الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

تحقيقات وتقارير

صحافة البيانات وإعداد القصة الصحفية في ”وبينار” بإعلام القاهرة

2021-01-24 22:03:49
أرشيفية
أرشيفية
شريف عبدالعليم

نظمت كلية الإعلام جامعة القاهرة مساء الأحد ندوة علمية عبر الانترنت "وبينار" حول "صحافة البيانات"، ناقشت مفهومها ومهاراتها، التحديات التي تواجهها، وأخيرا خطوات إعداد قصة صحفية جيدة.

عقد الوبينارتحت رعاية الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، والدكتورة هويدا مصطفى، عميدة كلية الإعلام، و إشراف الدكتورة وسام نصر، وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا، حاضر فيه عمرو عراقي رئيس تحرير موقع "إنفوتايمز"، ومدير "مدرسة البيانات"، ومؤلف كتاب "صحافة البيانات"، وعقّب عليه الدكتور محمود علم الدين، أستاذ الصحافة بالكلية، وأدارت الحوار الدكتورة ليلى عبد المجيد، أستاذ الصحافة ومدير وحدة الجودة، وذلك بحضور عدد من أساتذة الكلية والباحثين وطلاب الدبلومات المهنية وبرامج الماجستير الإلكتروني.

وقالت الدكتورة هويدا مصطفى، إن وكالة الدراسات العليا والبحوث تتجه خلال الفترة الحالية لتعزيز جوانب مناقشة التوجهات المهنية الجديدة في مختلف مجالات الإعلام، وفتح نقاش علمي يلفت انتباه الباحثين لهذه التوجهات، بهدف تعظيم وإثراء الأفكار البحثية المسجلة، ويكون بمثابة توعية، وتبصير للباحثين بتحديات تلك التوجهات، بما يساهم في توظيف البحوث الإعلامية، في خدمة القضايا المجتمعية، ومواكبة استراتيجية الجامعة البحثية، وفق استراتيجية مصر2030.

وقالت الدكتورة وسام نصر، إن صحافة البيانات من المجالات الجديدة التي تهتم الكلية بالتركيز عليها عبر برامج الدراسات العليا وخاصة الدبلومات المهنية، للتعرف على التحديات التي تواجهها، والمهارات اللازمة لتنفيذها، والربط بين النظرة الأكاديمية والممارس العملي، لصقل مهارات الباحثين.

وأشارت الدكتورة ليلى عبد المجيد، إلى أن الكلية تتجه إلى تعميم هذا الاتجاه الصحفي في لوائحها الدراسية الجديدة، لتزويد الطلاب بالمعارف والمهارات اللازمة لسوق العمل الجديدة مثل صحافة البيانات، وصحافة الفيديو، وصحافة الموبايل.

وقال عمرو عراقي، رئيس تحرير موقع "إنفوتايمز"، ومؤسس "مدرسة البيانات"، إن مجال صحافة البيانات موجود منذ عدة سنوات، إلا أنه يعاني قلة الصحفيين العرب المحترفين فيه، وندرة من يمارسونه بشكل صحيح، لافتا إلى أن تعريف صحافة البيانات هي أنها صحافة تقوم على صناعة قصص صحفية من سجلات البيانات عبر تحليلها للتأكد من فرضية والوصول إلى استنتاج، وليست الاكتفاء بالعرض البصري الجذاب للأرقام المعروفة مسبقا، مؤكدا أن صحافة البيانات تمثل امتدادا لإعداد التقارير بمساعدة الحاسوب CAR.

وأضاف خبير صحافة البيانات أن هذا النمط من الصحافة يقوم على أربعة عناصر رئيسة، هي البيانات كمصادر، والسياق الذي ينظم هذه البيانات ويزيل عنها الفوضى، وسرد القصة لتكون جذابة، وأخيرا التكنولوجيا التي صارت متوفرة عبر الكثير من الأدوات التي لا تحتاج إلى مبرمجين، مشيرا إلى أن الصحفي يجب أن يقوم بعمل "حلقة الوصل" بين هذه العناصر الأربعة، حيث يطرح التساؤلات على البيانات، ويقوم بتنظيمها، ويختار الوسيط المناسب لعرضها سواء صحفية أو تليفزيونية أو إذاعية، وأخيرا يستخدم التكنولوجيا لعرضها.

