جريدة الديار
الجمعة 16 أكتوبر 2026 02:01 مـ 5 جمادى أول 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
قوات الاحتلال تتوغل بـ 5 آليات باتجاه قرية أبو مذراة بسوريا في ذكرى وفاته.. محطات إنسانية وفنية في حياة عمر الحريري موعد مباراة الزمالك والجيش الرواندي والقنوات الناقلة بث مباشر محافظ أسيوط: تحرير 27 محضرًا تموينيًا خلال حملة مكبرة بصدفا لضبط الأسواق والتأكد من الالتزام بالأسعار والاشتراطات القانونية الثلاجة بـ30 ألف جنيه.. تفاصيل أزمة ركود الأجهزة الكهربائية نشرة الحصاد الأسبوعي لرصد أنشطة وزارة التنمية المحلية والبيئة (9 : 15 أكتوبر 2026) الكركم والثوم الأبرز.. 7 مكونات للتخلص من جرثومة المعدة طبيعيا وزارة التنمية المحلية والبيئة تنظم دورة تدريبية بالإسكندرية لإحكام الرقابة على المواد الخاضعة لبروتوكول مونتريال وزيرة التنمية المحلية والبيئة تبحث مع وزير الإدارة الإقليمية الأرميني التعاون في الإدارة المحلية والمخلفات والطاقة المتجددة العمل: 2541 فرصة في 16 محافظة.. اعرف شروط التوظيف فرص عمل لأبناء قنا بمشروع محطة الضبعة برواتب تصل إلى 40 ألف جنيه الدفاع الروسية: مقتل 9055 عسكريا أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي

من مصفاة دانغوتي إلى بورصة القمح.. هل تصبح مصر بوابة الاستثمار الأفريقي؟

ليست كل الأخبار الاقتصادية مجرد أرقام تتصدر العناوين، وليست كل حركة لرؤوس الأموال بعيدة عن حياة المواطن اليومية.

ففي بعض الأحيان، تحمل التطورات التي تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالبورصات والشركات الكبرى أسئلة تمس رغيف الخبز، وفرص العمل، ومستقبل الاقتصاد الوطني.

وخلال الأيام الأخيرة، برزت ثلاثة تطورات تستحق القراءة معًا: تحركات مجموعة رجل الأعمال النيجيري أليكو دانغوتي لتوسيع قاعدة المستثمرين في مصفاته عبر أسواق أفريقية، وسعي مجموعة مالية مصرية إلى تعزيز حضورها في السوق السعودي، إلى جانب استئناف تداول القمح المستورد في البورصة السلعية المصرية.

قد تبدو هذه الملفات منفصلة، لكن بينها خيطًا اقتصاديًا واحدًا: كيف تتحول الأسواق المالية إلى أدوات لتمويل الإنتاج، وتعزيز التجارة، ودعم قدرة الاقتصاد على النمو؟

أولًا.. دانغوتي يطرق أبواب المستثمر المصري

عندما يتجه أحد أكبر المستثمرين في أفريقيا إلى السوق المصرية لتوسيع قاعدة المشاركين في طرح مصفاته النفطية، فإن الأمر يستحق الاهتمام، ليس لمجرد حجم المشروع، وإنما لما يعكسه من محاولة لربط أسواق المال الأفريقية بعضها ببعض.

وفقًا للتفاصيل المنشورة، تعمل مجموعة دانغوتي على توسيع قاعدة المستثمرين في الطرح العام الأولي لمصفاتها في نيجيريا، مستهدفة جمع نحو 1.6 مليار دولار، مع احتمال زيادة الحصيلة إلى قرابة 2.1 مليار دولار. كما تسعى إلى إتاحة فرص المشاركة عبر ترتيبات استثمارية في عدد من الأسواق الأفريقية، من بينها مصر وكينيا وبوتسوانا وإثيوبيا.

وهنا تظهر أهمية البورصة المصرية باعتبارها إحدى القنوات التي يمكن أن تتيح للمستثمرين الوصول إلى فرص استثمارية إقليمية، إذا استوفت هذه الفرص المتطلبات التنظيمية اللازمة.

لكن علينا أن نميز بين أمرين: استهداف المستثمر المصري لا يعني أن الاستثمار قد تحقق بالفعل، وفتح باب المشاركة لا يعني أن العائد مضمون. فكل طرح يحتاج إلى دراسة دقيقة للمخاطر والتقييم المالي وشروط الاكتتاب والجهات الرقابية المختصة.

والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل تستطيع مصر توظيف مكانتها المالية والجغرافية لتصبح مركزًا يربط المدخرات المحلية بالمشروعات الإنتاجية في أفريقيا؟

إن نجاح هذا التوجه لن يقاس بعدد المؤتمرات والاجتماعات وحدها، بل بمدى قدرة الأسواق المالية على جذب استثمارات حقيقية، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وخلق علاقات اقتصادية مستدامة بين الدول الأفريقية.

ثانيًا.. الشركات المصرية تبحث عن فرص خارج الحدود

في اتجاه موازٍ، تسعى مجموعة «كاتاليست بارتنرز ميدل إيست» إلى زيادة حضورها في السعودية، مستهدفة رفع مساهمة السوق السعودية إلى ما بين 50% و60% من إجمالي أعمالها، وفق تصريحات مؤسسها ورئيسها التنفيذي.

وتتضمن خطط المجموعة التوسع في خدمات الترويج وتغطية الاكتتابات، وزيادة أنشطة الاندماج والاستحواذ، إلى جانب العمل في مجالات التأجير التمويلي والتخصيم والاستثمار المباشر، مع السعي للحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة أنشطتها في السوق السعودي.

هذه التحركات تعكس مسارًا مهمًا للشركات المصرية التي تسعى إلى توسيع أعمالها خارج السوق المحلية، والاستفادة من الفرص التي تتيحها المشروعات الاستثمارية وبرامج التنمية في المنطقة.

لكن القضية لا تتعلق بتوسع شركة مصرية في الخارج فحسب؛ بل بقدرة الشركات المصرية على بناء خبرات تنافسية، وتكوين شراكات إقليمية، وتوسيع مصادر إيراداتها.

وكلما نجحت الشركات في بناء أعمال مستدامة خارج الحدود، زادت أهمية دراسة ما يمكن أن يعود على الاقتصاد المصري من خبرات وتمويل وفرص تعاون، مع ضرورة التمييز بين نمو أعمال الشركة نفسها وبين العائد الفعلي الذي يصل إلى الاقتصاد الوطني.

فالتوسع الخارجي ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لبناء كيانات اقتصادية قادرة على المنافسة والاستمرار.

ثالثًا.. من حركة رؤوس الأموال إلى أمن الغذاء

إذا كانت أخبار الاستثمار النفطي والمالي تخاطب المستثمرين، فإن عودة تداول القمح المستورد في البورصة السلعية المصرية تخاطب قضية تمس كل بيت: الغذاء.

بحسب البيانات الواردة في التقرير، شهدت أولى جلسات استئناف التداول تنفيذ صفقات على 6715 طنًا من القمح، بقيمة إجمالية بلغت 111.8 مليون جنيه، بمشاركة 21 شركة. وبلغ متوسط سعر الطن، وفق قيمة الصفقات والكميات المنفذة، نحو 16.65 ألف جنيه.

كما تستهدف السوق عقد جلسة أو جلستين أسبوعيًا لتداول القمح وفقًا لحركة العرض والطلب، مع خطة لإدراج السكر ضمن السلع المتداولة قبل نهاية العام الجاري، بحسب التصريحات المنشورة.

وتكمن أهمية البورصة السلعية في أنها تستطيع، إذا عملت بكفاءة وشفافية، توفير آلية منظمة لتداول السلع، وإتاحة معلومات أفضل عن الأسعار والكميات، وتقليل بعض أوجه الغموض في عمليات البيع والشراء.

لكن من الضروري ألا نحمّل هذه الخطوة أكثر مما تحتمل؛ فتداول القمح في البورصة لا يعني تلقائيًا انخفاض سعر الخبز، كما أن نجاح منصة التداول وحده لا يكفي لضمان استقرار أسعار الغذاء.

فالسعر النهائي يتأثر بعوامل عديدة، من بينها الأسعار العالمية، وسعر الصرف، وتكاليف النقل والتخزين، وحجم المحصول المحلي، وكميات الاستيراد، وكفاءة منظومة التوزيع.

ومن هنا، فإن استئناف التداول يمثل خطوة يمكن البناء عليها، لكن نجاحها الحقيقي يتطلب انتظام الجلسات، وشفافية البيانات، واتساع المشاركة، وقياس أثرها الفعلي في تكلفة الإمدادات الغذائية.

رابعًا.. أين المواطن البسيط من كل هذه التحركات؟

هنا نصل إلى جوهر القضية.

قد نسمع عن مصفاة تقترب قيمتها من عشرات المليارات من الدولارات، وعن اكتتابات واستحواذات وتوسعات إقليمية، وعن بورصة تستأنف تداول القمح. لكن المواطن الذي يذهب إلى عمله كل صباح لا يقيس قوة الاقتصاد بعدد الأخبار المنشورة، وإنما بما يلمسه في حياته.

