جريدة الديار
الخميس 26 فبراير 2026 04:00 صـ 10 رمضان 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
محافظ الدقهلية يزور «عروس الدورات الرمضانية» بدكرنس ويشيد بدورها في تنمية الشباب د. منال عوض تعلن التشغيل التجريبي لـ”مجزر بنى أحمد” بمحافظة المنيا بتكلفة 24 مليون جنيه د. منال عوض توجه بتسريع وتيرة المشروعات المحلية وتعظيم الاستثمار في المحميات الطبيعية الداخلية تكشف أسباب وفاة نزيل بالجيزة وتنفي التعذيب مع ضبط ناشر الفيديو بادعاءات كاذبة محافظ الدقهلية في جولة مفاجئة سيرًا على الأقدام بمحلة دمنة .. ودكرنس تفقد خلالها مستوي النظافة والإشغالات والموقف والدورة الرمضانية... محافظ البحيرة تشهد الاحتفال باليوم السنوي للجامع الأزهر بمركز إعداد القادة بدمنهور عودة الأجواء الشتوية.. الأرصاد تعلن تفاصيل حالة الطقس من الخميس إلى الاثنين المقبل نجاح انتشال جـثمان طفـل غريق بترعة القاصد بكوبري قحافة في طنطا محافظ بورسعيد: التواصل مع المواطنين و الاستماع لمطالبهم وشكواهم على رأس أولويات العمل التنفيذي الحكومة توافق على 11 قرارا جديدا اليوم مأساة في المتوسط.. فقدان 18 مصريًا ووفاة 3 في غرق قارب هجرة غير شرعية متجه إلى اليونان استقرار أسعار الفضة محليا اليوم.. والأونصة العالمية ترتفع 3.5%

مدحت الشيخ يكتب: معركة الوعي في زمن الإعلام الجديد

لم تعد الحروب الحديثة تعتمد فقط على المدافع والصواريخ، ولم يعد ميدان المعركة مقصورًا على الجبهات العسكرية وحدها، بل أصبح العقل البشري ذاته ساحة صراع مفتوح، وأداة رئيسية لتحقيق الانتصار أو تكبيد الهزيمة. في زمن الإعلام الجديد، تحولت الكلمة إلى سلاح، والمعلومة إلى رصاصة، والمنصة الإعلامية إلى مدفعية ثقيلة قادرة على اختراق الوعي الجمعي للشعوب، وتغيير مسارات الأحداث بأسرع مما تفعل الطائرات والدبابات.

لقد أدركت القوى الكبرى مبكرًا أن السيطرة على العقول أهم من السيطرة على الحدود، وأن امتلاك القدرة على توجيه الرأي العام لا يقل خطورة عن امتلاك السلاح النووي. من هنا، نشهد اليوم موجات متلاحقة من الحروب الإعلامية التي تتجاوز مجرد الأخبار أو التحليلات، لتصير جزءًا من استراتيجيات كبرى تُدار بعناية وتُنفذ بخطط دقيقة، هدفها الأساسي تشكيل وعي الناس، بل أحيانًا تغييب هذا الوعي أو تزييفه بما يخدم مصالح قوى بعينها.

إن أخطر ما يواجه المجتمعات في هذه المرحلة هو التشويش المتعمد على الوعي العام. إذ لم يعد من السهل التفرقة بين الحقيقة والشائعة، أو بين الخبر والمحتوى الدعائي. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، بل تحول إلى شريك في إنتاج وتداول المعلومة، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام تضاعف حجم التضليل، حتى غدا الإنسان أسيرًا لشلال لا ينقطع من الأخبار، بعضها صحيح وأكثرها مشكوك فيه.

ومن هنا تتضح أهمية بناء حصانة داخلية للمجتمع. هذه الحصانة لا تُبنى بالمنع أو الحجر على الآراء، وإنما بالوعي، والتعليم، وتعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد. حين يكون المواطن قادرًا على التمييز، فإن أي محاولة للتزييف تفقد قوتها. أما إذا ظل وعيه هشًا، فسيكون فريسة سهلة لكل ما يُلقى أمامه، دون أن يدرك أنه مجرد أداة في لعبة أكبر.

لقد علمنا التاريخ أن الشعوب التي تملك وعيًا حيًا هي الأقدر على مواجهة الأزمات وتجاوز التحديات. فالمعارك قد تُخسر عسكريًا لكنها لا تُحسم إلا وعيًا. وإذا عدنا إلى محطات تاريخية فاصلة، لوجدنا أن الانتصار لم يكن مجرد تفوق في العتاد العسكري، بل كان بالأساس انتصارًا على محاولات تشويه الهوية وزعزعة الثقة بالنفس. إن المعركة الحقيقية دائمًا كانت وما زالت معركة وعي.

وفي هذا السياق، تقع على الإعلام الوطني مسؤولية جسيمة. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو صانع للرؤية وباني للجسور بين المواطن ووطنه. وحين ينحرف الإعلام عن هذا الدور، فإنه يتحول إلى عبء، وربما إلى خطر. لذلك فإن إصلاح الإعلام وتطويره لم يعد ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية العقول من الغزو الناعم الذي قد لا يُرى بالعين، لكنه يترك أثره في السلوك والمواقف والقرارات.

كما أن التعليم بدوره يمثل خط الدفاع الأول في هذه المعركة. فالعقل الذي يتربى على التفكير النقدي والبحث عن الدليل لن يكون فريسة سهلة لأي دعاية مضللة. وهنا تتجلى أهمية ربط التعليم بالإعلام، بحيث يصبح كلاهما جناحين يحلق بهما المجتمع في فضاء المعرفة، بعيدًا عن أوهام التضليل وفخاخ الجهل.

لكن المواجهة لا تتوقف عند المؤسسات الرسمية وحدها، فكل فرد شريك في هذه المعركة. الكلمة التي نكتبها أو ننشرها، والصورة التي نتداولها، والفكرة التي نروج لها، جميعها إما أن تكون ذخيرة في معركة الوعي، أو سهامًا في جسد الحقيقة. ومن هنا، لا بد أن نستشعر المسؤولية الفردية في التعامل مع الإعلام، فالمسألة لم تعد رفاهية نقاشية، بل هي قضية وجود وحماية وطن.

لقد آن الأوان أن ندرك أن الوعي ليس شعارًا نرفعه، بل سلاحًا نملكه. هو حصننا الأخير في مواجهة محاولات الاختراق الثقافي والفكري، وهو الطريق الأوحد لضمان بقاء الشعوب متماسكة في وجه العواصف. وإذا أردنا لمجتمعاتنا أن تنهض، فعلينا أن ننتصر أولًا في هذه المعركة الخفية: معركة الوعي.

في زمن الإعلام الجديد، قد تُصنع الهزيمة قبل أن تُطلق رصاصة، وقد يتحقق الانتصار بمجرد أن يبقى الوعي يقظًا، لا يُخدع ولا يُستدرج. ولذا فإن حماية عقولنا ليست مجرد مسؤولية وطنية، بل واجب إنساني، لأن الأمم التي تفقد وعيها سرعان ما تفقد كل شيء.