وأوضح عراقي أن الحصول على البيانات لم يعد مشكلة حتى في ظل عدم وجود قوانين لحرية المعلومات، لافتا إلى أن الكثير من الجهات في الدولة تصدر تقارير إحصائية، ومشددا على أن الصحفي عليه أن يتقن استخدام بعض الأدوات المتاحة والمجانية لإدارة البيانات ومعالجتها وتحليلها وعرضها بصريا، وأهمها برنامج "مايكروسوفت إكسل"، و"فلوريش"، وغيرهما. وعرض مؤسس "مدرسة البيانات" بعض نماذج من القصص الصحفية المدفوعة بالبيانات، التي قام بإنتاجها مع فريق موقع "إنفوتايمز"، ومنها قصة حول "حالات قتل الأزواج للزوجات"، تم تنفيذها عبر حصر أخبار القتل من أحد المواقع الإلكترونية، ثم فلترة الأخبار وحذف منقطع الصلة، وصناعة قاعدة بيانات، وأخيرا الوصول إلى نتيجة مفادها أن لكل حالة قتل زوجة لزوجها، توجد عشر حالات يقتل فيها الزوج زوجته، مشيرا إلى وجود هامش خطأ، لذلك من المهم أن يكشف صحفي البيانات عن منهجية عمله بما يشبه البحث العلمي.

وتعرض عراقي لقصة أخرى تم عملها عن الشخصيات العامة اللبنانية التي توجه الخطاب العنصري ضد اللاجئين السوريين، مشيرا إلى أن هذا يمثل أحد أدوار الصحافة في مناقشة القضايا الاجتماعية والاهتمامات العامة، وهو ما يعبّر عن "تريند"، ولكن بمعالجة مهنية دون ابتذال. وذكر خبير صحافة البيانات قصصا أخرى حول "حالات القتل الخطأ في الأفراح في لبنان"، و"الإنفاق على صيانة محطات المياه في مصر"، مشيرا إلى أن الأخيرة اعتمدت كليا على بيانات حكومية، بما قد يساعد صانع القرار على توجيه المزيد من الاهتمام نحو مناطق معينة. وأوضح عراقي أن هناك عددا من المفاهيم الخطأ حول صحافة البيانات، ومنها أنها هي "الأنفوجراف"، موضحا أنه مجرد "عرض بصري"، بينما صحافة البيانات تتضمن تحليلها، وليس فقط عرضها، بالإضافة إلى أن صحافة البيانات ليست جامدة وإنما بحاجة إلى التواصل مع المصادر البشرية أيضا، لافتا إلى أنه ليس من الضروري تقديم كل البيانات التي حصلنا عليها للقارئ، وإنما يجب على الصحفي أن يرشدها ويقتصر على المهم لقصته فقط، موضحا أن البيانات ليست بالضرورة أرقاما وإنما قد تكون بيانات كيفية، موضحا أن القصة هي البطل وليس الإبهار البصري.

وأضاف عراقي" أن البيانات قد تتضمن في الصحافة بهدف الإخبار، وقد تصل إلى مستوى التفسير والتبسيط عبر "الأنسنة"، وأخيرا على المستوى الأشمل قد تصل إلى مستوى تقديم الأثر والحلول، ضاربا مثالا بخبر "اندلاع حريق"، فالصحافة الإخبارية ستبحث عن الإجابة على الأسئلة الست الشهيرة، بينما صحافة البيانات ستبحث عن "أرشيف" الأخبار وتنظر إليه كقاعدة بيانات تتعامل معها، يتضمن أسباب الحرائق وملابساتها ومناطقها وأوقاتها وغير ذلك. ولفت عراقي إلى أن صحفي البيانات يجب أن يتحلى بعدة مهارات، أولها المهارات الصحفية، والمعارف الإحصائية والرياضية كالتغير والنسبة وغيرها، وعلوم الحاسب ليتمكن من استخدام برامجه، وكذلك مهارات الإعلام الرقمي، والسرد البصري ليوضح مضمون قصته.

