الاقتصاد المصري بين معركة التضخم وفرص الاستثمار.. قرارات صعبة من أجل استقرار مستدام
في الاقتصاد، ليست كل القرارات الصعبة قرارات سلبية، وليست كل المؤشرات الإيجابية تعني أن الطريق أصبح ممهدًا أمام المواطنين.
فبين أرقام التضخم، وتحركات أسعار الفائدة، واضطرابات الأسواق العالمية، تقف الدولة المصرية أمام معادلة دقيقة: كيف نحافظ على استقرار الاقتصاد الوطني، ونحمي قيمة مدخرات المواطنين، ونفتح في الوقت نفسه أبواب الاستثمار والإنتاج، دون أن يتحمل المواطن البسيط وحده تكلفة التحديات؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن نضعه أمامنا ونحن نقرأ قرارات البنك المركزي المصري الأخيرة، وما يصاحبها من تحركات تنظيمية في سوق المال والتمويل غير المصرفي.
أولًا.. رفع الفائدة رسالة اقتصادية قبل أن يكون قرارًا نقديًا
جاء قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري برفع أسعار الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، في أول زيادة منذ مارس 2024، ليعكس تحولًا في تقدير المخاطر المحيطة بمسار التضخم.
والرسالة هنا واضحة: البنك المركزي لا ينظر فقط إلى معدلات التضخم الحالية، وإنما يراقب أيضًا ما قد تحمله الفترة المقبلة من ضغوط جديدة.
فالتوترات الإقليمية، واحتمالات ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية عالميًا، واضطرابات سلاسل الإمداد والشحن، كلها عوامل يمكن أن تنعكس على تكلفة الإنتاج والاستيراد، وبالتالي على الأسعار داخل السوق المصرية.
ورغم تراجع التضخم السنوي إلى 13.9% في سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، فإن ارتفاع التضخم الشهري إلى 1.3% بعد أن سجل 0.1% في الشهر السابق، يفرض قدرًا أكبر من الحذر.
وهنا يجب أن نفهم أن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، وإنما يعني في المقام الأول أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ.
وهذا فارق مهم يشعر به المواطن يوميًا عندما يذهب إلى الأسواق، ويجد أن أسعار كثير من السلع لا تزال تمثل عبئًا على ميزانية الأسرة.
ثانيًا.. المواطن البسيط هو الاختبار الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية
لا يمكن تقييم نجاح أي سياسة اقتصادية بمجرد قراءة الأرقام والمؤشرات، فهناك اختبار أكثر أهمية يتمثل في انعكاس هذه السياسات على حياة المواطن.
فالمواطن المصري الذي يتحمل تكاليف الغذاء والتعليم والعلاج والمواصلات، لا يبحث عن مؤشرات اقتصادية جيدة فقط، وإنما يبحث عن استقرار حقيقي في الأسعار، وفرص عمل مناسبة، ودخل يستطيع من خلاله تلبية احتياجات أسرته.
ومن هنا، فإن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة قد يساعد في احتواء التضخم، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الاقتراض على الشركات والمستثمرين، وقد يؤثر على قرارات التوسع والإنتاج.
وهذه هي المعادلة التي تحتاج إلى إدارة دقيقة.
فالمطلوب ليس فقط كبح التضخم، وإنما أيضًا حماية النشاط الاقتصادي، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتوفير بيئة تساعد القطاع الخاص على الاستثمار وخلق فرص العمل.
فالاقتصاد القوي ليس اقتصادًا ينجح في السيطرة على الأسعار فقط، بل اقتصاد يستطيع أن يوفر للمواطن حياة أكثر استقرارًا وكرامة.
ثالثًا.. التضخم المستورد وسعر الصرف.. تحديات تحتاج إلى رؤية متكاملة
أشار البنك المركزي إلى مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية عالميًا، وما قد يترتب على ذلك من زيادة في التضخم المستورد.
لكن قراءة المشهد الاقتصادي بصورة متكاملة تقتضي الانتباه أيضًا إلى تأثير سعر الصرف على تكلفة الواردات.
فمصر تستورد العديد من مستلزمات الإنتاج والسلع الأساسية، وأي تغير في تكلفة الدولار ينعكس، بدرجات متفاوتة، على تكلفة الإنتاج والتوزيع والأسعار النهائية.
وهنا تبرز أهمية العمل على زيادة الإنتاج المحلي، وتعميق الصناعة الوطنية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الواردات قدر الإمكان.
فكلما زادت قدرة الاقتصاد المصري على الإنتاج والتصدير، أصبح أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، وأكثر حماية للمواطن من تقلبات الأسواق العالمية.
