مها بسطاوي تكتب: من يواسي الطفل المقتول؟
في كل مرة تقع فيها جريمة بشعة يكون بطلها طفلًا أو مراهقًا صغير السن، ينقسم الناس إلى فريقين؛ فريق ينظر إلى الجاني فيراه طفلًا يحتاج إلى الرعاية والتقويم، وفريق آخر ينظر إلى الضحية فيراه طفلًا سُلب منه عمره كله في لحظة واحدة. وبين الفريقين تقف أسرة الضحية وحدها، تحمل صورة ابنها أو ابنتها، وتتساءل في صمت مؤلم: أين حق من مات؟ وأي عدالة هذه التي تتحدث عن مستقبل القاتل بينما لم يعد لابننا أي مستقبل أصلًا؟
هذه الأسئلة ليست وليدة الغضب فقط، بل هي أسئلة أخلاقية عميقة تفرض نفسها كلما ارتكب قاصر جريمة كاملة الأركان. فنحن نعيش في زمن لم تعد فيه الجريمة مرتبطة دائمًا بالاندفاع أو الجهل أو عدم الإدراك. هناك وقائع نسمع عنها يكون فيها التخطيط واضحًا، وإخفاء الأدلة حاضرًا، ومحاولات الهروب قائمة، بل أحيانًا تكون الجريمة أشد قسوة من جرائم يرتكبها بالغون. وعندها يشعر كثير من الناس أن القانون يطلب منهم أن يغفروا ما لا يستطيعون غفرانه، وأن يتفهموا من لا يستطيعون تفهمه.
القوانين الحديثة حين تضع معاملة خاصة للأطفال لا تفعل ذلك من باب التعاطف المجاني، بل لأنها تنطلق من فكرة أن الإنسان قبل سن معينة لا يكون قد اكتمل نضجه العقلي والنفسي. ولذلك ترى هذه القوانين أن العقاب وحده لا يكفي، وأن التقويم والإصلاح أهم من الانتقام. وهذه الفكرة في أصلها نبيلة وإنسانية، ولا يمكن إنكار ذلك. فالمجتمع الذي يعاقب طفلًا كما يعاقب رجلًا ناضجًا قد يقع هو نفسه في ظلم كبير. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحماية إلى حصانة، وعندما يشعر الناس أن سن الجاني أصبح أهم من حجم الجريمة نفسها.
ما الذي يمكن أن تشعر به أم فقدت ابنها الوحيد على يد فتى لم يتجاوز السن القانونية؟ كيف يمكن لأب حمل ابنه إلى قبره أن يقتنع بسهولة بأن سنوات قليلة في مؤسسة إصلاحية تكفي ثمنًا لحياة انتهت؟ وكيف يمكن لإخوة الضحية أن يفهموا أن القانون يتحدث عن فرصة جديدة للقاتل بينما حُرم أخوهم من كل الفرص؟ هنا يبدأ الصدام الحقيقي بين النص القانوني والشعور الإنساني.
القانون بطبيعته بارد ومحايد، فهو لا يبكي ولا يغضب ولا يحمل الضغائن. مهمته أن يطبق قواعد عامة على الجميع. أما الإنسان فليس كذلك. الإنسان يرى الوجوه والأحلام والذكريات. يرى سريرًا فارغًا في غرفة طفل كان يملأ البيت ضحكًا. يرى حقيبة مدرسة لم يعد صاحبها يحتاج إليها. يرى مقعدًا خاليًا على مائدة الطعام. ولذلك فإن ما يبدو منطقيًا في كتب القانون قد يبدو قاسيًا للغاية في قلب أسرة المقتول.
المشكلة الأكبر أن الحديث عن حقوق الطفل الجاني أصبح أحيانًا أعلى صوتًا من الحديث عن حقوق الطفل الضحية. نسمع كثيرًا عن حق الجاني في التعليم والعلاج وإعادة التأهيل، وهي حقوق مهمة بلا شك، لكننا نادرًا ما نتحدث بالقدر نفسه عن حق الضحية في الحياة الذي انتُزع منه إلى الأبد. فما قيمة كل الحقوق إذا ضاع الحق الأول والأساسي، وهو حق الإنسان في أن يعيش؟
قد يقول البعض إن العقوبة المشددة لن تعيد الضحية إلى الحياة، وهذا صحيح. لكن العدالة لم تكن يومًا وسيلة لإعادة الزمن إلى الوراء. العدالة هي الرسالة التي يبعثها المجتمع إلى الجميع بأنه ما زال يميز بين الخير والشر، بين البراءة والعدوان، بين الجريمة والعقاب. وعندما يشعر الناس أن هذه الرسالة أصبحت مرتبكة، تبدأ الثقة في القانون نفسه بالاهتزاز.
المفارقة المؤلمة أن الطفل الضحية والطفل الجاني يشتركان في وصف واحد هو "طفل"، لكنهما يختلفان في المصير تمامًا. الأول مات وانتهت قصته كلها، والثاني ما زال يملك فرصة أن يكبر ويتعلم ويتزوج ويعمل ويبدأ من جديد. ولهذا يرى كثيرون أن التركيز المفرط على ظروف الجاني قد يتحول دون قصد إلى تجاهل لمعاناة من دفع الثمن الأكبر.
