موردًا محدودًا يتصارع الجميع عليه. وعندما تغيب هذه التربية الوجدانية، قد تتحول المشاعر السلبية إلى سلوكيات مؤذية للنفس أو للآخرين.
كذلك الأسرة اليوم تواجه تحديات مختلفة عما واجهته الأجيال السابقة. ضغوط المعيشة والعمل واختفاء الوقت المشترك داخل المنزل جعلت كثيرًا من الآباء والأمهات يقضون ساعات طويلة بعيدًا عن أبنائهم. ليس بسبب الإهمال، وإنما بسبب ظروف الحياة نفسها. ومع مرور الوقت يصبح الحوار اليومي أقل، وتصبح معرفة التفاصيل التي يعيشها الأبناء داخل المدرسة أو بين الأصدقاء أكثر صعوبة.
ولا يعني ذلك تحميل الأسرة وحدها المسؤولية، كما لا يجوز تحميل المدرسة وحدها المسؤولية. فالأزمة الحقيقية تنشأ عندما تعمل كل مؤسسة بمعزل عن الأخرى. التربية الناجحة هي شراكة مستمرة بين البيت والمدرسة والمجتمع. وحين تضعف هذه الشراكة تظهر فجوات كبيرة قد تمر من خلالها مشكلات لم تكن موجودة من قبل أو كانت أقل انتشارًا.
ومن الأخطاء الشائعة بعد كل حادثة مؤلمة البحث السريع عن متهم قبل انتهاء التحقيقات. فالعدالة لا تبنى على الشائعات، ولا على القصص المتداولة، بل على الأدلة والحقائق. لذلك فإن احترام مسار التحقيقات واجب أخلاقي وقانوني، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأطفال وأسر تعيش لحظات قاسية من الحزن والصدمة. ومعرفة الحقيقة كاملة حق لأسرة آدم كما أنها حق للمجتمع كله.
لكن بعيدًا عن النتائج النهائية للتحقيق، فإن الواقعة تحمل رسالة واضحة لا يجوز تجاهلها. فالأطفال يحتاجون اليوم إلى متابعة نفسية وأخلاقية بقدر حاجتهم إلى المتابعة التعليمية. يحتاجون إلى من يستمع إليهم لا من يسألهم فقط عن الدرجات. يحتاجون إلى بيئة مدرسية تسمح ببناء العلاقات الإيجابية والشعور بالأمان والانتماء، لا إلى مجرد قاعات للاختبار والتقييم.
وربما يكون الدرس الأكثر أهمية أن التربية لا يمكن تأجيلها إلى بعد انتهاء المنهج، ولا إلى بعد الامتحانات، ولا إلى وقت فراغ قد لا يأتي أبدًا. فبناء الإنسان هو المهمة الأساسية، وكل ما عدا ذلك يبقى وسيلة. أما حين يصبح التحصيل الدراسي هو الغاية الوحيدة، فإننا نخاطر بإهمال الجوانب التي تصنع الشخصية وتحمي المجتمع على المدى الطويل.
رحم الله الطفل آدم، وألهم أسرته الصبر والسلوان، وأظهر الحقيقة كاملة. فالقضية لم تعد مجرد واقعة فردية أثارت الحزن، بل أصبحت جرس إنذار يدفع الجميع إلى إعادة التفكير في علاقتنا بأبنائنا، وفي الدور الحقيقي الذي ننتظره من المدرسة، وفي القيم التي يجب أن تبقى حاضرة مهما ازدادت الضغوط وتغيرت الظروف.





