جريدة الديار
الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 06:08 صـ 3 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
المشرف العام على ”القومي للإعاقة” تشيد بتوجيهات دولة رئيس مجلس الوزراء بشأن التوسع في إقامة المعارض خلال المواسم والأعياد والمناسبات رئيس جامعة المنصورة يفتتح مبنىً بالمدينة الجامعية للطالبات بسعة 215 طالبة بعد تطويره «الاتحاد العام للجمعيات الأهلية» يطلق مبادرة «معاً لدعم الدولة المصرية» ويؤكد الاصطفاف خلف القيادة السياسية وزيرة التنمية المحلية والبيئة تحتفل باليوم العالمي لحماية طبقة الأوزون 2026 تحت شعار ”عمل عالمي من أجل كوكب أكثر برودة” جامعة المنصورة الأهلية ومديرية الثقافة بالدقهلية توقعان مذكرة تعاون لتعزيز الأنشطة الثقافية والفنية داخل الحرم الجامعي رئيس جامعة المنصورة الأهلية يستقبل مدير عام منطقة الوعظ بالدقهلية لبحث تعزيز التعاون في المجالات التوعوية والفكرية جامعة دمنهور تطلق فعاليات”RoboDam2026” ورئيس الجامعة يؤكد: نستثمر في عقول الشباب لصناعة مستقبل مستدام الرئيس التنفيذي لجهاز شئون البيئة يفتتح ”اليوم البيئي” ويدشن محطة جديدة لرصد جودة الهواء بجامعة القاهرة بمشاركة البنك الدولي يتراجع 20 جنيهًا.. أسعار الذهب اليوم الإثنين وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع مع محافظ مطروح مشروعات مطروح وزيادة الرقعة الخضراء وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع رفع 4 ملايين طن مخلفات و3592 حملة إشغالات بالمحافظات وزير التعليم: تخريج أول دفعة من طلاب نظام البكالوريا المصرية عام 2028

فاديا عيسي قراجه تكتب.. قميص أبي

الكاتبة
الكاتبة

قميص أبي

[ إلى الياسمينة التي تلتف حول أصابعي و تنثر بياضها فوق

هواجسي و عوالمي إليك أمي أهدي قميص أبي..]

انتهى الشتاء وبشّر الصيف, وما بين نهاية وبداية ,تتفنن أمي بممارسة ساديتها عليّ حيث لا تجد أمامها سواي..فاديا الغرف ...فاديا المطبخ.. فاديا غسيل السجّاد ...(بلا طول سيرة). انتشلني صوتها هذا الصباح من عمق أحلامي ,وهي تنقب في خزانتها تارة, وتحاول فك أخشاب سريرها تارة أخرى.. نظرت إليها وصحتُ باحتجاج : - بالله عليك كم بطيخة ستحملين في يد واحدة ؟

المهم نفضتُ النوم عن أجفاني ,واستأذنتها في فنجان قهوة..لم ترد..لاحظتُ انحناءات ظهرها, وهذه حركات أفهم منها بأنها تحبس غيظاً وحنقاً شديدين .. عدلت عن فكرة القهوة ,واعتبرتها رفاهية لا لزوم لها.. وبدأت بزحزحة الأثاث, وإخراجه ليتقلب تحت الشمس التي تحجبها أبنية جيراننا ..في حين تنزل أوامر أمي فوق رأسي كزخّ المطر المرافق للرعود والصواعق ,ولأمي باعٌ طويل قي هذا المجال,

وهي لمن لا يعرفها ,امرأة قوية الإرادة ,لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعترف بهزيمتها حتى لو سطعت كشمس تموز ,في كثير من الأحيان أجلس جلسة بوذا أتأمل ,وأغوص ,وأنقّب في آراء أمي ,وبعد غربلة مضنية أخرج بنتيجة مفادها أن لأمي الحق في سلوكياتها وقناعاتها التي بنتها حجراً حجراً في وحدتها العاطفية, فقد رحل أبي وترك الجمل بما حمل, وهرولت أخواتي بكامل قواهن العقلية لبناء بيوت وهموم جديدة ,وأمي لمن لا يعرفها امرأة لا تضحك ,وإن حصل وضحكت فإن أثلام القهر المحفورة في روحها, تمتصّ بريق فرحها وألقه فتبدو ابتساماتها مغتصبة... بالعودة إلى الغرفة ذات الأحشاء المتناثرة ,فقد بدأتُ بسحبها وجرها إلى الخارج حتى وقعتُ على كيس قماشي مربوط من فمه بخيط طويل , للكيس لون أبيض حائل لصفرة داكنة ,وقد تهتك في أكثر من موضع, أمسكت الكيس وصحت بغضب :