ولا يعني ذلك أن التحديات سهلة أو أن الحلول سريعة، ولكنها تؤكد أن الاستقرار النقدي يحتاج إلى دعم حقيقي من الاقتصاد الإنتاجي.
رابعًا.. البورصة المصرية.. من أدوات الاستثمار إلى محرك للنمو
وفي سياق متصل، يأتي اتجاه الهيئة العامة للرقابة المالية لإطلاق آلية البيع على المكشوف خلال نوفمبر المقبل، باعتباره خطوة تستهدف تطوير أدوات التداول وزيادة كفاءة سوق المال.
فالآلية تتيح للمستثمر اقتراض أسهم وبيعها، إذا توقع انخفاض سعرها، ثم إعادة شرائها لاحقًا بسعر أقل، وتحقيق عائد من فارق السعر، مع تحمل مخاطر الخسارة إذا ارتفعت الأسعار.
كما تتيح لمالكي الأسهم وصناديق الاستثمار تحقيق عوائد إضافية من خلال إقراض أسهمهم.
وهنا لا نتحدث فقط عن أداة جديدة للتداول، وإنما عن تطور في بنية السوق المالية المصرية، يمكن أن يسهم في زيادة السيولة، وتحسين كفاءة التسعير، وتوسيع فرص الاستثمار.
لكن نجاح هذه الآلية يتطلب رقابة قوية، وإفصاحًا واضحًا، وحماية للمستثمرين، حتى تكون إضافة حقيقية للسوق وليست مصدرًا لمخاطر غير محسوبة.
فالبورصة القوية ليست مجرد سوق ترتفع فيها الأسعار، وإنما سوق تستطيع توفير التمويل للشركات، وتمنح المستثمرين فرصًا عادلة، وتدعم الاقتصاد الحقيقي.
خامسًا.. مكافحة الاحتيال.. حماية للتمويل واستقرار السوق
ومن الخطوات المهمة أيضًا دراسة إنشاء نظام مركزي لرصد الاحتيال وتبادل المعلومات بين شركات التمويل غير المصرفي.
هذه الخطوة تعكس إدراكًا لأهمية تطوير منظومة الرقابة مع اتساع حجم النشاط التمويلي.
فحين تستطيع شركات التمويل التعرف على السجل الائتماني للعملاء لدى الجهات الأخرى، تصبح أكثر قدرة على تقييم المخاطر، والحد من الممارسات الاحتيالية، وحماية أموال المؤسسات والعملاء.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل وصول محافظ أنشطة التمويل إلى نحو 417 مليار جنيه بنهاية عام 2025، وفقًا للبيانات الواردة، وهو ما يعكس اتساع دور التمويل غير المصرفي في الاقتصاد المصري.
لكن تطوير منظومة التمويل لا يتوقف عند مكافحة الاحتيال، بل يمتد إلى ضمان وصول التمويل إلى المشروعات المنتجة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحقيق التوازن بين التوسع في الإقراض والحفاظ على جودة المحافظ التمويلية.
مصر تحتاج إلى اقتصاد ينتج.. ومواطن يشارك في ثمار التنمية
إن قراءة هذه التطورات مجتمعة تكشف أن الاقتصاد المصري يواجه مرحلة تتطلب قدرًا كبيرًا من المرونة والحكمة في إدارة الملفات النقدية والمالية والاستثمارية.
فرفع الفائدة يستهدف احتواء التضخم، وتطوير البورصة يسعى إلى توسيع أدوات الاستثمار، وتعزيز الرقابة على التمويل يحمي استقرار السوق.
لكن تبقى الحلقة الأهم هي الربط بين هذه السياسات وبين الاقتصاد الحقيقي.
اقتصاد يعتمد على الصناعة، والزراعة، والتصدير، والسياحة، والاستثمار المنتج، ويمنح القطاع الخاص مساحة أوسع للمشاركة، ويعمل على زيادة فرص العمل وتحسين دخول المواطنين.
إننا نحتاج إلى استمرار العمل على تخفيف الأعباء عن الأسر، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير التمويل للأنشطة الإنتاجية، وتعزيز المنافسة بما ينعكس إيجابيًا على الأسعار.
فمصر تمتلك من الإمكانات البشرية والجغرافية والاقتصادية ما يؤهلها لتحقيق مستقبل أفضل، ولكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يحتاج إلى سياسات متكاملة، وإدارة رشيدة، وصبر على الإصلاح، وعدالة في توزيع ثمار التنمية.

















