جريدة الديار
الإثنين 13 يوليو 2026 10:54 صـ 28 محرّم 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

شركة جديدة لإدارة أصول الدولة.. هل تنجح الحكومة في تحويل الأصول إلى قوة اقتصادية وتخفيف عبء الديون؟

حينما تمر الدولة بمرحلة اقتصادية .. يكون السؤال الأهم: كيف يمكن تعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة دون تحميل المواطن أعباء جديدة؟ ويبدو أن الحكومة المصرية تتحرك في هذا الاتجاه عبر خطوة جديدة تتمثل في تأسيس شركة مساهمة لإدارة وتنمية واستثمار الأصول العقارية المملوكة للدولة، بالشراكة مع القطاع الخاص، في إطار خطة تستهدف زيادة العائد من تلك الأصول والمساهمة في خفض الدين العام.

ورغم أن تفاصيل الشركة لم تُعلن رسميًا حتى الآن، فإن المعلومات المتداولة تشير إلى أنها قد تصبح واحدة من أهم أدوات إدارة أصول الدولة خلال السنوات المقبلة، إذا أُحسن التخطيط لها والتنفيذ وفق أعلى درجات الشفافية والكفاءة.

من الفكرة إلى التنفيذ

بحسب المعلومات المتداولة، ستضم الشركة المقترحة عدداً من الجهات الحكومية الكبرى، من بينها وزارة المالية، والهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، مع دراسة انضمام هيئة قناة السويس، بحيث تساهم كل جهة بما تمتلكه من أصول أو استثمارات.

وزارة المالية وهيئة قناة السويس ستقدمان أصولاً عقارية كحصص عينية، بينما ستشارك هيئة التأمين الصحي الشامل بجزء من فوائضها الاستثمارية، وهو ما يعكس توجهاً نحو توظيف الأصول غير المستغلة بصورة أكثر كفاءة، بدلاً من بقائها دون تحقيق عائد اقتصادي مناسب.

إدارة الأصول بدلاً من بيعها

من المهم التأكيد أن الفكرة المطروحة لا تعني بيع ممتلكات الدولة، وإنما تقوم على إدارة هذه الأصول واستثمارها بالشراكة مع القطاع الخاص لتحقيق أفضل عائد ممكن.

فالدول الحديثة لا تقيس ثرواتها بما تمتلكه من أراضٍ أو عقارات فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الأصول إلى مشروعات منتجة تحقق دخلاً مستداماً، وتوفر فرص عمل، وتجذب استثمارات جديدة.

ولو نجحت الشركة في استغلال الأصول غير المستغلة أو منخفضة العائد، فإن ذلك سيخلق مورداً مالياً جديداً للدولة دون اللجوء إلى فرض ضرائب إضافية أو زيادة الاقتراض.

خطوة جديدة في إدارة الدين العام

الجانب الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في دراسة الحكومة استخدام الشركة كوسيلة لإعادة هيكلة جزء من الدين الحكومي.

فبدلاً من أن تظل بعض المؤسسات أو المستثمرين يحملون أذون خزانة فقط، تدرس الحكومة منحهم إمكانية استبدال جزء من تلك الأدوات بحصص ملكية داخل الشركة الجديدة.

بمعنى آخر، يتحول بعض الدائنين إلى شركاء ومستثمرين في كيان اقتصادي يمتلك أصولاً حقيقية، وهو اتجاه تستخدمه العديد من الدول لتحسين هيكل الدين وتقليل الضغوط على الموازنة العامة.

هذه الفكرة، إذا طُبقت بصورة مدروسة، قد تساعد على تقليل أعباء خدمة الدين، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً خلال السنوات الأخيرة.

ماذا يستفيد المواطن؟

قد يتساءل المواطن: ما علاقة كل ذلك بحياتي اليومية؟

الإجابة أن نجاح هذه الشركة قد ينعكس بصورة غير مباشرة على الاقتصاد والمواطن معاً.

فكل جنيه إضافي تحققه الدولة من استثمار أصولها يعني قدرة أكبر على تمويل الخدمات العامة، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض، وخفض جزء من أعباء الفوائد التي تستهلك جانباً كبيراً من الموازنة.

كما أن الشراكات الاستثمارية الجديدة قد تؤدي إلى إنشاء مشروعات عقارية وسياحية وتجارية وصناعية توفر فرص عمل وتزيد من النشاط الاقتصادي.

وعندما يتحسن وضع المالية العامة، تصبح الدولة أكثر قدرة على زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

دعم منظومة التأمين الصحي الشامل

ومن النقاط الإيجابية أيضاً أن الشركة الجديدة قد تمثل مصدراً إضافياً لدعم الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل.

فالهيئة تحتاج إلى موارد مالية مستدامة مع التوسع التدريجي في تطبيق المنظومة على مستوى الجمهورية، وبالتالي فإن تحقيق عوائد استثمارية مستقرة من خلال الشركة قد يساهم في تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.

التحدي الحقيقي

لكن نجاح الفكرة لن يتوقف على إنشاء الشركة فقط، بل على طريقة إدارتها.

فأي كيان اقتصادي بهذا الحجم يحتاج إلى:

إدارة محترفة تعتمد على الكفاءة لا المجاملة.
حوكمة ورقابة مالية دقيقة.
شفافية في الإعلان عن الأصول والعوائد.
شراكات تحقق أفضل قيمة مضافة للدولة.
تقييم عادل للأصول قبل دخولها في الشركة.

فالهدف ليس إنشاء شركة جديدة على الورق، وإنما خلق ذراع استثماري قادر على تحقيق قيمة اقتصادية حقيقية.

رؤية اقتصادية

الاقتصادات الكبرى لم تحقق نجاحها لأنها تمتلك موارد أكثر، بل لأنها أدارت مواردها بكفاءة أعلى.

ومصر تمتلك ثروة عقارية ضخمة موزعة بين جهات الدولة المختلفة، لكن جزءاً كبيراً منها لا يحقق العائد الذي يتناسب مع قيمته.

ومن هنا تبدو فكرة تجميع هذه الأصول داخل كيان متخصص خطوة تستحق الدراسة والدعم، شريطة أن تكون الإدارة قائمة على قواعد الاستثمار الحديث، وأن تبقى المصلحة العامة هي البوصلة الأساسية.

تأسيس شركة لإدارة وتنمية واستثمار أصول الدولة

تأسيس شركة لإدارة وتنمية واستثمار أصول الدولة يمثل محاولة جديدة للتحول من إدارة الأصول بصورة تقليدية إلى إدارة استثمارية احترافية، بما يسهم في زيادة الإيرادات، وخفض الدين العام، ودعم منظومة التأمين الصحي الشامل، وجذب المزيد من الاستثمارات.

ويبقى النجاح مرهوناً بالتنفيذ الفعلي، والشفافية، وحسن الإدارة، لأن المواطن في النهاية لا يبحث عن كثرة المبادرات، بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة يشعر بها في قوة الاقتصاد، واستقرار الأسعار، وتحسن مستوى الخدمات، وخلق فرص عمل جديدة.

فالاقتصاد القوي لا يُبنى بالاقتراض وحده، وإنما بحسن استثمار ما نملكه من أصول وإمكانات، وهو ما تسعى الدولة إلى تحقيقه في هذه المرحلة، أملاً في مستقبل أكثر استقراراً ونمواً للاقتصاد المصري.

موضوعات متعلقة