جريدة الديار
الجمعة 31 يوليو 2026 11:40 صـ 16 صفر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

وفاء أبو السعود تكتب: سلاح الجريمة وتطرف المشاعر

تحدثنا كثيرًا في فترتنا السابقة عن التطرف الفكري والسياسي والعرقي والديني، وهو أن ينغلق الشخص على أفكاره، ولا يقبل المناقشة بها أو المراجعة وإعادة النظر فيها، ويعتبرها من الثوابت المطلقة، وهو في هذه الحالة لا يلغي وظيفة عقله فقط في تمحيص هذه الفكرة، بل إنه يلغي أي رأي آخر مخالف، ولا يسمح لهذا الرأي أن يدخل مجال وعيه، ولا يفهمه أو يناقشه أو يتقبله.

وقد كانت الجماعات الإرهابية والفكرية أكبر مثال على ذلك، فهم لا يعلمون للدين وسطية، ويختلط لديهم الحابل بالنابل، ورؤاهم صحيحة غير قابلة للشك، ولا يعتدون بغيرها، ولا تبيان لواقع الأمور إلا من خلالهم فقط، ولا علم للحقيقة المجردة إلا من ذواتهم، وما عداهم من الرؤى والأفكار خطأ كامل، متناسين بأن الله قد أراد الاختلاف وفتح باب التفكير والتأويل ليدلي كل منهم بدلوه في المسألة الواحدة، فتزداد الرؤى ويزداد ثراؤها.

وكما أن هناك تطرفًا وإرهابًا في الرؤى، فهناك تطرف وإرهاب في المشاعر، وهو الغلو والشطط والإسراف في المشاعر، والبعد عن الوسطية والاعتدال، وعدم القدرة على تحجيم تلك المشاعر، حيث إن هذا الشخص لا يرى من الدنيا سوى ذاته، ولا يتفهم إلا همومه، ولا يشعر إلا بأحاسيسه، وكأن الدنيا خُلقت له وحده، وما عداه هم كائنات أخرى لا ترقى لمرتبة الإنسان، ولا تمت لهم بصلة، وما خُلق هؤلاء إلا لتقديم الدعم النفسي لهذا الذي لا يرى من الدنيا سوى نفسه.

ولا ينتهي الحال عند هذا الحد لهذا الشخص البارانوي المتعالي والمتسلط، فهو لا يستطيع تقبل فكرة (الرفض)، وإنما يرى أن أمر تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه هو ضرورة على الجميع اتباعها، ولو على حساب جثث الآخرين، بل يحاول إرغام الآخرين على التقيد بما يفعله هو قهرًا أو قسرًا، وربما يلجأ إلى العدوان على الآخرين لإرغامهم على تنفيذ ما يريد.

هذا الشخص غالبًا ما يحمل بجسده قلبًا مريضًا يحمل بذور العداء والكراهية، معادٍ لنفسه، ومعادٍ لمن حوله ولمجتمعه، وهو أيضًا لا يقبل المراجعة، وقد يكون من الصعب معه إقناعه بخطأ فكره، والاستتابة لديه أمر مستحيل، وفكرة أن يعود إلى رشده ليست واردة، حيث تمتلئ نفسه بشحنات وجدانية سلبية هائلة متراكمة تهدد بالانفجار في أية لحظة.

المشاعر شيء حسي خُلق مع خلق الإنسان، ومثلما أن هناك تقويمًا فكريًا بإعادة المراجعة والقراءة والتعلم والبحث والتحري وإعمال العقل، فلا بد أن يكون هناك تقويم حسي من الإنسان لمشاعره وأحاسيسه التي تنعكس بلا أدنى شك على نظرته للحياة، وعلى تصرفاته وسلوكه، وتنعكس كذلك على من حوله.

لا بد أن يستيقظ الجميع ويدرك مشاعره، ويتعايش معها، ويراقبها، ويحتويها، ويقومها، ويعمل على تأديبها وتعليمها، ويسمو بها، ويذهب بها إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها.

من منا ليس لديه تاريخ طويل في الألم النفسي، ومن منا من لم يفقد عزيزًا، أو يفقد حبيبًا، ومن منا لم يُظلم، ومن منا من لم تقف الدنيا أمام رغباته وأمانيه، ومن منا سعى بكل ما أوتي من قوة ليصل للهدف المنشود، ولم يكن التوفيق حليفه.

تلك المواقف قد تعرض الإنسان إلى صدمة حقيقية لا يستهان بها، كما تصف الباحثة بريني براون، فإننا «ننكسر، وننهار، ونفقد الحس، ونصاب بالشلل الفكري، ونتألم، وتؤذي الآخرين». تقول براون إن غياب الحب والانتماء «سيؤدي دائمًا إلى المعاناة».

وللإرهاب الحسي، كما تقول الأبحاث، أسباب منها الفسيولوجي الداخلي، حيث إن السبب الهرموني للتطرف العاطفي، إذ يحدث في الجسم أن يُعاني الشخص من الإرهاق العاطفي والمشاعر السلبية. يفرز هرمون الكورتيزول في الجسم، وهو الهرمون المسؤول عن التوتر. تقل نسبة إفراز السيروتونين، وهو هرمون السعادة ومحاربة الاكتئاب في الجسم. يكوّن هذا المزيج الشعور الشديد باليأس، والانفعال الشديد، يرافقه تسارع في ضربات القلب، وزيادة التعرق والهلع، وألم في الصدر.

