مدحت الشيخ يكتب: السياسة بين العلم والفهلوة
تُعد السياسة واحدة من أكثر العلوم ارتباطًا بحياة الإنسان اليومية، رغم أن كثيرين لا ينظرون إليها باعتبارها علمًا قائمًا بذاته. فكل قرار يتعلق بالاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الأمن أو العلاقات الخارجية هو في النهاية قرار سياسي ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين. ولهذا لم تكن السياسة يومًا مجرد آراء أو انطباعات شخصية، بل علم يعتمد على الدراسة والتحليل وفهم الواقع واستشراف المستقبل.
وعلى مدار التاريخ، أثبتت التجارب أن نجاح الدول لم يكن نتاج المصادفة أو الحظ، بل نتيجة وجود مؤسسات وخبراء وصناع قرار يعتمدون على المعلومات الدقيقة والبيانات والدراسات المتخصصة. فالسياسي الناجح لا يتخذ قراراته بناءً على ما يريده الناس في اللحظة الراهنة فقط، وإنما يوازن بين المصالح والقدرات والتحديات، ويضع في اعتباره تأثير القرار على المدى القريب والبعيد.
لكن في المقابل، تظهر ما يمكن تسميته بـ"الفهلوة السياسية"، وهي حالة من التعامل السطحي مع القضايا المعقدة، حيث يتم اختزال المشكلات الكبرى في حلول سهلة وشعارات جذابة. ويعتقد البعض أن السياسة مجرد قدرة على الحديث أو الجدل أو إطلاق التوقعات، بينما الحقيقة أن إدارة دولة أو التعامل مع ملف سياسي حساس يتطلب معرفة عميقة وخبرة طويلة وقدرة على قراءة المشهد من مختلف الزوايا.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الفجوة بين العلم والفهلوة أكثر وضوحًا. فبضغطة زر يمكن لأي شخص أن يقدم نفسه محللًا سياسيًا أو خبيرًا استراتيجيًا، وأن يطلق الأحكام والتوقعات دون امتلاك أدوات التحليل الحقيقية. ورغم أهمية حرية الرأي وتعدد وجهات النظر، فإن المشكلة تبدأ عندما تتحول الآراء غير المدروسة إلى حقائق في نظر البعض، أو عندما يتم تجاهل المعلومات الموثقة لصالح الشائعات والانطباعات الشخصية.
السياسة ليست لعبة تخمين، وليست ساحة للمزايدات أو استعراض المهارات الكلامية، بل هي عملية معقدة تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، اقتصادية وعسكرية واجتماعية وثقافية. وما يبدو قرارًا بسيطًا للمواطن العادي قد يكون مرتبطًا بعشرات الحسابات والاعتبارات التي لا تظهر على السطح.
ولعل أخطر ما تسببه الفهلوة السياسية هو خلق توقعات غير واقعية لدى الرأي العام، وعندما تصطدم هذه التوقعات بحقائق الواقع تنشأ حالة من الإحباط أو سوء الفهم. أما السياسة القائمة على العلم فتسعى إلى تقديم حلول واقعية قابلة للتنفيذ، حتى وإن لم تكن الأكثر شعبية أو إثارة.
إن الأمم التي تتقدم هي تلك التي تحترم التخصص والمعرفة والخبرة، وتمنح أصحاب الكفاءة الفرصة للمشاركة في صنع القرار. فالعلم يبني المؤسسات ويصنع الاستراتيجيات، بينما لا تنتج الفهلوة سوى ضجيج مؤقت سرعان ما يتلاشى أمام تحديات الواقع.
وفي النهاية، يبقى الفرق واضحًا بين السياسة كعلم يسعى إلى إدارة الدولة وتحقيق مصالحها، وبين الفهلوة التي تكتفي بإطلاق الشعارات وتقديم الحلول السهلة. فالأوطان لا تُدار بالارتجال، وإنما بالعقول التي تدرس وتخطط وتعمل وفق رؤية واضحة للمستقبل.





