جريدة الديار
الإثنين 19 يناير 2026 05:30 مـ 1 شعبان 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

البصمة الكربونية.. «العملة الخضراء» التي تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي

لم تعد تلك الضغطة البسيطة على زر التشغيل، أو رحلة التنقل اليومية، أو حتى نمط استهلاكنا الغذائي مجرد تفاصيل عابرة؛ فكل نشاط بشري بات يترك خلفه "أثراً غير مرئي" يطارد كوكب الأرض، وهو ما يصطلح عليه علمياً بـ "البصمة الكربونية".

هذا المؤشر لم يعد مجرد رفاهية بيئية، بل تحول إلى ركيزة أساسية في صياغة السياسات الدولية، وقرارات الاستثمار الكبرى، وتحديد مستقبل الدول والشركات في سباق البقاء ضمن "الاقتصاد منخفض الكربون".

البصمة الكربونية هي إجمالي إنبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون، الناتجة بشكل مباشر أو غير مباشر عن الأنشطة البشرية.

وتشمل هذه الانبعاثات ما ينتج عن استخدام الطاقة، والنقل، والصناعة، والزراعة، والغذاء، وإدارة المخلفات، وحتى أنماط الاستهلاك اليومية للأفراد.

وما يميز البصمة الكربونية أنها لا تخص المصانع الثقيلة فقط، بل تمتد لتشمل الأفراد، والشركات، والمؤسسات، والحكومات، والمدن، وسلاسل التوريد كاملة.

وكلما ارتفعت البصمة الكربونية، زادت حدة المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، مثل موجات الحر الشديدة، وندرة المياه، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتهديد الأمن الغذائي والاقتصادي.

من التحدي إلى الفرصة

رغم خطورة المشكلة، فإن البصمة الكربونية لا تمثل حكمًا نهائيًا أو مصيرًا محتومًا. بل على العكس، يمكن قياسها بدقة، وإدارتها علميًا، ثم خفضها تدريجيًا عبر استراتيجيات واضحة تشمل تحسين كفاءة الطاقة، والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وتبني الاقتصاد الدائري، وتحسين إدارة الموارد والمخلفات، وتغيير أنماط الإستهلاك.

ومن هنا تحولت البصمة الكربونية من عبء بيئي إلى فرصة إقتصادية، ومن تحدٍ تنظيمي إلى أداة للابتكار والتنافس وجذب الاستثمارات الخضراء.

البصمة الكربونية ولغة الاقتصاد العالمي

اليوم، لم تعد البصمة الكربونية قضية بيئية فقط، بل أصبحت لغة الاقتصاد العالمي الجديدة. فقد ربطت الأسواق الدولية، والمؤسسات المالية، والبنوك التنموية، والاتحاد الأوروبي، والهيئات التنظيمية، بين خفض الانبعاثات وإمكانية النفاذ للأسواق والتمويل.

تشريعات مثل آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية CBAM، وتوجيهات الإفصاح عن الاستدامة CSRD، ومعايير IFRS S1 وIFRS S2، جعلت من قياس وإدارة البصمة الكربونية شرطًا أساسيًا لاستمرار الشركات في التصدير وجذب الإستثمارات، وليس مجرد خيار طوعي أو نشاط دعائي.

الدور الريادي العربي: تجربة مصرية بقيادة فكرية عالمية

في هذا السياق العالمي المتسارع، برزت التجربة المصرية والعربية في مجال البصمة الكربونية والاستدامة كأحد النماذج الرائدة، بفضل جهود علمية ومؤسسية قادها السفير الدكتور مصطفى الشربيني، أحد أبرز الخبراء الدوليين في المناخ والاستدامة ورائد البصمة الكربونية مصريا وعربيا.

منذ عام 1999، بدأ السفير د. مصطفى الشربيني رئيس الكرسي العلمي للبصمة الكربونية والاستدامة بالالكسو بجامعة الدول العربية، مسيرته المهنية في هذا المجال من خلال بيت الخبرة الدولي للاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة ESG، واضعًا رؤية مبكرة سبقت الزمن، تقوم على الربط بين البيئة والاقتصاد والحوكمة، قبل أن تصبح هذه المفاهيم محور السياسات الدولية الحالية.

