جريدة الديار
الخميس 3 سبتمبر 2026 05:05 مـ 21 ربيع أول 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
وزيرة التنمية المحلية والبيئة تُطلق منظومة ”IDEIA” الرقمية لتسريع الموافقات البيئية ودعم الاستثمار الأخضر الحكومة تعلن خبرا غير متوقع في معرض أهلا مدارس 2026 بعد تطبيق زيادة الـ15%.. هل يحق للمالك طرد المستأجر أو قطع المرافق؟ الأمن يفحص فيديو دهس فتاة على يد سائق توصيل بعد خلاف على مكان النزول وزارة التنمية المحلية والبيئة تطلق حواراً مجتمعياً لصياغة قرار تنظيم صيد الطيور المهاجرة في مصر تسليم شهادات الطلاب الناجحين في الدور الثاني للثانوية العامة 2026.. الأسبوع المقبل القومي للأشخاص ذوي الإعاقة” يشارك في إطلاق معايير ”المنشآت الصحية الصديقة للأم والطفل آخر تطورات دفاع منتحل صفة قاضي الوزراء يقر زيادة التعويض النقدي لشاغلي وحدات ”القاهرة التاريخية” احذر.. غرامة 1500 جنيه عقوبة قيادة السيارة بدون فرامل طبقًا لقانون المرور مرموش في قائمة الأغلى.. تعرف على صفقات مانشستر سيتي منذ يناير 2025 مها بسطاوي تكتب: من يواسي الطفل المقتول؟

وفاء أبو السعود تكتب: احذروا.. ستتحول بعد قليل إلى آلة!!

يعيش الإنسان في هذا العصر حالة تختلف جذريًا عن كل العصور والأزمنة السابقة؛ عصر يمتلئ بالتقدم التكنولوجي والاختراعات التي كان هدفها الرئيسي توفير الراحة للإنسان، واستكمال منظومة الرفاهية ووسائل الترفيه المتاحة له.

وأصبحت الآلة تحل محل الإنسان بصورة كبيرة وغير مسبوقة، حتى إن إطفاء الأنوار لم يعد يحتاج إلى أكثر من ضغطة على جهاز التحكم عن بُعد.

لقد مرت البشرية بعصور كان الإنسان فيها، لكي يعيش، مضطرًا إلى بذل جهد بدني مضنٍ، في وقت لم تكن متاحة فيه سوى أدوات بسيطة وأعمال يدوية تعتمد في معظمها على صحة الإنسان وقدرته البدنية. ومع ذلك، كان يشعر بقيمة الحياة، ويتذوق طعمها ولذتها.

أما الآن، وقد توفرت كل وسائل الراحة، نجد الإنسان لا يشعر بالراحة، بل يشعر بتعب الحياة وعَنائها أكثر من ذي قبل، رغم تراجع حجم الجهد البدني الذي يبذله.

وهو ما يعني أن الراحة لم تكن يومًا مرتبطة فقط بغياب المجهود، وإنما بما يشعر به الإنسان في داخله من طمأنينة ورضا ودفء إنساني.

فصراع العالم المحموم نحو الماديات يدفع الإنسان إلى صراع داخلي بين ما بداخله من مشاعر إنسانية يصعب عليه التخلي عنها، وبين عالم لا قيمة فيه إلا للمصالح والمكاسب والصفقات.

أصبحنا نعيش في زمن يُتهم فيه من يمتلك بعض المشاعر، ويُنظر إلى إنسانيته باعتبارها عيبًا!

من لديه ضمير أصبح يُتهم بالمثالية، ومن يشعر بالآخر أصبح ممثلًا، ومن يتعاطف مع مشكلات الآخرين يصبح شخصًا نكديًا يبحث عن الهموم.

منذ فترة، بدأ تسفيه تلك المشاعر والتقليل من قيمتها، حتى أصبح الإنسان يخشى أن يُظهر ما بداخله من أحاسيس، أو أن يعترف بأنه إنسان حي يشعر ويتألم ويفرح ويحزن.

ورغم أن الحياة أصبحت أكثر راحة، فإنها أصبحت في الوقت نفسه أكثر عناءً، وأقل قيمة، وأشد قسوة.

وأصبح الواقع الفعلي للإنسان مجرد أداء لمهام محددة، وتنفيذ لأدوار مطلوبة، دون أدنى إحساس، وكأنه إنسان يرتدي ثوب آلة.

