مدحت الشيخ يكتب: عندما تغيب السياسة
في السياسة، لا توجد فراغات تبقى فارغة طويلًا.. فإذا غابت السياسة، حضرت الفوضى، وإذا تراجع الحوار، تقدمت الشائعات، وإذا صمتت المؤسسات، تحدثت منصات التواصل الاجتماعي نيابة عنها، وكل واحد يبدأ في تفسير المشهد بطريقته، وكأننا أمام مباراة لا تحتاج إلى قواعد.
السياسة في جوهرها ليست صراخًا في الميكروفونات، ولا صورًا متكررة للمسؤولين، ولا بيانات تحمل عبارات منمقة لا يفهم منها المواطن شيئًا.
السياسة الحقيقية هي أن تعرف الدولة ماذا تريد، وأن تعرف كيف تشرح ذلك للناس، وأن تفتح أبواب الحوار عندما تختلف الآراء، وأن تدير الخلاف قبل أن يتحول إلى أزمة.
المشكلة تبدأ عندما تختفي السياسة من المشهد، بينما تظل الأزمات موجودة، فالناس لا تتوقف عن السؤال لأن المسؤول لم يتحدث، لكنها تبدأ في البحث عن إجابات أخرى. وقد تكون الإجابة هذه المرة من شخص لا يملك معلومة، أو من صفحة تبحث عن المشاهدات، أو من شائعة تبدأ بجملة "بيقولوا"، ثم تتحول بعد ساعات إلى "معلومة مؤكدة"، وهنا يصبح الصمت أكثر تكلفة من الكلام.
ليس المطلوب أن تتحدث الحكومات عن كل شيء، فهذا مستحيل، وليس مطلوبًا أن تتحول الدولة إلى غرفة أخبار تعمل على مدار الساعة. لكن المطلوب أن يشعر المواطن أن هناك من يدير المشهد، وأن هناك إجابة واضحة عندما تكون الإجابة ممكنة، وتفسيرًا مقنعًا عندما تكون الحقيقة معقدة.
السياسة أيضًا ليست أن يتفق الجميع، والديمقراطية الحقيقية لا تعني أن نعيش جميعًا بعقل واحد، ولا أن يتحول الاختلاف إلى اتهام، ولا أن يصبح صاحب الرأي الآخر خصمًا يجب إسكات صوته.
الاختلاف الطبيعي يمكن أن يكون مصدر قوة، بشرط أن تكون هناك قواعد تحكمه، ومساحات تسمح بالنقاش، ومؤسسات قادرة على تحويل الخلاف إلى حلول.
أما عندما تغيب السياسة، فإن الخلاف يتحول بسهولة إلى خصومة، والخصومة إلى انقسام، والانقسام إلى أزمة. والأخطر من ذلك أن غياب السياسة يترك المواطن وحيدًا أمام مشكلاته اليومية.
المواطن لا يريد خطبًا طويلة عن المستقبل بينما يواجه ارتفاع الأسعار، ولا يريد وعودًا بلا مواعيد، ولا يريد أن يسمع أن كل شيء على ما يرام بينما حياته تقول شيئًا آخر.
وقد يكون الاعتراف بوجود مشكلة أكثر احترامًا للمواطن من محاولة إقناعه بأنها غير موجودة.
السياسة الناجحة لا تخشى الأسئلة، لأنها تعرف أن السؤال ليس مؤامرة، وأن النقد ليس خيانة، وأن الصحافة ليست عدوًا، وأن المواطن الذي يسأل عن حقه لا يجب أن يُعامل باعتباره مصدر إزعاج.
نحن في زمن تغيرت فيه قواعد الاتصال بالكامل. لم يعد الخبر ينتظر نشرة الثامنة، ولم تعد المعلومة تمر بالضرورة من بوابة واحدة. هاتف صغير في يد أي شخص يستطيع أن يصنع قصة تنتشر في دقائق.
ومن هنا، فإن غياب الخطاب السياسي الواضح لا يعني غياب الكلام، بل يعني أن آخرين سيتولون مهمة الكلام، وهنا الخطورة، لأن الفراغ لا يظل فراغًا.
إذا لم تشرح الدولة قرارها، سيشرحه آخرون.
وإذا لم تقدم الحقيقة، ستقدم الشائعة نفسها باعتبارها حقيقة، وإذا لم تفتح باب الحوار، ستفتح منصات التواصل أبوابًا لا يمكن لأحد أن يضمن إلى أين تقود، فالسياسة ليست رفاهية، وليست نشاطًا موسميًا يظهر قبل الانتخابات ثم يختفي بعدها. السياسة هي إدارة حياة الناس، وهي القدرة على الاستماع قبل إصدار القرارات، وعلى الإقناع قبل المطالبة بالطاعة.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يختلف أبناؤه، وإنما أن يفقدوا القدرة على الحوار، فعندما تغيب السياسة، لا تختفي الأزمات.. بل تختفي القدرة على إدارتها، وعندما يغيب الحوار، لا يختفي الغضب.. بل يبحث عن طريق آخر للخروج، وعندما تصمت المؤسسات طويلًا، لا يصمت الناس، وإنما يبدأ كل شخص في كتابة روايته الخاصة.
لهذا، نحن لا نحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي، وإنما نحتاج إلى سياسة حقيقية.. سياسة تسمع، وتشرح، وتختلف، وتتراجع عندما تخطئ، وتتصالح مع فكرة أن المواطن ليس مجرد رقم في كشف الناخبين، وإنما شريك في وطنه، فالسياسة حين تكون حاضرة بعقلها، تحاصر الفوضى.
أما حين تغيب، فكل شيء يصبح قابلًا للاشتعال.





