جريدة الديار
الأحد 18 يناير 2026 08:15 مـ 30 رجب 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

مشروبات الطاقة.. بريق المظهر وفخ المكونات يهددان قلوب الشباب

خلف تلك العلب الملونة والشعارات البراقة التي تَعِدُ بالقوة الخارقة، يتخفى عالمٌ من الأرقام الصادمة والمكونات المعقدة؛ فلم تعد مشروبات الطاقة مجرد وسيلة عابرة لزيادة التركيز، بل تحولت إلى ظاهرة تكتسح أوساط الشباب، مغلفةً ببريقٍ تسويقي يداعب طموحهم في الإنجاز، حتى باتت «إكسسوارًا» عصريًا يُتمم مظهرهم الاجتماعي.

لكن، خلف هذا الستار اللامع، ينصبُّ «فخُّ المكونات» شراكهُ المُحكم؛ حيث تضع الأوساط الطبية العالمية هذه المركبات الكيميائية المركزة تحت مجهر الفحص الدقيق، محذرةً من مزيجٍ قاتل من الكافيين والسكريات المُفرطة قد لا يتحمله جسدٌ في مُقتبل العمر.

مع تصاعد حدة التباهي باقتنائها تحت بريق الحملات الإعلانية، تبرز الحاجة المُلّحة لرفع سقف الوعي: فهل يدرك هؤلاء الشباب أنهم يجرعون أجسادهم وهمًا قد يكلفهم حياتهم في لحظة زهوٍ عابرة؟ وكيف يتحول هذا البريق إلى خطرٍ يطرق أبواب القلب دون استئذان؟

تحديات حيوية ومكونات معقدة.

وأوضحت الدكتورة سامية جلال سعد، أستاذة بالمعهد العالي للصحة العامة والبيئية بالإسكندرية ومستشارة الأمم المتحدة لصحة البيئة وإدماج نظم الإدارة البيئية المُتكاملة، أن الاستهلاك المُفرط لمشروبات الطاقة يضع المنظومة الحيوية للإنسان أمام «تحديات كيميائية» جسيمة؛ نظرًا لطبيعة تكوينها التي تدمج بين المنبهات القوية والمحليات المركزة.

وتشير البيانات إلى أن العبوة الواحدة قد تحتوي على كافيين يتجاوز 240 ملغ، مدعومًا بمواد مثل «الجوارانا» و «التورين»، بالإضافة إلى محتوى سكري مرتفع يصل إلى ما يعادل 17 ملعقة صغيرة، مُنوهة إلى أن التأثير يمتد ليشمل الإضافات اللونية، سواء المُشتقة من مركبات كيميائية أو صبغة «الكارمين» (E120) المستخلصة من سحق نوع من الخنافس، مما قد يحفز تفاعلات حيوية تؤدي إلى إجهاد عضلة القلب.

ولفتت إلى ظاهرة «الطرد الكيميائي» للمعادن الضرورية كالمغنيسيوم والبوتاسيوم، وهو ما قد ينعكس سلبًا على استقرار الجهاز المناعي و قد يتسبب في أعراض تشمل الحساسية المُفرطة و فرط الحركة لدى اليافعين.

وفي سياق تحليل التبعات الصحية طويلة الأمد، أشارت مستشارة الأمم المتحدة إلى أن الدراسات تربط بين التناول الكثيف لهذه المشروبات وزيادة احتمالات الإصابة بالإجهاد التأكسدي للشرايين، والذي قد يؤثر على مرونة الأوعية الدموية بنسبة تصل إلى 50% خلال ساعة من الاستهلاك.

كما حذرت من الارتباط الوثيق بين «القمم السكرية» المتكررة وارتفاع مخاطر السمنة والسكري، فضلاً عن تأثير المنبهات على جودة النوم و استقرار الجهاز العصبي.

وأكدت الدكتورة سامية على رؤيتها بالتأكيد على أهمية تشديد الرقابة المخبرية لضمان شفافية المُكونات، ومراجعة السياسات الإعلانية المُوجهة للشباب، بما يضمن حماية الأجيال القادمة و تعزيز الأنماط الغذائية السليمة في المجتمع المصري.