لم يعد الإنسان يشعر، في ظل هذا العالم، بروح الاحتياج إلى الإنسان الآخر، وإنما بروح الاستغناء والاكتفاء بالذات.

لم يعد يشعر بدفء العائلة، ولا بتلك «اللَّمّة» التي تجمع أفرادها، ولا بالضحكة التي تخرج من أعماق الإنسان فتُخرج معها شيئًا من آلامه وهمومه ومتاعبه.

اتسعت الأماكن، لكنها في المقابل أبعدت المسافات بين القلوب.

في الماضي، كانت الغرفة الواحدة تضم الأسرة بأكملها، في جو مليء بالحب والعطاء والتفاهم. أما الآن، فأصبحت الغرفة الواحدة لا تتسع إلا لفرد واحد، يعيش كل منهم حياته منفردًا، بعيدًا عن الآخرين، لتسود حالة من العزلة داخل الأسرة الواحدة.

ثم جاء الهاتف المحمول ليزيد الفجوة اتساعًا؛ فبدلًا من الجلوس مع الأسرة والأنس بأفرادها، أصبح الهاتف هو الشريك الأقرب، وصار الإنسان يقضي ساعات طويلة في عالم افتراضي، يتعامل مع أشخاص قد لا يعرفهم، ويعيش مشاعر افتراضية في عالم افتراضي، حتى كادت المشاعر الصادقة الموجودة بداخله أن تُستبدل بمشاعر وهمية تجاه أشخاص وهميين.

وأصبح الإنسان نفسه، رغم كل وسائل الراحة التي أحاطت به، غير قادر على تحمل الآخر، متجاهلًا أن أهم ما يميزه عن الآلة هو كونه إنسانًا، وأن المشاعر والأحاسيس هي التي تمنح الحياة معناها، وتصبغ الأيام بألوانها، وتعطيها ذلك الطعم واللون والرائحة التي تجعل بعض الذكريات عصية على النسيان.

روح الأسرة، وروح الوحدة، ومشاركة الآخر أحزانه وأفراحه، ليست مجرد احتياجات إنسانية، وإنما هي أيضًا من القيم التي أكدها الدين والعرف.

وقد عبّر النبي ﷺ عن ذلك في حديثه الشريف:

«مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم، مثلُ الجسدِ؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمى».

ولم يكن النداء في القرآن الكريم دائمًا موجهًا إلى الفرد، وإنما جاء في كثير من المواضع نداءً للجماعة، تأكيدًا على أن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن محيطه، وأن قوته الحقيقية تكمن في تواصله مع الآخرين وتراحمه معهم.

فلنعُد إلى الإنسان إنسانيته.

ولنعُد إلى أنفسنا صفاء القلوب ونقاءها، ولنعُد إلى تلك الروح التي كادت أن تختنق تحت وطأة السرعة والمادية والضغوط اليومية.

لنُطلق من داخل الإنسان ذلك الطائر الذي يحلق في سماء صافية، بعيدًا عن الجمود والركود، ليفتح آفاق الحياة من جديد، ويعيد للإنسان معنى الحياة الحقيقي.

فالمشاعر ليست ضعفًا، والرحمة ليست سذاجة، والاهتمام بالآخرين ليس مثالية زائفة.

إن القلب الذي يشعر هو القلب الذي ما زال حيًا.

ومن يفقد ذلك القلب النابض، يفقد جزءًا من آدميته، ويخرج تدريجيًا من دائرة الكائن الحي الذي يشعر ويتفاعل، إلى حالة أقرب إلى الجماد؛ ليصبح مجرد آلة تؤدي ما يُطلب منها، دون أن تسأل: لماذا؟ ودون أن تشعر: لمن؟

فلنبتعد قليلًا عن هذا الجمود.

ولنعمل على تخفيف معاناة الحياة وضغوطها اليومية، بإحياء تلك القلوب التي أوشكت على مفارقة الحياة رغم أنها ما زالت تنبض، وما زال الدم يجري في عروقها.

فلتتسع قلوبنا لمن نحب، ولنعُد إلى الفرحة، وإلى الحب، وإلى العطاء، وإلى تلك الأحاسيس التي كانت تمنح الحياة لونها وطعمها ورائحتها.

لنُعد للإنسان إنسانيته قبل فوات الأوان…

وإلا…

ستتحول بعد قليل إلى آلة