مدحت الشيخ يكتب: شرايين العالم تحت الضغط.. من يملك مفاتيح التجارة يملك أوراق القوة
في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع الصراعات السياسية والعسكرية، لم تعد البحار مجرد مساحات مفتوحة لعبور السفن، ولم تعد الممرات المائية طرقًا محايدة لنقل البضائع والطاقة، بل تحولت إلى مراكز ثقل في معادلة النفوذ الدولي، وأصبحت السيطرة على أمنها واستقرارها أحد أهم محددات القوة في النظام العالمي.
وما تشهده المنطقة من توترات متلاحقة يعيد طرح سؤال بالغ الأهمية: من يمتلك القدرة على التحكم في شرايين التجارة العالمية، ومن يستطيع تعطيلها أو التأثير في مساراتها؟ فالمسألة لم تعد مرتبطة بمضيق هنا أو قناة هناك، وإنما بمنظومة متكاملة من المصالح الاستراتيجية التي تبدأ من الخليج العربي، وتمتد عبر البحر الأحمر، وصولًا إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر، ليس باعتبارها دولة تقع على أحد أهم طرق الملاحة الدولية فحسب، وإنما باعتبارها صاحبة موقع استراتيجي يمنحها دورًا محوريًا في حركة التجارة بين الشرق والغرب.
الجغرافيا تتحول إلى سلاح في صراعات النفوذ
تكشف التطورات المحيطة بمضيق هرمز أن الممرات البحرية أصبحت من أكثر أدوات الضغط تأثيرًا في العلاقات الدولية. فالمضيق الذي تمر عبره كميات ضخمة من إمدادات النفط والغاز العالمية يمثل نقطة حساسة في أمن الطاقة، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيل بإحداث اضطرابات واسعة في الأسواق الدولية.
ولا تقتصر خطورة الأمر على ارتفاع أسعار النفط، بل تمتد إلى إعادة حسابات الدول المستوردة للطاقة، وزيادة تكلفة الإنتاج والنقل، وارتفاع أعباء التأمين البحري، بما يخلق موجات متتالية من الضغوط الاقتصادية.
أما باب المندب، فيمثل حلقة أخرى بالغة الحساسية في هذه المنظومة، فهو البوابة التي تتحكم في حركة الدخول والخروج من البحر الأحمر باتجاه المحيط الهندي، ومن ثم فإن اضطراب الأوضاع الأمنية فيه يضع حركة التجارة المتجهة إلى قناة السويس أمام تحديات حقيقية.
وهنا تتضح خطورة الترابط بين بؤر التوتر؛ فأزمة في الخليج قد تمتد آثارها إلى البحر الأحمر، وتهديد في باب المندب قد يعيد رسم خريطة النقل البحري بين آسيا وأوروبا، لتصبح المنطقة بأكملها أمام معادلة أمنية واقتصادية شديدة التعقيد.
حين تدفع التجارة العالمية ثمن الصراعات
إن أخطر ما في اضطراب الملاحة البحرية ليس فقط احتمالات توقف السفن أو تعرضها للمخاطر، وإنما ما يترتب على ذلك من تغيير في سلوك شركات النقل العالمية.
فعندما ترتفع المخاطر في البحر الأحمر، قد تلجأ شركات الشحن إلى الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، فضلًا عن ارتفاع أسعار التأمين.
وتتحول هذه الزيادة في النهاية إلى أعباء يتحملها المستهلك، سواء في صورة ارتفاع أسعار السلع الغذائية أو المنتجات الصناعية أو مستلزمات الإنتاج.
وبذلك تصبح الصراعات البحرية جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، حتى وإن كان يبعد آلاف الكيلومترات عن مواقع المواجهات.
وهذه الحقيقة تفرض على الدول العربية إعادة النظر في مفهوم الأمن الاقتصادي، فلم يعد كافيًا امتلاك الموارد أو القدرة الإنتاجية، بل أصبح تأمين طرق وصول هذه الموارد وتدفقها إلى الأسواق عنصرًا أساسيًا من عناصر الاستقرار الوطني.
قناة السويس.. ورقة استراتيجية لا يجوز اختزالها في رسوم العبور
بالنسبة لمصر، تتجاوز أهمية قناة السويس مسألة الإيرادات المباشرة التي تحققها من عبور السفن. فالقناة تمثل أحد أهم عناصر المكانة الجيوسياسية للدولة المصرية، وأداة مؤثرة في حركة التجارة الدولية، ومصدرًا من مصادر قوتها الاقتصادية والاستراتيجية.
لكن التحدي الحقيقي الذي تواجهه مصر لا يتعلق فقط بالحفاظ على كفاءة القناة وتأمين ممراتها، وإنما بضمان استمرار تدفق السفن إليها عبر شبكة الملاحة الدولية المحيطة بها.
فالقناة قد تكون آمنة وجاهزة لاستقبال السفن، لكن اضطراب الأوضاع في البحر الأحمر قد يدفع شركات الملاحة إلى تجنب المنطقة بأكملها. وهنا تظهر الفجوة بين امتلاك ممر ملاحي مؤمن وبين ضمان استمرار استخدامه اقتصاديًا.
