جريدة الديار
الأربعاء 14 يناير 2026 12:01 صـ 25 رجب 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
سيد الضبع يكتب: مصر وأفريقيا.. استراتيجية استباقية في زمن صراع النفوذ من الموت إلى الحياة: قصة إنقاذ أسرة كاملة في مستشفى الحميات بدمنهور البحيرة ... روائح الصرف الصحي والكلاب الضالة تحاصر معهد فتيات سنهور.. أين المسؤولون؟ الأرصاد تكشف موعد انتهاء التقلبات الجوية ”الطنبولي” وكيل الطب الوقائي بالدقهلية يتفقد عدد من وحدات طب الأسرة بشربين وبلقاس ضبط قائد ميكروباص امتنع عن تحميل الركاب.. والتحقيق يكشف كذب ادعاءات ضابط ببورسعيد جامعة المنيا تدشن مشروع «الريادة الخضراء» ضمن احتفالاتها بيوبيلها الذهبي «سقف وباب يُغلق بكرامة».. مدبولي يروي الجانب الإنساني لمشروع «سكن لكل المصريين نيويورك تايمز: البنتاجون يطرح على ترامب خيارات عسكرية أوسع ضد إيران الداخلية تضبط 4 متهمين في قضية تأشيرات وعقود عمل مزورة بالغربية كامل الوزير يبحث مع المستثمرين وقف دخول السلع غير المطابقة للمواصفات مستشار الديوان الملكي السعودي يهنئ المستشار هشام بدوي برئاسة مجلس النواب

محمد الصباغ يكتب قصة قصيرة بعنوان : مقبرة الذكريات

محمد الصباغ
محمد الصباغ

قصة قصيرة

مقبرة الذكريات

1

بعد أن يمضي يومه ؛ كان يضع اليوم الميت في كفن الذكري ؛ مجاورا له بجوار نظرائه من الأيام الميتة في مقبرة حياته ؛ التي صار لازما عليه أن يوسعها كل يوم لكي تستوعب كل أيامه الميته ؛ ثم يذهب إلي فراشه ؛ ليموت هو ما يتيسر له من الموت ؛ ودون ان يستيقظ ولو مرة واحدة ليذهب ليبول أو ليتناول جرعة من الماء ؛ وخصوصا بعدما أصابه مرض " السكري " فلم يغير المرض أي من عاداته ؛ وحافظ هو علي موته أثناء نومه . وذات مساء متأخر ؛ وأثناء موته في النوم ؛ وجد نفسه وكأنه قد استيقظ ولم يكن قد استيقظ ؛ بل أتاه " الهاتف " الموحي زائرا قاصدا ؛ راغبا في أن يوحي إليه ؛ كان في حالة من التداخل ما بين اليقظة من النوم وما بين الإفاقة من الموت وما بين التوه في الزمان والضياع في المكان ؛ وقد غالبه مزيد من جرعة النوم فنام ؛ وعندما استيقظ من نومه ومن موته ؛ فقد كان ناسيا ما مر به من تجربة الإستيقاظ من النوم أثناء النوم ومن الإستيقاظ من الموت أثناء الموت .

لأيام كثيرة كان "الهاتف" ؛ يقف فوق رأسه وهو نائم ويوقظ عقله نصف إفاقة ويبدأ في مهاتفته والوحي إليه ؛ عن غير ما يعرف من أشياء ، وعلي غير ما يحس إزاء ذات الأشياء ؛ وعن غير ما يحب أن يكون شعوره دائما عن ذات تلك الأشياء ؛ التي كان سابقا قد عاشها وسابقا كان قد دفنها في مقبرة الذكريات .

وكان " سرسوب " الهاتف يتدفق وينخفض في التدفق ؛ بلا رابط أو قاعدة أو اعتياد ، وكان يتبقي من هذه المهاتفات بعض منها في وعيه وبعض ما زرعه "الهاتف" لينمو بعد ذلك ويكون مادة للتهاتف فيما بعد .

2

كان بعض ما زرعه "الهاتف " في وعيه وفي عقله ؛ أن الزمن قد انتهي ولا وقت للرجوع بعد أن " انتهي الزمن " إلي بداية الرحلة ؛ وأنه حتما أن صاحب الجسد النائم سوف يسقط في الفراغ النهائي ؛ وذات مرة من مرات التهاتف المتلاحقة في توالي الأيام ؛ فقد ضاعف "الهاتف" من قوة صوته وهو يخاطب نصف النائم ؛ نصف الواعي لما يدور : " أنت تسير بالقصور الذاتي منذ أتيت إلي الوجود ؛ ولو كنت توقفت لسحقت روحك الأقدام الزاحفة من خلفك والتي تدفعها وتدفع زحفها من الخلف أرواح أخري مندفعة من الوجود إلي العدم ، ومن العدم للوجود ؛ في زحف بلا رفع لقدم عن السطح الذي يتحرك الجميع عليه ؛ إلي مستقر الحركة في الأمام المجهول ".

3

كان "الهاتف" يواصل " تهاتفه " مع النائم ؛ نصف الميت ونصف الواعي ؛ وغير النائم ؛ فقد أصبح علي حالة الوجود المائع والوجود المتلاشي ؛ وقد مضي الهاتف في زياراته للمختار المقصود ؛ دون اهتمام بعدم قبوله التلقي بالوحي وبالرسالة التي يجبره علي تلقيها وفي نفس اللحظة كان " الهاتف" مجبرا للمتلقي المجبور ؛ ومحددا له ما يلتزم به في سيره الأبدي : " لا تلتفت إلي الوراء ، فإن الأرواح التي خلفك والوجوه المختبئة خلف وداخل هذه الأرواح ؛ ستكون أكثر وحشية وبشاعة من الفراغ الأبدي والهوة السحيقة التي تبتلع كل شيء والتي هي تتخلق من ذاتها في الخلف ؛ إذا نظرت إلي الخلف ؛ وهي أيضا قائمة في الأمام ، إذا واصلت السير إلي الأمام .