واختتمت الدكتورة سامية مُطالبة بوقف إنتاج هذه المشروبات الضارة ومنع الإعلان عنها أسوة بالسجائر، لما تسببها من أضرار صحية بالغة تشمل السمنة المُفرطة و أمراض السكري و القلب. إن حماية صحة المواطن المصري تتطلب صرامة تشريعية، فلا مجال للتباطؤ في اتخاذ الإجراءات الوقائية لسلامة صحة الإنسان.

صبغة الحشراتِ القاتلة

خلف اللون الأحمر الجذاب الذي يستهوي الشباب، تَكْمُنْ حقيقة مخبرية صادمة؛ إذ تنبش التحاليل في هوية الألوان لتكشف عن مفاجأة غير مستساغة، وهي أن هذا البريق يُستخلص غالبًا من مادة «الكارمين» المرموز لها عالميًا بالرمز (E120).

هذه الصبغة يتم الحصول عليها عبر سحق وتجفيف إناث «حشرة القرمزي»، وهي نوع من الخنافس الصغيرة و رغم إن هذه الحشرة معتمدة دوليًا كصبغة غذائية بنسب قليلة جدًا، إلا إنها قد تسبب حساسية شديدة لبعض الأشخاص، و تؤكد دراسة نشرتها «المجلة الأوروبية للحساسية والمناعة السريرية» أن بقايا بروتينات هذه الحشرة في الصبغة تُعدّ مُسببًا رئيسيًا لحالات «الآنافيلاكسيس» أو الصدمة التحسسية الحادة.

ومع خلط هذه الصبغة بالأحماض الصناعية داخل العبوة، تزداد حدة التفاعلات الكيميائية، مما يفسر حالات ضيق التنفس المفاجئ التي تباغت بعض المستهلكين.

التشريح العلمي للخطر

بعيدًا عن الألوان، فإن التركيز الهائل للكافيين والتاورين يضع الجسم في حالة «استنفار كاذب».

وقد استخدمت دراسة صادرة عن «جامعة بون» الألمانية التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لقلوب أشخاص بعد ساعة من تناول المشروب، وأظهرت النتائج زيادة مُرعبة في «قوة انقباض البطين الأيسر».

هذا يعني أن القلب يُجبر على العمل بأقصى طاقته و هو في حالة راحة، مما قد يُؤدي بمرور الوقت إلى تضخم العضلة أو تمزق الأوعية الدموية الدقيقة، و هو ما يفسر حالات السكتة القلبية المفاجئة لشباب لم يعانوا من أمراض مسبقة.

وقودٌ أحرقَ صاحبه.

بين جدران صالة الألعاب الرياضية، تحول شاب في مقتبل العمر لا يدخن ويمارس الرياضة بانتظام من نموذج للحيوية إلى ضحية في ردهات العناية المركزة؛ فبعد تجرعه عبوة «طاقة» كوقود إضافي لتمرينه، باغتته سكتة قلبية ناتجة عن «رجفان بطيني» حاد.

ويروي الشاب لحظات الرعب قائلاً إن قلبه كاد يخرج من صدره قبل أن يسقط صريعًا، ليؤكد الأطباء أن «التآزر السام» بين الكافيين والمجهود البدني أدى لطرد المعادن الأساسية واختلال كهرباء قلبه.

واليوم، لم يتبقَّ له من ذلك «النشاط الزائف» سوى ندبة في صدره وجهاز لتنظيم الضربات، ليكون حياً يرزق بشهادة تثبت أن «وهم القوة» المعبأ في زجاجات قد يكلف صاحبه عمراً بأكمله.

حدود الأمان مفقودة

في قراءة رسمية لمخاطر هذه المشروبات، أكدت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) أن استهلاك مشروبات الطاقة، خاصة بين اليافعين، يُمثل تحديًا صحيًا خطيرًا؛ حيث حذرت من أن تجاوز جرعة 3 ملغ كافيين لكل كيلوغرام من وزن جسم الإنسان يُؤدي فورًا إلى اضطرابات حادة في نظم القلب وضغط الدم.

