جريدة الديار
السبت 31 أكتوبر 2026 10:53 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
«من الطبق إلى الجدران».. أين تختبئ السموم في حياتنا اليومية؟ بعد اجتماع المركزي.. أعلى 10 شهادات ثلاثية متغيرة بفائدة ربع سنوية حكم ذهاب المرأة لطبيب العلاج الطبيعي لتدليك موضع الإصابة ليفربول يسعى لاستعادة نجمه من ريال مدريد الأرصاد: طقس الغد حار نهاراً مائل للبرودة ليلاً «القومي للأشخاص ذوي الإعاقة» يوقع بروتوكول تعاون مع «بهية» لدعم صحة المرأة والكشف المبكر هل هاتفك مراقب دون علمك؟ 5 علامات تكشف احتمالية التجسس البحرية الإيرانية: حريق في ناقلة نفط مخالفة بعد اصطدامها بألغام بمضيق هرمز نميرة نجم ترفض نقل أعباء اللجوء إلى «دول ثالثة» على حساب حقوق المهاجرين. تحذير أمريكي من يوم القيامة.. سلاح روسي مرعب يهدد العالم من الفضاء وزيرة التنمية المحلية والبيئة ومحافظ الجيزة يتفقدان حديقتي ٦ أكتوبر والمبدعين بحي العجوزة بحضور وزيري الزراعة والتنمية المحلية والبيئة ومحافظي الجيزة والوادي الجديد والفيوم وقنا.. افتتاح مهرجان النباتات الطبية والعطرية 2026

«من الطبق إلى الجدران».. أين تختبئ السموم في حياتنا اليومية؟

قد يختبئ الخطر خلف لون جذاب أو منتج نستخدمه كل يوم؛ في توابل نضيفها إلى طعامنا، أو مستحضرات تجميل نضعها على أجسادنا، أو دهانات تحيط بنا داخل منازلنا. وبينما تكشف دراسات عن وجود الرصاص وأصباغ صناعية غير مسموح بها في بعض المنتجات والعينات، تبرز أسئلة مُهمة: كيف تُكتشف المخالفات؟ ومن يفحص المنتجات؟ وما الإجراءات المتخذة عند رصدها؟ وهل تصل نتائج الرقابة إلى المُستهلك؟

الخطر الصامت
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، الرصاص مادة سامة تتراكم في الجسم، وقد تؤثر في الدماغ والجهاز العصبي والكلى والقلب والأوعية الدموية. كما قد يؤدي التعرض له إلى فقر الدم وارتفاع ضغط الدم وتلف الكلى، ويشكل خطرًا على نمو الجنين أثناء الحمل. ويمكن أن يحدث التعرض عبر تناول أغذية ملوثة أو ابتلاع غبار ورقائق الدهانات المحتوية على الرصاص أو استنشاق الجسيمات الملوثة او تضاف مركباته الي البهارات ومواد التجميل والصبغات في الملابس لاعطائها اللون الجذاب المشهور عن مركبات الرصاص.

وتؤكد المنظمة أنه لا يوجد مستوى متفق عليه للتعرض للرصاص يمكن اعتباره خاليًا من الآثار الضارة على الصحة. ولا يعني ذلك أن جميع المنتجات تحتوي عليه، بل إن تقييم سلامة أي منتج يتطلب معرفة مكوناته وتركيز المُلوثات فيه ومستوى التعرض المحتمل الا في حالة الرصاص فهو غير مسموح بتواجده مطلقا في مكونات الغذاء او ما يلامس الجسم لجميع الفئات العمرية وخاصة الأطفال والسيدات في سن الانجاب وكبار السن لكونهم أكثر الفئات المتأثرة بسميته.

لون يخفي سمًّا
من الأمثلة الموثقة على الغش إضافة كرومات الرصاص إلى الكركم المطحون لإكسابه لونًا أصفر أكثر إشراقًا. فقد وثقت دراسة بقيادة باحثين من جامعة ستانفورد، نُشرت عام 2019 في دورية Environmental Research، استخدام أصباغ تحتوي على الرصاص في سلاسل توريد الكركم ببنجلاديش، وكشفت وجود هذه المُمارسة في سبع من تسع مناطق إنتاج رئيسية شملتها الدراسة.

وتابعت دراسة لاحقة أثر التدخل الرقابي، وأظهرت انخفاض نسبة عينات الكركم المطحون التي احتوت على رصاص قابل للكشف من 47% عام 2019 إلى صفر عام 2021 ضمن العينات التي فحصها الباحثون. وتوضح هذه النتائج أن الفحص والرقابة والتدخل الفعال يمكن أن تحد من الغش.

