ترامب يفتح جبهة جديدة مع شركات النفط.. هرمز يشعل الأسعار والذهب يترقب قرار الفائدة
لم تعد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في ساحات المواجهة العسكرية، وإنما انتقلت بقوة إلى أسواق الطاقة والمال، بعدما عاد التوتر حول مضيق هرمز ليدفع أسعار النفط إلى الصعود، في الوقت الذي فتح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة جديدة ضد شركات النفط الأميركية، متهماً إياها بتحقيق أرباح كبيرة من تداعيات الحرب، بينما يدفع المستهلك الأميركي تكلفة ارتفاع البنزين والديزل.
ويأتي هذا التطور في توقيت شديد الحساسية، بعدما تجاوز خام برنت مستوى 83 دولاراً للبرميل، واقترب خام غرب تكساس الوسيط من 78 دولاراً، بالتزامن مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
من الترحيب بأرباح النفط إلى مهاجمة الشركات
المفارقة أن موقف ترمب من ارتفاع أسعار النفط شهد تحولاً واضحاً منذ بداية الحرب.
ففي البداية، رحّب الرئيس الأميركي بالمكاسب التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة وشركاتها من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنه مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود داخل السوق الأميركية بدأ ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، بعدما أصبح المستهلك الأميركي هو الطرف الذي يتحمل جزءاً كبيراً من فاتورة الأزمة.
ولم تكن هذه المواجهة الأولى؛ ففي 24 يونيو الماضي، أعلن ترمب توجيه وزارة العدل للتحقيق مع شركات النفط الكبرى، بسبب عدم انخفاض أسعار الوقود بالسرعة نفسها التي تراجعت بها أسعار الخام.
لكن التصعيد الأخير أكثر دلالة، لأنه لم يعد يتعلق فقط بالفارق بين سعر الخام وسعر الوقود في محطات البنزين، وإنما وصل إلى الأرباح التي تحققها الشركات نتيجة اضطراب أسواق الطاقة.
وهنا تظهر المعادلة السياسية الصعبة أمام الإدارة الأميركية: ارتفاع النفط قد يكون مفيداً لشركات الطاقة، لكنه في الوقت نفسه يمثل عبئاً على المواطن والاقتصاد، لأنه يرفع تكلفة النقل والإنتاج ويزيد الضغوط التضخمية.
مضيق هرمز.. نقطة الاختناق الأخطر
يبقى مضيق هرمز هو العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل أسعار النفط.
فهذا الممر المائي يمثل شرياناً رئيسياً لتدفقات الطاقة من منطقة الخليج، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن عبره يضيف علاوة مخاطر إلى أسعار النفط، حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات.
وكانت الأسواق قد استقبلت بإيجابية الحديث عن إمكانية التوصل إلى ترتيبات تسمح بإعادة فتح المضيق أمام حركة الشحن، إلا أن الهجمات والتصريحات المتبادلة أعادت المخاوف من جديد، لتتراجع الآمال بشأن عودة الملاحة بصورة طبيعية وسريعة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الخلاف لا يتعلق فقط بفتح المضيق، وإنما أيضاً بشروط المرور والجهات المسموح لها بالعبور، وهو ما يجعل عودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب مسألة سياسية وأمنية، وليست مجرد قرار فني.
النفط فوق 83 دولاراً.. والسوق تترقب
انعكست هذه التطورات سريعاً على أسعار النفط، إذ ارتفع خام برنت تسليم أكتوبر بنحو 1.2% إلى 83.48 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط تسليم سبتمبر بنحو 1.1% إلى 78.12 دولاراً.
لكن قراءة الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر.
فالسوق لا تتحرك في اتجاه واحد، وإنما تتأرجح بين عاملين متناقضين: الخوف من نقص الإمدادات إذا استمر اضطراب هرمز، والأمل في عودة الملاحة والتوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة.
ولهذا أصبحت كل إشارة سياسية أو عسكرية قادرة على تحريك أسعار النفط بصورة حادة، وهو ما يعني أن الأسواق ستظل شديدة الحساسية خلال الفترة المقبلة.
لماذا لا تكفي زيادة النفط وحدها للحكم على أرباح الشركات؟
اتهام شركات النفط بتحقيق أرباح ضخمة يحتاج أيضاً إلى قراءة أكثر تفصيلاً لطبيعة صناعة الطاقة.
فارتفاع سعر الخام لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات تحقق المكاسب نفسها، لأن النتائج تختلف بحسب حجم الإنتاج، والمخزونات، وهوامش التكرير، وتكاليف النقل والتأمين، وقدرة كل شركة على التحوط ضد تقلبات الأسعار.
لكن من ناحية أخرى، فإن اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يمنح بعض الشركات، خاصة العاملة في الإنتاج والتكرير، فرصاً لزيادة الإيرادات وهوامش الأرباح.
ومن هنا يمكن فهم غضب ترمب: فالمشكلة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية ليست في أرباح الشركات وحدها، وإنما في أن هذه الأرباح تأتي بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الحياة بالنسبة إلى المواطن.
الذهب بين ملاذ الحرب وضغط الفائدة
لم يكن الذهب بعيداً عن تداعيات الأزمة.
فالمعدن النفيس تحرك قرب 4240 دولاراً للأونصة، بعدما تجاوز لفترة قصيرة مستوى 4300 دولار، مستفيداً من المخاوف الجيوسياسية وعودة الطلب على الأصول التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها ملاذاً آمناً.
لكن الذهب يواجه في الوقت نفسه ضغطاً معاكساً من سوق الفائدة الأميركية.
فارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة يمكن أن يغذي التضخم، وإذا ارتفعت معدلات التضخم فقد يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه مضطراً إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً: الحرب تدعم الذهب، لكن ارتفاع التضخم واحتمالات تشديد السياسة النقدية قد يضغطان عليه.
ولهذا لم يتحول كل تصعيد في الشرق الأوسط إلى موجة صعود مستمرة للذهب، لأن المستثمرين أصبحوا يضعون في حساباتهم أيضاً مسار السياسة النقدية الأميركية.
النفط والذهب والدولار.. ثلاثية تتحكم في المشهد
المشهد الحالي لا يمكن قراءته من خلال النفط والذهب منفصلين عن الدولار.
فعندما ترتفع أسعار النفط بسبب المخاطر الجيوسياسية، ترتفع معها مخاوف التضخم، وهو ما قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها لأسعار الفائدة الأميركية.
وارتفاع الفائدة الأميركية يدعم الدولار عادة، بينما يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وهو ما قد يحد من مكاسب المعدن النفيس.
وبذلك أصبحت الأسواق أمام دائرة مترابطة:
الحرب ترفع النفط النفط يضغط على التضخم
التضخم يؤثر في الفائدة
الفائدة تحرك الدولار
الدولار يؤثر في الذهب والأسواق.
وهذه السلسلة هي التي تجعل أزمة الطاقة الحالية ذات تأثير يتجاوز بكثير حدود سوق النفط.

