ليس المقصود من هذا الكلام الدعوة إلى الانتقام أو التحريض على القسوة، فالمجتمعات لا تُبنى بالغضب وحده. لكن من حق الناس أن يتساءلوا: هل يكفي عامل السن وحده للحكم على المسؤولية؟ هل الطفل الذي خطط وخدع وأخفى الأدلة وأدرك نتائج فعله يشبه حقًا طفلًا صغيرًا ارتكب خطأ دون فهم؟ وهل يجب أن يكون القانون أكثر مرونة في النظر إلى تفاصيل الجريمة لا إلى العمر المجرد فقط؟
إن العدالة الحقيقية لا تنحاز لطرف على حساب آخر، بل تبحث عن التوازن الصعب بين الرحمة والإنصاف. الرحمة قيمة عظيمة، لكنها تفقد معناها عندما تتحول إلى ظلم لطرف آخر. والإنسانية ليست حكرًا على الجاني مهما كانت ظروفه، بل تشمل أيضًا أهل الضحية الذين يعيشون بقية أعمارهم حاملين وجع الفقد.
عندما نتحدث عن حقوق الطفل يجب ألا ننسى أن أول حقوق الطفل هو أن يبقى حيًا. فالطفولة ليست بطاقة حماية لمن ارتكب جريمة فقط، بل هي أيضًا صفة للضحية الذي كان يملك أحلامًا بسيطة ومشروعة مثل أي طفل في العالم. كان يريد أن يكبر، وأن ينجح، وأن يفرح، وأن يحقق ما يتخيله لمستقبله. لكن كل ذلك انتهى لأن شخصًا آخر قرر أن يسلبه حياته.
أحيانًا يبدو الخطاب الحقوقي منفصلًا عن الواقع الإنساني. فبينما تُكتب التقارير وتُناقش القوانين، هناك أسر لا تنام ليلًا. هناك أم تستيقظ كل صباح على حقيقة أن ابنها لن يعود. وهناك أب يشعر بالعجز لأنه لم يستطع حماية طفله. هذه المشاعر ليست تفاصيل جانبية في القضية، بل هي جزء من حقيقتها الكاملة.
ولو تأملنا الأمر بعمق لوجدنا أن المجتمع لا يطلب دائمًا عقوبات أشد بقدر ما يطلب اعترافًا أكبر بمعاناة الضحايا. الناس يريدون أن يشعروا أن القانون يرى الألم الذي يرونه، وأنه لا يتعامل مع حياة الإنسان وكأنها رقم في ملف. يريدون عدالة تقول بوضوح إن حياة الضحية كانت ذات قيمة، وإن المجتمع لم ينسها بمجرد انتهاء المحاكمة.
وربما لهذا السبب تبقى القضايا التي يكون فيها الجاني صغير السن من أكثر القضايا إثارة للجدل. فهي تضعنا أمام سؤال صعب لا إجابة سهلة له: كيف نحمي الأطفال من ظلم العقاب المفرط، وفي الوقت نفسه نحمي المجتمع من ظلم التهاون في الجرائم الخطيرة؟ إنه سؤال يختبر ضمير المجتمع كله.
الحقيقة أن الإنسان قد يتفهم الظروف التي دفعت طفلًا إلى الجريمة، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل النتيجة. قد يكون الجاني ضحية لتفكك أسري أو إهمال أو بيئة عنيفة، لكن الضحية أيضًا ضحية، بل ضحية بصورة نهائية لا رجعة فيها. ومن الخطأ أن يؤدينا التعاطف مع أحد الطرفين إلى نسيان الطرف الآخر.
ولعل المشكلة الأكبر ليست في القوانين نفسها دائمًا، وإنما في الرسالة التي تصل إلى الناس منها. فعندما يخرج الرأي العام بانطباع أن العقوبة لا تتناسب مع حجم الجريمة، ينشأ شعور بأن العدالة لم تكتمل. وهذا الشعور، سواء كان دقيقًا أو مبالغًا فيه، يظل خطرًا لأنه يمس ثقة المواطنين في النظام القانوني كله.
إن المجتمع الرحيم لا يعني المجتمع المتساهل، تمامًا كما أن المجتمع الحازم لا يعني المجتمع القاسي. المطلوب هو معادلة دقيقة تعترف بأن الأطفال يحتاجون إلى حماية خاصة، لكنها تعترف أيضًا بأن بعض الجرائم تترك جروحًا لا تندمل في نفوس الضحايا وأسرهم. لا ينبغي أن نختار بين الطفل الجاني والطفل الضحية، بل يجب أن نسأل كيف نحفظ حق الاثنين دون أن نهدر حق أحدهما.
وفي النهاية سيبقى السؤال الذي يتردد في بيوت كثيرة بعد كل جريمة من هذا النوع: إذا كان القانون يرى أن الجاني طفل فيستحق الرأفة، فلماذا لا يتذكر بالقدر نفسه أن الضحية كان طفلًا أيضًا؟ وإذا كانت إنسانيتنا تدفعنا إلى التفكير في مستقبل من قتل، أفلا تدفعنا كذلك إلى الحزن على مستقبل من قُتل؟
ولعل أجمل ما يذكر الإنسان بحرمة الدماء قول الله تعالى: *﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾*. فهذه الآية لا تتحدث عن رقم أو قضية أو ملف قانوني، بل تتحدث عن قيمة الحياة الإنسانية نفسها، تلك القيمة التي لا تعوضها أحكام ولا تعيدها سنوات. ويبقى العدل الحقيقي هو ذلك الذي لا ينسى الجاني حين يحاكمه، ولا ينسى الضحية بعد دفنه.