لكن هذه النتائج تخص بنجلاديش، ولا تثبت تلوث الكركم المتداول في السوق المصرية. وفي نوفمبر 2013، حذرت الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية من مسحوق كركم «بران» المنتج في بنجلاديش، بعد أن أظهرت التحاليل تجاوز مستويات الرصاص الحدود المسموح بها.

مخاطر المعادن الثقيلة
وتؤكد أ. د. سامية جلال سعد، أستاذة بالمعهد العالي للصحة العامة والبيئية بالإسكندرية ومُستشارة الأمم المتحدة لصحة البيئة و إدماج نظم الإدارة البيئية المُتكاملة، مخاطر غش بعض التوابل، خاصة الكركم المطحون، بمواد تحتوي على معادن ثقيلة مثل كرومات الرصاص، مُحذرة من ممارسات أخرى كإضافة الطوب الأحمر المطحون للشطة والفحم للفلفل الأسود، فضلًا عن تلوث التوابل بالأتربة والشوائب نتيجة سوء التخزين. وأشارت إلى استمرار الحملات الرقابية وسحب العينات للتحقق من سلامة المنتجات ومطابقتها للمواصفات.

وأوضحت د. سامية، أن التعرض للرصاص وبعض مركبات الكروم المطحون قد يضر بالجهاز العصبي ووظائف الجسم، وترتبط بعض المركبات بمخاطر مسرطنة، مُشيرة إلى أن التلوث بالمعادن الثقيلة قد يشمل أيضًا بعض مستحضرات التجميل والحناء وألوان الرسم على الجلد وأصباغ الملابس ولعب الأطفال. ودعت إلى تشديد الرقابة على المنتجات المحلية والمستوردة، وتحليل عيناتها في معامل معتمدة، وإلزام الموردين بشهادات تحليل موثوقة تعلق على المنتج.

ونصحت د. سامية المستهلكين بشراء التوابل الكاملة من مصادر موثوقة وطحنها منزليًا متى أمكن، مع التأكيد أن هذه الخطوة قد تقلل بعض مخاطر الغش الذي يحدث بعد الطحن، لكنها لا تضمن خلو التوابل من المُلوثات. كما أوضحت أن التحقق من وجود المعادن الثقيلة، ومنها الرصاص، لا يمكن أن يعتمد على الملاحظة أو الاختبارات المنزلية البسيطة مثل تغير لون الماء البارد عند إضافة الكركم المطحون إليه، بل يتطلب إجراء تحاليل معملية متخصصة في معامل معتمدة، للكشف عن الملوثات وتحديد تركيزاتها ومدى مطابقتها للمواصفات المعمول بها.
وتقترح د. سامية جلال دراسة آلية تنظيمية تُلزم منافذ البيع، بما فيها السوبرماركت ومحلات البهارات ومستحضرات التجميل والأطعمة المُعلبة، بإتاحة وعرض شهادات تحليل معتمدة توضح مستويات المعادن السامة ومتبقيات المبيدات في المنتجات المستوردة والمحلية، على أن تصدر عن معامل معتمدة، وأن تكون بياناتها واضحة ومتاحة للمستهلك؛ بما يعزز الشفافية والرقابة المجتمعية، ويسهم في ردع المخالفين والحد من تداول المنتجات المُلوثة أو المغشوشة بإضافات غير مطابقة للمواصفات.
أصباغ محظورة
لا يقتصر الغش في التوابل على المعادن الثقيلة؛ إذ رُصدت أصباغ «سودان» الصناعية المحظورة في الأغذية في منتجات توابل مطحونة، من بينها الفلفل والبابريكا، وفق تنبيهات رقابية أوروبية.

ويجب التمييز بين أصباغ سودان وكرومات الرصاص، فهما مادتان مختلفتان. كما أن تصنيف بعض أصباغ سودان ضمن المجموعة الثالثة لدى الوكالة الدولية لأبحاث السرطان يعني أن الأدلة المتاحة لا تكفي لتصنيفها من حيث التسبب بالسرطان لدى البشر؛ ولا يعني ذلك أنها آمنة للاستخدام في الأغذية أو أنها مسموح بها.

