الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

محمد الصباغ يكتب.. عهد الخداع |قصة قصيرة 

2019-03-04 21:47:24
محمد الصباغ

بعد أن إرتكب جريمته استدعاني بصوت عدمي ؛ دون أن يخبرني ماذا فعل ؟! ؛ اقترب مني ووقف ناظرا في وجهي صامتا ؛ فقلت له : هل تعيد إكتشاف وجهي ؟ .. فقال : " نعم" . ثم تدفق الحديث منه ؛ وقد قال لي كلاما كثيراً أذكره حرفيا ؛ واسترسل في حكي طويل علي غير عادته ؛ وقد توقف فجأة وقال : "موسيقي الدنيا جميلة واﻷجمل منها أنغام اﻷبدية التي يمكن سماعها بوضوح حين تطلق الخيال يسترق السمع ؛ طوبي لمن كان غريبا في الدنيا ؛ فأصبح مؤنسا في اﻷبدية بالمحبين .

نفد كل شيء ولم يبق إلا مخزون الغضب والندم . ماذا نفعل في " زمن المساخيط " ؟! إذا لم تصبح مثلهم فأنت هالك وإن بقيت علي حالك فأنت أيضا هالك !! الحياة في معظمها ؛ صراع ما بين : من ينتجون القبح وبين من يقاومون هذا القبح !! ما أتفهك يا ابن الإنسان : تضيع العمر فيما لا طائل منه ؛ وحتي الجوع لا تقدر عليه ، ويهزمك جسدك ، ويفتك جسدك بروحك ؛ دون أن تستطيع أن تصد عنك فنائك ؛ ومصيرك للموت طالت الحياة أم قصرت ؛ صعب إمتحانها أم صار سهلا مقدورا عليه .


لقد عشت حياتي كما لو كان العالم ينسحب من عيني ؛ دون إرادة مني ؛ تخفت الملامح ؛ تبعد الأشياء كأني مركب يبعد عن " ميناه " يلوح البشر مودعين ؛ وأنا أحث نفس علي المضي مبتعداً ؛ وبعد أن تأكدت أنى فقدت قدرتي علي السير بإرادتي ؛ مضيت بلا هدف و دون أي تأثر مني ؛ فقد قررت أن أمضي دون مبالاة ؛ حتي لو أبحرت إلي أعمق أعماق داخلي ؛ أين سنهرب وكل الأماكن متشابهة بدرجة ما وكل الآخرين علي نفس الدرجة من القبح !! العالم من حولنا مليء بالسخفاء !! ولكني دائما كنت صادقا ".

فقلت ما أغربك الآن !! ؛ وكأنك تمهد لشيئا خطيرا ؛ تريد أن تبوح به ؛ وتحتاج أن تقدم لي نفسك من جديد ؛ لأري ما ستقوله لي لاحقا ؛ في ضوء تذكيرك لي بك ؟؟ .

فكأني لم أقل شيئا وقال : "كلما كنت عظيما عفيفا ؛ فسوف تكون الضربات التي تأتيك عنيفة ؛ ولكن حذار من الضربة اﻷهون ؛ التي قد لا تبالي بها ؛ فسوف تكون هي إذا لم تحتاط بالحذر المضاعف هي القاتلة " .

ثم توقف عن الإسترسال في مزيد ونهض وقال سأريك شيئا ؛ وكشف غطاء كان يخفي به الجثمان المقتول علي المقعد ؛ والذي لم أنتبه لوجوده المغطي بعد كل ما أمضيت معه من وقت مستمعا لما يقول في ثبات من لم يقتل للتو وإن مضت علي الجريمة غير ساعات تعمد أن يمضيها وحده مع الجثمان . وقلت له وأنا مصعوق من المشهد ومن جريمته ومصعوق مما جعلني شريكا فيه بالمشاهدة وقلت له : " لماذا ؟؟ لماذا غدرته ؟! ؛ لماذا قتلته وقد كان أفضل ما عرفنا معا في الحياة !! "

قال : " لقد كان مجرد أكذوبة كبري وقد أرحتك وغيرك من استمرار تلاعبه وخداعه وحتي لا يحطم لك حياتك كما حطم لي حياتي ؛ كان خداعا مستمرا ؛ شريرا في صورة برئ ؛ كاذبا يتلو كلام الصدق ؛ بغير معني الصدق ؛ ألا تفهم : كان زائفا متنكرا ولقد كشفته ؛ ولهذا قتلته " .

وقلت له : أنت مجنون الآن ؛ أنت مدين له بكثير من معارفك وخبراتك في الحياة " .

فقال : " لقد جعل حياته هو تطغي علي حياتي ؛ سألته عن طريق ؛ فدلني علي متاهة ؛ وحين جعلته مرشدي ؛ أضلني إلي أقصي مدي وإلي آخر المدي .
سألته طلقات رصاص ﻷحشو مسدسي ؛ فأعطاني مخادعا قطرات ماء ، لها شكل طلقات الرصاص ؛ تنفجر فّي إذا ما أطلقتها ".
" سبقني بخطو ليدلني ؛ فأسرع حتي تاه مني وأضلني .


أتاني بعد أن أضناني التيه واﻷلم والشك ؛ ليس ليسر عني أثر ما صنع ؛ أتي يستنزف مني ما بقي فيّ من دم وعظم وروح أوشك أن ينكسر .

ولهذا أطلقت عليه الرصاص منهيا عهداً من الخداع ؛ والآن استدع الشرطة : فأنا لست مجنونا كما تظن ؛ وأنا غير نادم ولم أفعل غير الواجب ولم أفعل إلا تصحيح الحياة ؛ استدع الشرطة وأهله ؛ فأنا منهك جدا ؛ ولابد أن يتسلموا الجثمان ليتصرفوا به كما يريدون " .


إرسل لصديق