ومن ثم فإن حماية مكانة قناة السويس تتطلب رؤية أوسع من مجرد تطوير المجرى الملاحي، تشمل تأمين البيئة البحرية المحيطة، واستعادة ثقة شركات النقل، وتقديم خدمات تنافسية، وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية والصناعية المرتبطة بها.
والأهم أن تتحول قناة السويس إلى مركز اقتصادي متكامل، لا تقتصر عوائده على رسوم العبور، بل تمتد إلى التصنيع والتخزين والتوزيع وتموين السفن والصيانة والخدمات البحرية.
مصر والأمن البحري العربي.. معادلة المصالح المشتركة
لا يمكن لمصر أن تتعامل مع أمن البحر الأحمر باعتباره ملفًا منفصلًا عن محيطها العربي، فاستقرار هذا الممر يرتبط بصورة مباشرة بأمن دول الخليج، والسعودية، واليمن، والأردن، فضلًا عن المصالح المصرية في قناة السويس.
ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من التنسيق المؤقت الذي تفرضه الأزمات إلى بناء تصور استراتيجي عربي طويل الأمد، يقوم على حماية المصالح المشتركة، وتبادل المعلومات، وتطوير قدرات المراقبة البحرية، والتعاون في مواجهة التهديدات التي تستهدف السفن والمنشآت الحيوية.
كما أن التسوية السياسية للأزمات الإقليمية تمثل جزءًا لا يتجزأ من حماية الملاحة، لأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع توفير استقرار دائم في منطقة تتداخل فيها النزاعات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
ويظل استقرار اليمن على وجه الخصوص عنصرًا مهمًا في حماية باب المندب، فكلما اتسعت دوائر الصراع، ازدادت فرص استخدام الموقع الجغرافي كورقة ضغط في مواجهة الأطراف الأخرى.
المطلوب استراتيجية مصرية لتحويل الموقع إلى قوة اقتصادية
إن امتلاك مصر لقناة السويس وموقعها الفريد بين القارات يمنحها فرصة كبيرة لتعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي، لكن هذه الفرصة تحتاج إلى سياسات عملية تترجم الإمكانات الجغرافية إلى عوائد اقتصادية مستدامة.
ويأتي في مقدمة هذه السياسات تطوير الموانئ المصرية، وتعزيز الربط بينها وبين المناطق الصناعية واللوجستية، وتوسيع خدمات النقل البحري، وتشجيع الاستثمارات في الصناعات المرتبطة بالتجارة الدولية.
كما ينبغي العمل على زيادة قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية، من خلال تنويع مصادر الطاقة، وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوفير بدائل لسلاسل الإمداد التي قد تتأثر بأي اضطرابات دولية.
وعلى المستوى الأمني، تظل حماية السواحل والمياه الإقليمية وتأمين المجرى الملاحي والتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين من الأولويات التي لا تحتمل التراجع.
لكن الأهم هو ألا تظل مصر في موقع المتأثر بالأزمات البحرية، بل أن تكون طرفًا فاعلًا في صياغة الترتيبات التي تضمن حرية الملاحة واستقرار التجارة الدولية، مع الحفاظ على ثوابتها الوطنية واستقلال قرارها.
المعركة القادمة على طرق التجارة لا تقل أهمية عن معارك الحدود
إن ما يحدث حول هرمز وباب المندب والبحر الأحمر يؤكد أن مفهوم الأمن القومي لم يعد محصورًا في حماية الحدود البرية أو مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة، بل أصبح مرتبطًا كذلك بأمن الطاقة والغذاء والتجارة وسلاسل الإمداد.
فالدولة التي لا تستطيع حماية مصالحها الاقتصادية المرتبطة بالممرات الدولية تظل عرضة لضغوط خارجية قد تؤثر في استقرارها وقدرتها على اتخاذ القرار.
ولذلك فإن التحدي أمام مصر والدول العربية لا يتمثل في انتظار اندلاع أزمة جديدة للتحرك، وإنما في بناء منظومة استباقية قادرة على التعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى تهديدات فعلية.
إن الممرات البحرية ليست مجرد طرق تمر عبرها السفن، بل هي شرايين تتدفق فيها قوة الاقتصاد العالمي، ومن يستطيع حماية هذه الشرايين وتأمين استمرار عملها يمتلك ورقة استراتيجية بالغة التأثير.
ومصر بما تملكه من قناة السويس وموقع جغرافي فريد أمام فرصة لتأكيد دورها الإقليمي والدولي، شريطة أن يتحول هذا الموقع من ميزة جغرافية إلى مشروع قوة اقتصادية متكاملة.
ففي عالم تحكمه المصالح وتتصارع فيه القوى على النفوذ، لم تعد المعركة فقط على امتلاك الثروات، وإنما على امتلاك مفاتيح الوصول إليها وحمايتها والتحكم في مسارات تدفقها.





