مدحت الشيخ يكتب: عندما تقف حائرًا
هناك لحظات لا تنفع فيها الخبرة، ولا تُجدي فيها النصائح، ولا حتى “الكلام الكبير” الذي نحفظه عن ظهر قلب ونردده وقت اللزوم… لحظات تقف فيها حائرًا، كأنك في مفترق طرق بلا لافتات، وكل اتجاه يبدو صحيحًا… أو خاطئًا بالقدر نفسه.
الحيرة شعور مزعج، نعم… لكنها في حقيقتها ليست عيبًا كما يتصور البعض، بل دليل على أن عقلك لا يزال يعمل، وأنك لم تتحول بعد إلى مجرد “زرّ إعادة” يكرر ما يُقال دون تفكير. الحائر يفكر… والمتسرع يندفع… أما الذي لا يحتار أبدًا، فغالبًا لا يرى الصورة كاملة.
زمان… كانوا يقولون “اسأل مجرّب ولا تسأل طبيب”، أما الآن فاسأل ألف واحد، ستخرج بألف رأي… وكلهم واثقون! في زمن “السوشيال ميديا”، أصبح كل شخص خبيرًا، وكل رأي حقيقة مطلقة، وكل نقاش معركة يجب أن تُحسم… لا أن تُفهم.
وهنا تبدأ الحيرة الحقيقية… ليس لأن الخيارات كثيرة فقط، بل لأن الضوضاء أكثر من اللازم. تسمع من هنا تحليلًا، ومن هناك تحذيرًا، ومن ثالث تأكيدًا… فتجد نفسك لا تعرف: هل المشكلة في الواقع… أم في طريقة عرضه؟
الحيرة في حياتنا اليومية أصبحت جزءًا من المشهد. الشاب حائر بين وظيفة تؤمّن له لقمة العيش، وأخرى تحقق له حلمه. الأب حائر بين أن يساير الزمن أو يحافظ على ما تربّى عليه. المواطن حائر بين ما يسمعه من وعود… وما يلمسه في جيبه آخر الشهر.
وفي السياسة… الحيرة لها طعم مختلف. تصريحات تتغير، مواقف تتبدل، وتحليلات لا تنتهي. وكل طرف يملك “الحقيقة الكاملة” من وجهة نظره، بينما الحقيقة نفسها قد تكون في منطقة وسط لا يراها أحد… أو لا يريد أن يراها.
لكن دعنا نكون صرحاء… المشكلة ليست في الحيرة نفسها، بل في طريقة تعاملنا معها. البعض يهرب منها، فيسلّم قراره لأول رأي يسمعه. والبعض الآخر يغرق فيها، فيظل معلقًا لا يتقدم خطوة ولا يتراجع.
وهناك نوع ثالث… أخطر من الاثنين: من يدّعي أنه لا يحتار أصلًا. هذا غالبًا لا يفكر، أو لا يريد أن يفكر. لأنه ببساطة اختار الراحة… راحة “اليقين الوهمي”.
الحيرة الحقيقية تحتاج شجاعة… شجاعة أن تقول “لا أعرف”، وشجاعة أن تبحث، وأن تغيّر رأيك إذا اكتشفت أنك كنت مخطئًا. وهذه، في زمن “الترند”، عملة نادرة.
الأغرب أن البعض ينظر للحيرة وكأنها ضعف، بينما هي في كثير من الأحيان بداية النضج. الطفل لا يحتار… لأنه لا يرى إلا ما أمامه. أما الإنسان الذي يرى الصورة بأبعادها، فهو بالضرورة سيتردد… سيتساءل… وسيحتار.
لكن تظل القاعدة الأهم: لا تجعل الحيرة تقودك… بل اجعلها تقودك للفهم. خذ منها ما يجعلك ترى بوضوح، ثم قرر. لأن التردد المستمر لا يحميك من الخطأ… بل قد يضعك في خطأ أكبر: أن تعيش على الهامش.
الحياة لا تنتظر كثيرًا. الفرص تمر، والقرارات تُفرض أحيانًا، والوقت لا يعود. وفي لحظة ما، ستجد نفسك مطالبًا بالحسم… حتى لو لم تكن الصورة مكتملة.
وعندما تقف حائرًا… لا تبحث عن الطريق الأسهل، ولا عن الصوت الأعلى، ولا عن الرأي الأكثر انتشارًا… ابحث عن ما يطمئن له عقلك قبل قلبك، وما تستطيع أن تتحمل نتيجته دون أن تندم على أنك لم تفكر.
وقتها فقط… ستفهم أن الحيرة لم تكن عدوك… بل كانت الاختبار الحقيقي لقدرتك على أن تكون نفسك، لا مجرد نسخة من الآخرين.