بناء قاعدة عريضة من الخبراء

لم يقتصر دور السفير د. مصطفى الشربيني على العمل الاستشاري أو الأكاديمي فقط، بل امتد ليشمل بناء قاعدة عريضة من الخبراء والمتخصصين في مصر والوطن العربي والعالم، من خلال التدريب، والتأهيل، ونقل المعرفة، والمشاركة في المبادرات الدولية، والعمل مع المؤسسات الأممية.

حيث قام بعمل كبير عندم انشاء ومصمم برنامج الحصول علي رخصة مزاولة مهنة مدقق البصمة الكربونية في المعهد القومي للجودة منذ 2022 بمناسبة استضافة كوب 27 في مصر وظل هذا البرنامج يعمل لتخريج رواد الحياد الكربوني وايضا مبادرتي الأمم المتحدة الذي يترجمها الي الا مدققي وخبراء الاستدامة وتقييم مخاطر المناخ ومبادرة الحياد الكربوني بالأمم المتحدة.

وقد أسهم هذا الجهد المتواصل في تخريج جيل من الخبراء الذين أصبحوا اليوم رواد الحياد الكربوني، وقادة مشاريع الاستدامة، ومستشاري السياسات المناخية، وممثلي الدول والشركات في المحافل الدولية، بما يعكس تحولًا نوعيًا في الدور العربي في ملف المناخ.

معهد الاستدامة والبصمة الكربونية ISCF

وفي إطار هذا المسار المؤسسي، تم تأسيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية ذ.م.م ISCF ، ليكون أول معهد في العالم يحمل هذا الاسم بشكل صريح، ويعكس هوية علمية وتنظيمية واضحة تجمع بين الاستدامة وقياس الكربون والتأكد المستقل.

يمثل المعهد منصة متخصصة تقدم مختلف تقارير البصمة الكربونية المعتمدة، سواء على مستوى الشركات أو المنتجات أو المشروعات أو سلاسل التوريد، وفقًا لأهم المعايير الدولية المعترف بها.

التأكد المستقل: حجر الزاوية للمصداقية

إلى جانب تقارير القياس، يقدم المعهد كافة تقارير التأكد المستقل للاستدامة والبصمة الكربونية، وهي التقارير التنظيمية المعترف بها في أسواق المال والمؤسسات الدولية، وفقًا لمعايير التأكد الدولية مثل ISAE 3000 وISAE 3410 وISSA 5000.

ويمثل هذا الدور عنصرًا حاسمًا في تعزيز الشفافية والمصداقية، وضمان موثوقية البيانات المناخية، وربط الأداء البيئي بالأداء المالي والاستثماري، بما يتماشى مع المتطلبات الحديثة للأسواق العالمية.

من المعرفة إلى التأثير العالمي

إن ما يميز تجربة السفير د. مصطفى الشربيني أنها لم تتوقف عند حدود التنظير أو التقارير، بل امتدت إلى التأثير الفعلي في صياغة السياسات، وبناء المبادرات، والمشاركة في مؤتمرات المناخ العالمية، والمساهمة في تطوير أسواق الكربون، ودعم الدول والشركات في مسارات التحول نحو الحياد الكربوني.

وقد انعكس ذلك في الاعتراف الدولي بالدور العربي في هذا الملف، وتحول مصر من متلقٍ للسياسات إلى شريك فاعل في صياغة الحلول المناخية العالمية.

لم تعد البصمة الكربونية مجرد رقم يُحسب، بل أصبحت مرآة تعكس وعي المجتمعات، ونضج الاقتصادات، وقدرة الدول على التكيف مع عالم جديد.

وفي هذا التحول التاريخي، يبرز الدور الريادي للفكر والمؤسسة والخبرة العربية، ممثلة في تجربة السفير الدكتور مصطفى الشربيني، كنموذج يُحتذى به في الجمع بين العلم، والسياسة، والاقتصاد، والاستدامة.