إن الأعباء الثقيلة نتيجة للصراعات المتتالية والمتراكمة، مع عدم قدرة نفس الشخص على الصبر والانتظار، وعدم القدرة على التحمل، قد تكون هي السبب الرئيسي للتطرف العاطفي، والتي تقوده في نهاية المطاف إلى الانهيار العاطفي.

عثرات الحياة كثيرة وممتدة ودائمة، ولا تنتهي بموقف ولا بقدر ما، فكلما انتهى موقف كان الآخر يتبعه وينتظر ليكون بطل الأيام القادمة، وقد تكون ضغوط الحياة أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، لذا وجب تطويع وتنقية تلك المشاعر قبل الوصول بها إلى حد الانفجار.

علينا دائمًا أن نصاحب ذواتنا، ونتفهم مشاعرنا، ونسعى دائمًا للتحقق منها، ولمعرفة مسبباتها، وتوقع نتائجها، ونسعى دائمًا للتخلص من تلك المشاعر السلبية، والتي لا بد أن تُقنع نفسك بأنها مشاعر وقتية وغير دائمة، وأنها إلى زوال، ومع مرور بعض الوقت قد تتلاشى.

كن معها في حوار داخلي دائم، لما لذلك من قدرة ذاتية داخل الإنسان لامتصاص تلك المشاعر السلبية وما ينتج عنها من الآلام، ولاستيعاب نفسك وتفهمها. كذلك تجنب مسببات الانزعاج والمشاعر السلبية لديك، والتماس بعض الأعذار، والتغاضي والتغافل عن بعض العيوب لديك ولدى الآخرين، وعدم تأويل بعض التصرفات التي قد يساء فهمها، أنك أنت المقصود بها، وكون علاقات وروابط متعددة ومتوازنة.

إن خيبة المشاعر بعد أن تترك لها الحبل على الغارب قد تؤدي بك في نهاية المطاف إلى حالة من الفزع والوهن والانفجار، وهو ما يؤدي إلى اليأس الانتحاري، أو القتل الانتقامي.

ورغم أن الحرب أصبحت الآن مشتعلة، والسبب الرئيسي هو الحب، حيث أصبح سلاحًا يؤدي بالبعض إلى فقدان حياتهم، فإنه هو كذلك السبب الرئيسي في استمرار الحياة إن ما تم وضعه في الإطار الصحيح.

إن الحب، وهو سلاح الجريمة، وهو نفس سلاح الوقوف أمامها وضدها ومنعها، إن ما تم تلبية الحاجة الإنسانية الأساسية لمشاعره ولروحه، وما يلزمها من حاجته للحب والعاطفة والتواصل على شكل صحيح وفي إطار إنساني سليم، قد يطفئ نيران ذلك الغضب والكره والحقد.

بالطبع لا نحرم تلك المشاعر السلبية التي تهيمن على ذلك الإنسان أحيانًا من الغيرة أو الحقد أو الغباء أو الغل، فلسنا ملائكة تمشي على الأرض، وإنما علينا التفاهم معها وفك شفرتها واحتوائها وإخراجها وتحويلها.

فقد انهار أمامنا نموذج السلوك المثالي، وتساقط أمامنا يومًا بعد يوم، وقد قمنا بتقطيعه إربًا، وأصبحت هناك نماذج مشوهة متسيدة المشهد، لا بد من تواجد صيغة حقيقية وأصيلة ومقبولة تؤكد على هويتنا، وتسمح لنا بالتواجد والبقاء والنمو، وتحقق المصالح والأهداف لغالبية المجتمع ضمن ثقافة وإطار الاختلاف الإنساني.

لا بد وأن نعيد حساباتنا ونظرتنا لجذورنا القديمة، ومنظومة العقيدة والقيم والأخلاق والمعاملات الحالية، والتي باتت في أسوأ صورها، ورسمت للمجتمع صورة مبتورة ومشوهة أسست لصراعات داخلية وخارجية، لقد خرجنا وبجدارة على كل الأعراف الاجتماعية بمنظومة جديدة فاسدة، العبث والشتات أهم صورها ودعائمها، أن يكون المجتمع الانهزامي هو القاعدة، وأي نماذج مثالية هم الشواذ.

حان الوقت لأن ننظر لواقعنا المشؤوم بشيء من التأمل والتدقيق، ومواجهة أنفسنا بالحقائق التي لا تحتمل أي شك، وأن ننظر على أنفسنا في مرآة عيون الآخرين، على المجتمع بكامله أن يستذكر ويفكر ويعيد منظومة بقائه، ويعيد ترتيب أولوياته، ويؤسس لإصلاح ذاتي داخلي وإصلاح قيمي ومجتمعي، وكذلك تصحيح المسار السلوكي، فإن كنا نرغب في إصلاح الأجيال القادمة فعلينا أولًا إصلاح ذواتنا وتقويمها وتنقيتها بما يسمح لنا أن نكون قدوة بلا خجل أو مواربة.

إن أساليب التربية من الصغر، وعلاقة الطفل بأسرته ولأصدقائه أولًا، ثم علاقته بالآخرين، والفقر، وانخفاض المستوى الاجتماعي، والتغيرات الاجتماعية أو الثقافية أو التكنولوجية السريعة، والبعد عن الجانب الروحي والديني والأخلاقي، باستفزاز تلك المشاعر الدينية وتسفيه القيم أو الأخلاق أو المعتقدات أو الشعائر بالقول أو بالفعل، هي ما ترسم طريق هذا الشخص وخطواته وأفكاره، وهي ما ترسم مستقبله.

واتساع الهوة بين القيم الأساسية والقيم الحالية ستكون هي البئر الذي يسقط فيها الكثير إلا من رحم ربي.