عينات مصرية ميدانية
في السياق المحلي، كشفت دراسة منشورة في دورية Scientific Reports في ديسمبر 2025 عن تحليل 80 عينة من التوابل المطحونة جُمعت من القاهرة والجيزة والقليوبية والفيوم والإسكندرية باستخدام تقنيات تحليلية متقدمة، من بينها مطياف الكتلة بالبلازما المقترنة حثيًا (ICP-MS). ورصدت الدراسة الرصاص في جميع فئات التوابل التي شملها الفحص، بينما تجاوزت مستوياته الحدود القصوى المسموح بها في ثلاث عينات من أصل 80، أي ما يعادل 3.75% من إجمالي العينات. ولا تعني هذه النتائج أن جميع التوابل المصرية مُلوثة، كما لا يمكن تعميم نتائج عينة محدودة على جميع المُنتجات المُتداولة في السوق. لكن النتائج تشير إلى وجود حالات غش تستوجب تشديد الرقابة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هذه الممارسات التي تُشكّل خطرًا جسيمًا على صحة المواطنين.
لكن الدراسة تطرح سؤالًا يستحق الإجابة بالأدلة: ما نتائج الفحوص الرقابية الدورية للتوابل في الأسواق المصرية؟ وهل تُعلن نتائجها والإجراءات المتخذة تجاه المنتجات غير المطابقة، بما يتيح للمُستهلك معرفة ما تكشفه التحاليل الرسمية؟

الرصاص في الكحل
وثقت دراسة منشورة عام 2004 في دورية International Journal of Environmental Health Research أن كبريتيد الرصاص، المعروف بالغالينا، كان المُكون الرئيسي في ست عينات من أصل 18 عينة كحل اشتُريت من القاهرة.

وتظل هذه النتيجة دليلًا تاريخيًا على وجود منتجات احتوت على مستويات مُرتفعة من الرصاص، وليست مسحًا حديثًا للسوق المصرية. لذلك، فإن تحديد الوضع الراهن يتطلب تحاليل جديدة لعينات مُمثلة من المنتجات المتداولة.

كما كشفت تحليلات لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية عن آثار للرصاص في بعض عينات أحمر الشفاه. غير أن اكتشاف آثار من مادة ما لا يعني تلقائيًا حدوث تسمم؛ إذ يعتمد تقييم الخطر على التركيز ومستوى التعرض وطريقته وتكراره والمُتطلبات التنظيمية ذات الصلة.

جدران تحمل خطرًا
قد تحتوي بعض الدهانات القديمة أو غير المطابقة على مركبات الرصاص. وتكمن الخطورة في غبار الطلاء المُتقشر أو الجسيمات الناتجة عن عمليات الصنفرة وإزالة الدهانات المحتوية على الرصاص بطرق غير آمنة، إلى جانب عدم إرتداء عمال الدهانات معدات الوقاية المناسبة، في تعرّضهم لهذا المُلوِّث، الذي قد يتراكم أثره في أجسامهم بمرور الوقت.

وقد أجرت الشبكة الدولية للقضاء على المُلوثات (IPEN)، ضمن جهود التحالف العالمي للتخلص من الطلاء المحتوي على الرصاص، دراسات على دهانات في دول مُتعددة، أظهرت استمرار وجود دهانات تحتوي على الرصاص في أسواق مختلفة. لكن هذه الدراسات لا تحدد وحدها حجم المُشكلة في السوق المصرية.

وفي مصر، صدر القرار الوزاري رقم 381 لسنة 2022، الذي حدد حدودًا لمحتوى الرصاص في منتجات الدهانات والورنيشات، بواقع 100 جزء في المليون للدهانات الأساسية غير المُلونة و5000 جزء في المليون للدهانات المُلونة، مع منح مهلة انتقالية للالتزام.

ويمثل وجود مواصفة تنظيمية خطوة مُهمة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مستوى الالتزام في السوق؛ إذ يتطلب ذلك معرفة نتائج الفحوص الفعلية، ومدى انتظام سحب العينات، والإجراءات التي تُتخذ عند اكتشاف مُنتجات غير مطابقة.

فحصٌ لا افتراض
يؤكد أ. د. طه عبد المطلب السيسي، رئيس بحوث مُتفرغ بقسم تكنولوجيا اللحوم والأسماك والدواجن بمعهد بحوث وتكنولوجيا الأغذية بمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة، ضرورة تشديد الرقابة على التوابل، خاصة الكركم المطحون، من خلال التنسيق بين وزارة الصحة والهيئة القومية لسلامة الغذاء، وسحب عينات دورية من الأسواق وتحليلها معمليًا للتحقق من مُطابقتها للمُواصفات المصرية، مع الاستعانة بمعامل مركز البحوث الزراعية والمركز القومي للبحوث عند الحاجة. ويُشدد على أن استمرار الفحص والرقابة هو الضمان الفعلي للحد من الغش التجاري وحماية المُستهلك، لا الاكتفاء بحملات موسمية أو التعامل مع البلاغات فقط عند ورودها.