وشددت الهيئة في تقاريرها المعتمدة على أن الخطر يبلغ ذروته القاتلة عند تناول هذه المشروبات تزامنًا مع الجهد البدني الشاق، لما تسببه من جفاف حاد واختلال في كهرباء القلب، فضلاً عن دور محتواها السكري المرتفع في تآكل طبقة المينا والإصابة المبكرة بالسكري، مما يجعلها «وصفة طبية» لأزمات صحية طويلة الأمد.

ضيقُ الشرايينِ المفاجئ.

كيف تنهار الشرايين تحت ضغط الطاقة؟ كشفت دراسة حديثة أجراها مركز العلوم الصحية بجامعة تكساس أن تناول عبوة واحدة فقط من مشروبات الطاقة يشن هجوماً صامتاً وفورياً على جدران الشرايين؛ فباستخدام اختبارات «التوسع الشرياني الوسيط»، وجد الباحثون أن قطر الأوعية الدموية يتقلص بشكل مفاجئ بنسبة تزيد عن 50% بعد ساعة واحدة من الاستهلاك.

ويرجع ذلك إلى الخلطة المركزة من الكافيين والمنبهات التي تمنع إفراز «أكسيد النيتريك» الحيوي لمرونة الشرايين، مما يسبب انسدادًا مؤقتًا في تدفق الدم وارتفاعًا حادًا في ضغط الشرايين، واضعًا المستهلك أمام خطر محقق للإصابة بـ «نوبة نقص تروية» قد تصيب القلب أو الدماغ، وهو ما يقدم التفسير العلمي الدقيق لارتفاع حالات «الجلطات المفاجئة» بين المراهقين في غرف الطوارئ.

تآزرٌ كيميائيٌّ سام.

تؤكد دراسة مُوسعة نشرتها «المجلة الطبية البريطانية» (BMJ) أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في كمية الكافيين وحدها، بل في ظاهرة «التآزر الكيميائي» بين الكافيين و مادتي «التاورين» و «الجوارانا»، حيث أثبتت التحاليل المخبرية أن هذه التركيبة في مشروبات الطاقة تزيد العبء على الكبد و الكلى في معالجة الكافيين و التخلص منه بالسرعة المعتادة، مما يبقيه في الدم لفترات أطول بتركيزات سامة تُؤدي إلى ظاهرة « تصلب الشرايين المؤقت »؛ وهي حالة ترفع ضغط الدم الانقباضي بشكل مفاجئ وحاد، مما يفسر حدوث نزيف دماغي مفاجئ لدى المراهقين حتى في غياب أي تاريخ مرضي، وهو ما يثبت علمياً أن الملصقات التي تكتفي بذكر «الكافيين المضاف» هي ملصقات تضليلية تتجاهل الأثر التراكمي للمكونات الأخرى.

فخُّ الكافيينِ القاتل.

بينما تحتوي كوب القهوة على نحو 90 مجم من الكافيين، تتجاوز بعض العبوات حاجز الـ 300 مجم، مع إضافات مثل «الجوارانا» التي تضاعف التأثير دون ذكر قيمتها الإجمالية بوضوح على المُلصق.

وأكد بحث في «مجلة طب الأطفال» (Pediatrics) أن هذا الاستهلاك قد يُؤدي إلى «تسمم الكافيين الحاد»، و الذي يظهر في التحاليل الطبية على شكل ارتفاع حاد في سكر الدم و انخفاض خطير في «البوتاسيوم»، و هو العنصر المسئول عن تنظيم كهرباء القلب، مما يفسر الرجفان القلبي القاتل.

كهرباءُ القلبِ في خطر.

كشفت أبحاث أجرتها «جامعة هارفارد» للصحة العامة أن المستويات المرتفعة من السكريات المضافة في هذه المشروبات، عند امتزاجها بالمركبات الحمضية، تؤدي إلى عملية «طرد كيميائي» للمعادن الأساسية من الجسم عبر البول، وعلى رأسها المغنيسيوم والبوتاسيوم.