هل توجد فرص عمل جديدة؟ هل تتحسن الدخول الحقيقية؟ هل تنخفض الضغوط على ميزانية الأسرة؟ هل يستطيع الشاب بدء مشروع صغير؟ وهل تصبح السلع الأساسية متاحة بأسعار أكثر استقرارًا؟

هذه الأسئلة ليست انتقاصًا من أهمية الاستثمار، بل هي المعيار الذي يمنحه معناه الاجتماعي.

فالاستثمار الذي يوسع الإنتاج ويزيد المنافسة ويخلق وظائف مستدامة يمكن أن ينعكس إيجابًا على المجتمع. أما النشاط المالي الذي لا يرتبط بما يكفي بالإنتاج والتشغيل، فقد تظل ثماره محدودة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين.

ولذلك، فإن المطلوب ليس الاختيار بين جذب الاستثمارات وحماية المواطن، بل بناء سياسات تجعل المسارين متكاملين.

نحتاج إلى بيئة جاذبة لرأس المال، وإجراءات واضحة، وأسواق أكثر شفافية، وفي الوقت نفسه نحتاج إلى ربط الاستثمارات بأهداف قابلة للقياس: فرص العمل، وزيادة الإنتاج المحلي، ونقل الخبرات، وتطوير الصناعات، وتحسين القدرة على توفير السلع الأساسية.

خامسًا.. مصر وأفريقيا.. فرصة تحتاج إلى عمل مؤسسي

تمتلك مصر مقومات تؤهلها للمشاركة بفاعلية في تعزيز الروابط الاقتصادية الأفريقية، من خلال موقعها الجغرافي، وخبراتها المالية والمصرفية، واتصالاتها التجارية، وما يمكن أن توفره أسواقها من فرص للشركات والمستثمرين.

لكن تحويل هذه المقومات إلى نتائج ملموسة يتطلب أكثر من الطموح.

يتطلب تطوير أدوات الاستثمار، وتسهيل الإجراءات ضمن قواعد واضحة، وتعزيز حماية المستثمر، ورفع كفاءة المعلومات المتاحة عن الشركات والطرحـات، وتوسيع الثقافة المالية حتى يتمكن المواطن من فهم الفرص والمخاطر قبل اتخاذ قرار الاستثمار.

كما يتطلب أن تكون هناك صلة أوضح بين أسواق المال والاقتصاد الحقيقي، بحيث لا يقتصر النجاح على زيادة قيمة التداولات أو جمع الأموال، وإنما يمتد إلى تمويل المصانع، وتطوير سلاسل الإمداد، ودعم المشروعات القادرة على الإنتاج والتصدير.

وفي ملف السلع الاستراتيجية، ينبغي أن تتكامل البورصة السلعية مع سياسات التخزين والنقل والتوريد والرقابة، حتى تصبح جزءًا من منظومة أكثر كفاءة لإدارة الأسواق، لا مجرد منصة لإتمام الصفقات.

الخلاصة.. الاقتصاد القوي هو الذي يشعر به الناس

إن التحركات الاستثمارية التي نشهدها تفتح بابًا للنقاش حول مستقبل التكامل الاقتصادي بين مصر وأفريقيا والمنطقة العربية. فاستهداف السوق المصرية من جانب مجموعة دانغوتي، وتوسع مجموعة مالية مصرية في السعودية، واستئناف تداول القمح في البورصة السلعية، ثلاثة ملفات مختلفة، لكنها تطرح سؤالًا واحدًا عن قدرة المؤسسات والأسواق على تحويل الفرص إلى نتائج مستدامة.

ولا ينبغي أن نتعامل مع هذه التطورات باعتبارها نجاحًا مكتملًا قبل ظهور نتائجها، كما لا يصح تجاهل ما قد تتيحه من فرص إذا أُحسن التخطيط والتنفيذ.

إن الاقتصاد لا يُقاس بحجم رؤوس الأموال وحده، ولا بعدد الشركات المتوسعة، ولا بقيمة الصفقات المعلنة فقط؛ بل بقدرته على زيادة الإنتاج، وتوفير العمل، وتحسين كفاءة الأسواق، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

نريد استثمارًا يضيف إلى قوة مصر الاقتصادية، وشراكات تفتح أبوابًا جديدة أمام شركاتنا، وأسواقًا أكثر تنظيمًا وشفافية، وسياسات تجعل المواطن شريكًا في ثمار التنمية لا مجرد متابع لأخبارها.

ففي النهاية، تبقى قوة الاقتصاد المصري مرتبطة بقدرته على الجمع بين طموح الدولة في النمو، وقدرة القطاع الخاص على الإنتاج والمنافسة، وحق المواطن البسيط في حياة أكثر استقرارًا وكرامة.