الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

عبد الله بن محمديكتب: غير قابل للنقاش

2020-07-06 16:51:17
عبد الله بن محمد
عبد الله بن محمد
عبد الله بن محمد

من الواضح أن كل فترة قصيرة يظهر حدث يقلب مواقع التواصل الإجتماعي رأساً على عقب، وبما إن الجميع في مجتمعنا علماء وفلاسفة ومحللين بطبيعتهم الفذة، فالآراء تتقافز بين مؤيدٍ ومعارض، ومهاجمٍ ومدافع، ويصل الأمر إلى شاتمٍ ومشتوم؛ ومن هذه الأحداث التي ظهرت مؤخراً: رفض سويرس للحظر لأنه سيدمر الاقتصاد - إصابة رجاء الجداوي (رحمة الله عليها) بالكورونا والاهتمام بها – عزم الأطباء على الاستقالة وأخونتهم – زعم أن كورونا مجرد تجلط في الدم وتكذيب منظمة الصحة العالمية - انتحار سارة حجازي واتهام المجتمع المصري – تأييد المثلية الجنسية – تقليل مدة الحظر وفتح القهاوي والمطاعم – تحرش واغتصاب 100 بنت من شاب في الجامعة الأمريكية... إلخ!

وكل حدث من هذه الأحداث يثير زوبعة عظيمة، يرغب الواقفون حولها في عرض معتقداتهم وآراءهم، ويجزمون بكل ما أوتوا من ثقة بأن معتقداتهم صحيحة بلا ريب، وآراءهم لا تحتاج إلى إثبات أو نقاش، فيبدأون في اتهام الآخر بالجهل والتخلف إذا فكر فقط بأن يخالفهم؛ وهذه هي النقطة التي نرغب في التوقف عندها لبعض الوقت، لنوضح الفرق بين النقاش الموضوعي والجدال الفارغ، وقواعد النقاش وكيف يكون.

ومِن العِلمِ أن تَعلَمَ أنَك لَا تَعلَمُ بِمَا لا تَعلَمُ.

(ابن المقفع)

هل الأرض مسطحة أم بيضاوية؟

في البدء يجب أن نسلم بأن آراءنا اليوم تختلف كثيراً عن آراءنا أمس، وأن آراءنا غداً ستختلف أكثر عن آراءنا اليوم، وذلك حسب مدى إدراكنا للواقع المحيط بنا، وما نعرفه من حقائق جديدة كل يوم، فما كنا نعتقده أمس بأن الأرض مسطحة والشمس تدور حول الأرض، تغير تماماً الآن، وأمسينا لا نتخيل الأرض إلا بيضاوية تدور حول الشمس في فلك محدد!

رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ.

(الإمام الشافعي)

إن علمنا محدود بما نعلم، نظن أحياناً أننا انتهينا إلى الحقيقة، لكن تظهر بعد الحقيقة حقيقة أخرى، فتختلف الصورة تماماً أو تزداد وضوحاً، وأتذكر في هذا الصدد قصة الفيل والثلاثة عميان، حيث يُحكى أن:

ثلاثة من العميان دخلوا في غرفة بها فيل، وطُلب منهم أن يكتشفوا ما هو الفيل، ليبدأوا في وصفه، وبعدما تحسسوا الفيل، خرج كل منهم ليبدأ في الوصف فقال الأول: "الفيل هو أربعة عمدان في الأرض"، وقال الثاني: "الفيل يشبه الثعبان تماماً!"، وقال الثالث: "الفيل يشبه المكنسة اليدوية."؛ ويقال أنهم عندما اختلفوا، بدأوا في الشجار، وتمسك كل منهم برأيه، وراحوا يتجادلون، ويتهم كل منهم الآخر بأنه كذاب ومخادع!

***

النقاش حسب تعريف علم الاجتماع: هو شكل من أشكال التخاطب والتواصل بين الأشخاص، وفق قواعد تدل على الأدب والاحترام، بهدف الوصول للحقيقة ولحل مناسب للمشكلات.

أما الجدال فالمصطلح مأخوذ من (جدل الحبل): أي فتله وكأن المجادل يفتل برأيه على الشخص الأخر، فالجدال إذن هو أشبه بطريقة الصراع بالأفكار ليثبت الشخص وجهة نظره وصحتها –حتى وإن كان على خطأ!

وقال الجرجاني بأن الجدال هو: "إثبات الإنسان لوجهة نظره بحجة أو ما شابهها".

والنقاش يتميز عن الجدال بأن الأول يشمل لغة الحوار والمناظرة، حيث يحاول جميع الأطراف -في المناقشة- إثبات صحة آراءهم، ولكن مع الرغبة الصادقة في الوصول للحقيقة وحل المشكلة، أما الجدال يُلزم فيه المجادل الجميع برأيه، ويفرضه عليهم، حتى وإن كان رأيه يميل إلى الخطأ.

ومن القواعد التي يجب الإلتزام بها في المنقاشة:

- صدق النية في المحاولة للوصول للحقيقة وحل المشكلات.

- الإنصات الجيد للآخر، بهدف فهم قصده، واستيعاب آراءه ومعتقداته.

- عدم تكذيب الأخر والطعن في أدلته، إلا إذا وجد دليلاً صحيحاً على كلامه وادعائه.

- قبول نتائج الحوار والمناقشة وعدم الإصرار على إثبات الرأي إذا اكتشفت أنك على خطأ.

- عدم الاستهزاء بالمناقش الآخر، واتهامه بالجهل والتخلف لمجرد اختلاف الرأي.

- الالتزام بالموضوعية.

- ألا يكون النقاش بهدف الشهرة وتسليط الأضواء وإثبات الرأي فقط.

***

إذا حاول الثلاثة عميان فقط الإنصات لبعضهم، والتأكد مما يقولون، لعرفوا أن ثلاثتهم على حق؛ لكن، ما حدث هو أن كل واحد منهم تمسك بجزء من الحقيقة، وادعى أن ما سواه باطل

ما نراه اليوم هو ملايين من العميان!!


إرسل لصديق