مدحت الشيخ يكتب: إيران وأمريكا صراع النفوذ على الشرق الأوسط.. إلى أين تمضي المنطقة؟
لسنا أمام خلاف عابر، ولا أمام جولة توتر تقليدية يمكن احتواؤها ببيان دبلوماسي. نحن أمام صراع ممتد بين مشروعين، أحدهما تقوده إيران بوصفها قوة إقليمية تسعى لترسيخ نفوذ طويل الأمد، والآخر تمثله الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة الدولية التي لم تتخلَّ بعد عن موقعها في قلب معادلة الشرق الأوسط.
الصراع بين الطرفين ليس صدامًا مباشرًا بقدر ما هو إدارة معقدة لتوازن الردع. منذ سنوات، تتبدل الأدوات وتبقى الأهداف: طهران تعمل على توسيع دوائر تأثيرها عبر شبكات سياسية وعسكرية ممتدة في أكثر من ساحة عربية، وواشنطن تسعى إلى تطويق هذا التمدد دون الانجرار إلى حرب شاملة تُعيدها إلى مستنقعات أنهكتها سابقًا.
المشهد الراهن يكشف ثلاث حقائق رئيسية:
أولًا: لا أحد يريد الحرب… لكن الجميع يستعد لها.
الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة مفتوحة ستكلفها سياسيًا في الداخل، خاصة في ظل انقسام حاد ورأي عام متعب من المغامرات الخارجية. وإيران تعلم أن الحرب المباشرة قد تعني ضرب بنيتها الاقتصادية والعسكرية، وربما فتح جبهات داخلية حساسة. ومع ذلك، فإن الطرفين يحرصان على إبقاء أدوات الردع في أعلى درجات الجاهزية، وكأن الرسالة تقول: "نحن لا نبحث عن المواجهة… لكننا لن نتراجع".
ثانيًا: الصراع لم يعد ثنائيًا فقط.
الشرق الأوسط لم يعد ساحة مغلقة بين قوتين. هناك أدوار إقليمية صاعدة، وتحولات في التحالفات، ومساعٍ لإعادة رسم خرائط النفوذ. بعض الدول العربية تسعى إلى سياسة توازن دقيقة: لا تريد خسارة الشراكة مع واشنطن، ولا ترغب في الانخراط في صدام مفتوح مع طهران. إنها معادلة "الاستقرار أولًا"، حتى لو تطلب الأمر السير على حبل مشدود.
ثالثًا: الاقتصاد هو ساحة الاشتباك الأكثر حساسية.
كل تصعيد ينعكس فورًا على أسواق الطاقة، والممرات البحرية، وحركة الطيران، وثقة المستثمرين. المنطقة التي تحاول إعادة بناء صورتها كمركز استثماري وسياحي عالمي تجد نفسها فجأة رهينة لصاروخ أو مسيّرة أو بيان عسكري.
لكن جوهر الصراع أعمق من الضربات المتبادلة. إنه صراع على تعريف "من يملك القرار الإقليمي".
إيران ترى أن انسحابًا أمريكيًا تدريجيًا يفتح لها المجال لتثبيت نفوذها بوصفه أمرًا واقعًا. والولايات المتحدة ترى أن أي فراغ سيملؤه خصم استراتيجي، ما يعني خسارة نفوذ استمر لعقود.
المعضلة الكبرى أن اللعبة تُدار غالبًا "تحت سقف الحرب". ضربات محدودة، رسائل عبر وسطاء، تفاوض غير مباشر، ثم تهدئة مؤقتة. لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطرًا دائمًا: خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة لا يريدها أحد.
هناك أيضًا عامل الزمن. النظام الدولي يعاد تشكيله. صراعات في أكثر من قارة، وقوى كبرى تعيد ترتيب أولوياتها. في هذا السياق، يحاول كل طرف تحسين موقعه قبل أن تستقر التوازنات الجديدة.
فإلى أين تتجه الأمور؟
السيناريو المرجح هو استمرار سياسة "التصعيد المنضبط": ضغط مقابل ضغط، دون تجاوز الخطوط الحمراء الكبرى. قد نشهد جولات عنيفة محدودة، لكنها ستظل ضمن إطار الردع المتبادل.
أما السيناريو الأخطر فهو الانزلاق غير المقصود. حادث أمني، استهداف نوعي، أو خطأ تقدير قد يحول الاشتباك المحدود إلى مواجهة أوسع تتسع رقعتها بسرعة.
لكن وسط هذه الحسابات الاستراتيجية، هناك سؤال يغيب كثيرًا عن طاولات القرار:
ماذا عن شعوب المنطقة؟
الناس لا تبحث عن توازنات نفوذ، بل عن استقرار، فرص عمل، وأسواق آمنة. لا تريد أن تكون مجرد رقم في بيان عسكري أو عنوانًا عاجلًا في نشرة أخبار.
الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق. إما أن يتحول إلى ساحة صراع دائم بالوكالة، أو أن تنجح قواه الإقليمية في فرض معادلة استقرار تُبعده عن حافة الانفجار.
ويبقى السؤال الأثقل:
هل يدرك اللاعبان أن النفوذ الحقيقي يُقاس بقدرة المنطقة على الاستقرار لا على الاشتعال؟
أم أن لعبة شد الحبل ستستمر حتى ينقطع الخيط؟
الأيام المقبلة ليست عادية… والمنطقة لم تعد تحتمل رفاهية الخطأ.