سلامة المُنتجات أولًا
وأكد أ. د. محمد سيد حجاب، الأستاذ بمركز البحوث الزراعية بمعهد بحوث ووقاية النباتات، ومستشار مكتب الابتكارات والبحوث بجامعة الزقازيق بصفته عضوًا منتدبًا، أن وجود الرصاص أو بعض الفطريات المُنتجة للسموم في المُنتجات قد يشكل خطرًا على صحة الإنسان، مُشددًا على ضرورة التحقق من مصادر السلع وظروف تخزينها، وتجنب المُنتجات مجهولة المصدر أو غير الواضحة البيانات. وأوصى بشراء التوابل من مصادر موثوقة، مع العلم أن شراءها في صورتها الخام لا يضمن خلوها تمامًا من المُلوثات بل يجب شرائها من تاجر لديه رواج في البيع، ولفت إلى أهمية تكثيف حملات التفتيش وسحب العينات وتحليلها في المعامل المُختصة من هيئة سلامة الغذاء والصحة، والإبلاغ عن المنتجات المُشتبه في عدم سلامتها. كما أكد ضرورة تقييم مخاطر مُستحضرات التجميل والدهانات بالاستناد إلى الفحوص الفنية والبيانات الرسمية، مُوضحًا أن نتائج التحاليل المعملية المُوثقة هي الأساس لتحديد طبيعة المُخالفات ومدى خطورتها بالأدلة.

إطار قانوني قائم
ينظم القانون رقم 1 لسنة 2017 إنشاء الهيئة القومية لسلامة الغذاء في مصر، ويحدد الإطار القانوني لدورها في منظومة سلامة الغذاء. أما مُستحضرات التجميل والدهانات، فتخضع لأطر تنظيمية وجهات رقابية تختلف بحسب طبيعة المُنتج ومرحلة تصنيعه أو استيراده أو تداوله.

وتخضع مخالفات الغش الغذائي للتشريعات المصرية ذات الصلة، ومن بينها القانون رقم 48 لسنة 1941 بشأن قمع التدليس والغش، وفق النصوص والتعديلات السارية ومدى انطباقها على الواقعة. وتتحدد المسئولية القانونية بحسب طبيعة المُخالفة والأدلة المُتاحة والنص القانوني الواجب التطبيق؛ لذلك لا يصح الجزم بمسئولية شخص أو منشأة لمُجرد الاشتباه في مُنتج أو وجود شكوى بشأنه.

دليل المستهلك
يُنصح بشراء التوابل ومُستحضرات التجميل من مصادر موثوقة، والتحقق من بيانات المنتج ومصدره، وتجنب المستحضرات مجهولة التركيب. كما أن طحن التوابل في المنزل قد يقلل بعض مخاطر الغش التي تحدث بعد الطحن، لكنه لا يضمن خلو المادة الخام من المُلوثات.

وعند الاشتباه في منتج غير مطابق، يُفضل الاحتفاظ بعبوته وبياناته ورقم التشغيلة وإيصال الشراء إن وجد، وتقديم بلاغ إلى الجهة الرقابية المُختصة. وإذا ظهرت أعراض صحية غير مُعتادة بعد التعرض لمُنتج مُشتبه فيه، فينبغي طلب المشورة الطبية؛ إذ لا يمكن تشخيص التسمم بالرصاص اعتمادًا على الأعراض وحدها، بل يتطلب تقييمًا طبيًا وتحاليل لها دقة الاستدلال.

سلامة بلا انطباعات
تكشف الدراسات أن الرصاص وبعض المُلوثات الأخرى قد توجد في منتجات استهلاكية مُحددة، لكن إثبات وجودها في منتج بعينه يتطلب تحليلًا موثوقًا، كما أن تقدير الخطر يتوقف على طبيعة المادة وتركيزها ومستوى التعرض لها والنوع الاجتماعي وسن المُتعرض.

وتبقى الحماية الفعالة قائمة على الفحص المُنتظم، والالتزام بالمُواصفات، وتطبيق الإجراءات الرقابية، وإتاحة المعلومات المُوثقة للجمهور. فسلامة ما نضعه في طعامنا أو على أجسادنا أو في جدران منازلنا أو المنشآت العامة لا ينبغي أن تقوم على الانطباعات وحدها، بل على الأدلة والاختبارات والرقابة المسئولة، وكذلك مدي ثقافة المستهلك في الحد من استخدام المنتجات دون التدقيق لمعرفة محتواها من المعادن السامة ومتبقيات المبيدات والمواد الكيماوية الثابتة المجرم استخدامها دوليا.
فالسؤال ليس افتراض أن كل مُنتج يحمل خطرًا، بل كيف نتحقق من سلامة المُنتجات، وما الذي تكشفه نتائج الفحص الفعلية؟

تحقيق : أحمد عبد الحليم