وليكن عزاءك أنه قد يلوح في النهاية المحتومة ؛ أنه طوبي لمن ساروا في الحياة يعانون الوحدة ؛ وطوبي للذين تألموا في الوجود بأكثر مما سعدوا ؛ وطوبي لمن عاشوا الحياة دون معاركة الألم ؛ فقد رضوا به عن صبر وتضحية . وسواء أسرعت الخطي الزاحفة أو أبطئت ؛ طرت أو زحفت : فأنت سائر إلي هناك ؛ صائر حيث ستكون بلا كينونة ؛ ذائب في الفراغ ".

4

كان "الشبح المهاتف" يعاوده يوما بعد يوم ؛ في وجود يكاد يتجسد وقد أصبح له صوت وله رائحة ؛ أصبح له وجود مصاحب لتهاتفه ؛ ولا يدري كيف وردت إلي خاطره الفكرة الإنتقامية ؟! وكيف أصبحت ملحة إلي هذا الحد ؛ ولم يدري إذا كانت الفكرة مما أوحي به "الهاتف الشبح" نفسه ؛ أم أنها نبتت من ذاته هو ؛ بعد أن أصبح يأتيه "الهاتف الآمر" المتحكم في أحلامه والمسيطر علي فترة نومه وفيما بعد صحوه : وقد قرر أن يطلق الرصاص علي الشبح ليري ماذا سيصنع "الشبح المهاتف" ؟!

5

لم يكن الشبح ؛ في مرات معاودته للمتلقي معاديا ؛ هو فقط كان مسيطرا متحكما ؛ وربما في مرات من مرات التجسد ؛ كان يري وكأن الشبح هو هو ، وفي هذه الحالة ؛ لم يكن في ظهور الشبح وتجسده ؛ يجد من ظهوره وتجسده إنزعاجا وكان عند ذلك يشعر بالزهو أن الهاتف الشبح قد اختاره هو ؛ وأنه يرسم له : صورة فوق الوجود الذي يعيشه ؛ وعندما وجد الشبح في أقوي لحظات تكثفه وظهوره وأن رائحته الإعتيادية لحظة وجوده وتهاتفه حاضرة ؛ سحب المسدس الخاص به والذي كان يضعه أثناء النوم تحت وسادته وفي متناول الحركة السريعة من يده .

سحب المسدس بسرعة وأطلق الرصاص علي الشبح ؛ ولما أفاق مندهشا من صوت طلقة الرصاص ومن رائحة احتراق الجلد والعظم البشري ؛ وبعد أن استيقظ تماما وجد إلي جواره جثة تلفظ أنفاسها الأخيرة وفي حالة ضعف لا تقوي علي شيء ؛ حتي طلب المساعدة : وجد بعد لحظة استيعاب ؛ أن الرصاصة قد أودت بحياة صديقه في السكن والذي يزامله في نفس وحدته العسكرية والذي من آن لآخر تختلف فترات عملهما ونوبات حضورهما في الخدمة .

6

في أيام التحقيق الذي أعقب قتله الخطأ لصاحبه في السكن ؛ وأثناء المحاكمة العسكرية فقد تخلص من زيارات وإلحاح الشبح ؛ ولم يجد هو تفسيرا لقتله لصاحبه واختفاء الشبح ؛ وبدأ يشك في ارتباط ما بين صديقه وصاحبه في السكن وبين ظهور الشبح ومهاتفته له .

وقد دفعه هذا إلي جنون مؤقت ؛ أراحه من تماديه فيه ؛ أنه قد تخلص من إلحاح الشبح الذي يأتيه أثناء : نصف نومه ونصف وعيه ومن خلال سرسوب التهاتف الذي كان يأتيه . 7 بعدما حصل علي التسريح من الخدمة ؛ لشك المحققين في قواه العقلية ؛ وبعدما حصل علي الحكم المخفف ؛ استنادا للدفع بإضطرابه العصبي واحتمالات جنونه ؛ فقد صار عليه أن يمضي عقوبة الحبس المريح ؛ وفي ليلة اليوم الأخير في محبسه المريح ؛ فقد عاوده الشبح المهاتف مرة أخري .

8

بعدما خرج من السجن ؛ غير مكان السكني ؛ لآخر ؛ هروبا من ذكريات الشبح ومن تذكر أنه قد قتل صديقه ؛ ومن تداعيات تهاتف الشبح معه ؛ وأن قواه العقلية وسيطرته علي نفسه وتصرفاته ؛ أصبحت محل شك منه هو نفسه .

وفي السكن الجديد فقد عاود " الشبح المهاتف " ظهوره وحضوره ؛ ولم يكن في ظهوره مشكلة ؛ بعد أن داوم التردد علي طبيب نفسي ؛ وقد أصبحت المشكلة الجديدة بالنسبة له ؛ ليست في ظهور الشبح أو إختفائه ؛ بفعل العقاقير التي أصبح يداوم عليها ، ولكن أصبحت المشكلة فيما كان يقوله الشبح وأصبح هو يحتاج إلي سماعه ؛ بل أنه أصبح يعتمد عليه ؛ في فهمه للكثير مما أصبح يحيط به من أحداث الحياة وأصبحت المشكلة الملحة والتي لم ينجح الطبيب المعالج في إيجاد حلا لها ؛ أن صاحب الشبح ؛ قد عاوده التفكير في أن يتخلص من الشبح ومن إلحاحه ومن سيطرته ؛ علي فترات اليقظة في نومه .