- أمي ما نفع هذه الأشياء التي تحتفظين بها؟

رفعت الكيس من عنقه ولوحت به بلا رحمة أمام عينيها , فبدا كدجاجة نافقة وأكملتُ : - ما هذه الرمّة ؟ وما جدوى احتفاظك بها ؟

تركتْ أمي ما بيدها ,وقفزت برشاقة غزال ,اختطفت الكيس من يدي أمام دهشتي وانبهاري ..فتحته ,جاستْ عيناها في داخله, قلبت محتوياته ,ثمّ أعادت ربطه, ونقلته معها في تحركاتها هنا وهناك ,وهي تصدُّ نظراتي المفترسة عنه..رنَّ الهاتفُ, فأخبرتُ أمي بأنّ أختي تريدها.. حمدت الله لأنها نسيت كنزها ,وسارعتْ لتحلَّ مشكلة أختي المزمنة مع زوجها .. هجمتُ على الكيس, فتحته بعنف مما أحدث شقاً قي أحد أطرافه ...يا إلهي ما هذا قميص رجّالي باخت ألوانه مع الزمن ,جاكيت متهدل الأكمام ,جوارب سوداء مثقّبة كالغربال ,لن تحتمل لمسة مني!! ..

فردتُ القميص على الطاولة, وكنت بين الحين والآخر ألقي نظرة ذعر على الباب,وأطمئن بأن حديث أمي طويل تدل على ذلك نبراتها التي لا تنبئ بأن المكالمة ستنتهي قريباً... هذا قميص أبي ,أنا متأكدة من ذلك, فقد ضربت أمي الرقم القياسي في الوفاء تستحق أن تسجل عليه في كتاب غينيس.. مرّرتُ أصابعي على قبة القميص المجعّدة ,داعبت الزر الوحيد فاهتز باضطراب...هذا القميص التصق بجسد أبي في زمن ما .. أبي الذي لا أعرفه إلا من خلال صورة بالأبيض والأسود تتكرر في غرفنا الثلاث ..كم مرة وقفتُ أمام الصورة أتأمل هذا الوجه العميق والنظرات الحزينة؟ كم مرة عاتبته, وحادثته , ونقلت إليه لواعج روحي وشوقي إليه ,واتهمته في لحظات ضعفي وغضبي بالجبن لأنه تركنا دون وداع ,ورحل مفضِّلاً عالم التراب الأخرس على عالمنا ؟ إذاً هذه ملابس أبي ! تحتفظ بها أمي منذ أكثر من ثلاثين عاماً.. كنا نتساءل عما تفعله أمي في غرفتها لساعات طويلة ,ولماذا كانت تصرخ علينا بالمقلوب إذا اخترقنا عزلتها ,كم مرة مددّتْ أمي هذا القميص في محراب حزنها, وطرّزته بأنفاسها وشهقاتها؟ كم مرة تحدثتْ إلى أنسجة صماء بكماء؟ كم مرة شكت وبكت ونحن نيام لا نفقه شيئاً ؟ كانت تخرج من غرفتها بعيون منتفخة ,وصوتٍ كسير ,وفكرٍ شارد ... تراكمت السنون والطقوس هي.. هي, ,بابٌ موصد ..نشيج متقطع..وهمس حزين... يا ربي !! أيّ الرجال أبي حتى يستحق هذا الحب والوفاء كله ؟ كم من الأشياء المؤلمة تخفي أمي في خزائن عقلها وقلبها ؟

لا أدري متى دخلتْ أمي؟..لا أدري كيف اختطفت القميص من يدي؟.. لا أدري كيف أصبح مزقة في يدها, وأخرى في يدي؟.. انتفضنا.. خرجت آهة خافتة من صدر أمي.. نظرت الواحدةُ منا إلى الأخرى بخوفٍ ممزوج بألم عميق .. حلّ صمتٌ رصاصي .. أعادت أمي أشلاء الملابس إلى الكيس, أشارت إليّ أن أفعل مثلها, نفذتُ أوامرها كالمسحورة.. ربطتْ الكيس برفق ٍشديد , وعلقته بخصرها

بانتظار أن تبتكر مخبأ أكثر أمناً,حيث لا تتاح لي معرفته بسهولة ..نفضتْ يديها وكأن شيئاً لم يكن ,قالت وقد تلبّسها حزن وهمٌّ شديدين :

- حان دور تنظيف المطبخ.

أسبلت يديّ على جنبي باستسلام ,ولحقت بها وأنا لا أزال تحت تأثير سحرها.

• صيف2009