وبما أن هذه المعادن هي المسئول الأول عن استقرار «كهرباء القلب»، فإن نقصها الحاد والمفاجئ يخلق بيئة خصبة لحدوث «الرجفان البطيني» القاتل.

هذا التحليل العلمي يفسر مأساة سقوط الشباب صرعى فور بذل مجهود بدني بسيط بعد تناول المشروب؛ حيث يكون القلب في حالة «عجز كيميائي» تام عن تنظيم نبضاته نتيجة فقدان المعادن الضرورية لعمله.

إحصائيات الموت المفاجئ والتضليل الإعلاني

تشير تقارير هيئة الرقابة الصحية الأمريكية (FDA) إلى تسجيل عشرات الوفيات المُرتبطة مباشرة بمشروبات الطاقة، حيث كان «احتشاء عضلة القلب» أو «النزيف الدماغي» هو السبب الرئيسي في 90% من الحالات لشباب دون الثلاثين.

والمثير للصدمة أن التحاليل الاستقصائية كشفت عن تضليل في بطاقات البيانات؛ حيث لا تذكر الكثير من الشركات «الكافيين الكلي» الناتج عن الإضافات الطبيعية مثل «المتة»، مما يجعل المستهلك يتناول ضعف الجرعة المكتوبة تقريبًا.

«معًا» لحماية أجيالنا.

يُعد التحرك الوطني العاجل ضرورة حتمية تتكاتف فيها الجهود الرقابية و الإعلامية لمُواجهة تغول مشروبات الطاقة؛ حيث يبدأ هذا المسار بإجراءات تشريعية صارمة تفرض تحليلاً مخبريًا إلزاميًا لكافة الشحنات لضبط نسب الكافيين و المواد المُضافة، و يمتد لفرض شفافية مُطلقة تلزم الشركات بوضع «تحذير الصندوق الأسود» لكشف مخاطر السكتة القلبية و المصدر الحشري للألوان (E120) بوضوح، وصولاً إلى تفعيل دور الإعلام في تجريد هذه السموم الدخيلة من هالتها الزائفة و نشر الوعي العلمي الرصين كحائط صد وقائي يحمي صحة المجتمع و يصون مستقبل شبابه.

طاقة.. وهمٌ.. وقاتل

أمام هذه الحقائق المخبرية الصادمة والبيانات الطبية القاطعة، نجد أنفسنا أمام معركة وعي لا تقبل التأجيل؛ فمشروبات الطاقة ليست مجرد «صرعة» شبابية عابرة، بل هي استنزاف ممنهج لصحة جيلٍ يُدفع نحو حتفه تحت بريق إعلانات مُضللة. إن حماية شبابنا من «فخ الألوان» و مخاطر السكتة القلبية تبدأ بوقفة حازمة تفرض الرقابة وتكشف زيف المُكونات، لنؤكد أن القوة الحقيقية تَكْمُنْ في الصحة المستدامة لا في جرعاتٍ من الوهم المُمزوج بمستخلصات الحشرات.

بين صرخة الضحايا وصمت الرقابة.. متى نوقف النزيف؟

إن مأساة سقوط «شاب» في مقتبل العمر من بطل رياضي إلى مريض يصارع الموت ليست مجرد حالة طبية عابرة، بل هي «جرس إنذار» يجسد جريمة مكتملة الأركان خلفها إعلانات مضللة ومكونات غامضة؛ ما يستوجب الانتقال فوراً من مرحلة النصيحة إلى «الإلزام القانوني» بفرض تحذيرات صريحة ومشددة على العبوات، تماماً كما هو الحال مع التبغ.

إن كل دقيقة تمر دون فرض رقابة صارمة على نسب الكافيين وتطهير الأسواق من السموم الملونة، هي مقامرة بأرواح أجيالنا، فالقرار اليوم لم يعد خيارًا، بل هو واجب وطني وأخلاقي لحماية مستقبل يضيع في قاع «عبوة وهم» قاتلة، قبل أن تصبح السكتة القلبية خبراً يومياً معتادًا. فهل ننتظر ضحايا جدد لنعلن أن سلامة الغذاء هي الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه؟