وقال خبير صحافة البيانات إن البداية في إعداد قصة صحافة البيانات تبدأ من صياغة فرضية أو أسئلة حول البيانات قبل الانغماس في القراءة والتحليل، موضحا أن صياغة الفرضية تأتي بعدها مرحلة جميع البيانات التي تجيب عليها، والتحقق منها، وتنظيفها، وتحليلها بما يشبه إجراء مقابلة مع مصدر بشري، والخروج بنتائج، وتبسيطها ليستوعبها الجمهور، ثم كتابة الهيكل الأول للقصة ومراجعتها، وإجراء مقابلات مع مصادر بشرية ذات صلة بهذه البيانات، ثم تصميم العرض البصري للبيانات، وكتابة القصة، والتحقق الأخير منها، ثم نشرها، وأخيرا قياس الأثر كالنقاش المجتمعي. موضحا أن القصة الصحفية المعمّقة تتضمن البحث عن أربعة عناصر هي: الظاهرة، وأسبابها، وأثرها، وحلولها. وأضاف أن البيانات لها مصادر متعددة ولا تقتصر على المؤسسات الحكومية، وإنما تمتد إلى حزم البيانات المرتبطة، أرشيف الأخبار، ومواقع التواصل الاجتماعي، واستطلاعات الرأي، موضحا أن البيانات هي المدخلات الخام، بينما المعلومات هي البيانات بعد أن تتم معالجتها، مشيرا إلى "هرم الحكمة"، الذي يقوم على البيانات في قاعدته، تعلوها المعلومات، ثم المعرفة، وأخيرا على القمة الحكمة، لافتا إلى أن هناك جهات لا ترحب بإتاحة البيانات حتى لا يصل الناس إلى مرحلة الحكمة، مطالبا الصحفيين باتاحة مصادر بياناتهم للجمهور في نهاية القصص التي يقومون بإعدادها، حتى يتحقق مفهوم "البيانات لحياة أفضل". ولخّص مؤسس "مدرسة البيانات" قواعد العمل بأسلوب صحافة البيانات في عدة قواعد، منها الانطلاق من فرضية أو تساؤل، والتحقق من البيانات ومنهجية جمعها حتى لا يقع الصحفي ضحية لعملية تضليل متعمدة، والحذر عند تقديم الدراسات المستقبلية حتى لا يتم الخلط بين الواقع والمتوقع، مشددا على أن صحافة البيانات لا تعرف "المصدر المجهّل"، إذ يجب الإفصاح عن المصدر بوضوح، وعدم الاجتزاء من البيانات لخدمة اتجاهات سياسية. وقدّم عراقي أساليب للعمل مع البيانات الضخمة، منها أسلوب تفتيت الأرقام الكبيرة إلى أخرى أصغر بحيث يسهل التعامل معها، مثل قياس الرقم الكبير إلى نصيب الفرد منه، وأسلوب "حزم البيانات"، وتقسيمها إلى مجموعات، وأسلوب البحث عن الاختلافات والقيم المتطرفة، وأسلوب المقارنات عبر الزمان أو المكان أو الجندر أو القيم المركزية كالمتوسطات، وأسلوب تقريب الأرقام لتكون أسهل في تذكرها، وتبسيطها بعرضها بأسلوب "س:ص"، بدلا من النسبة المئوية، أخيرا "الأنسنة" أي التعبير عن الأرقام بالتمييز الخاص بها بدلا من الرقم المجرد، مثل القول "عاطلان عن العمل"، بدلا من "2 من العاطلين"

. وقال: إن توطين صحافة البيانات يستلزم تطوير فكر القيادات الصحفية أولا بحيث تتضمن المؤسسات أقساما لها وصحفيين متخصصين، لافتا إلى أن البدء في تدريسها داخل الجامعات مؤشر جيد، ووجود عدد كبير من القصص الصحفية أعدها صحفيون مصريون بأسلوب صحافة البيانات، فمصر ليست متأخرة في هذا المجال، مطالبا الأكاديميين بإدخال هذا النمط في دراساتهم، والصحفيين بالعمل به، بشكل متواز، مع تكثيف النشر بهذا النمط، مشددا على أنه ليس من الضروري أن يكلف الكثير من الوقت طالما توفرت البيانات.

وقال الدكتور محمود علم الدين، أستاذ الصحافة بالكلية، إن صحافة البيانات تشكل إحدى الحلقات الحديثة في الفكر الصحفي الدولي، تسعى إلى تحقيق العمق والشمول، لتواجه التليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، وحل مشكلات الممارسات الصحفية المتعجلة في التعامل مع الأحداث، ويمكن ردها إلى نهاية الستينيات عبر الصحفي الأمريكي فيليب ماير، الذي أطلق مصطلح "صحافة التحديد" precision journalism، لتقريب الفجوة بين العمل الصحفي والبحث العلمي الاجتماعي، باستخدام أدواته وفرضياته، بما مثّل بداية صحافة البيانات، إلى أن انتشر المصطلح الحديث في عامي 2006-2007.

وأوضح علم الدين أن مفهوم صحافة البيانات يتقاطع مع مفاهيم متعددة منها الصحافة البنائية، وصحافة الحلول، وتتطلب ممارستها مهارات الصحافة التقليدية مثل ابتكار الأفكار والكتابة المبسطة، التعامل مع الأرقام، توظيف البرامج الحاسوبية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والانترنت عموما، بالإضافة إلى مهارات البحث العلمي كصياغة الفرضيات، والتحليل، واستخدام برامج الإحصاء مثل SPSS، منتقدا أن الكثير من الصحفيين يعانون مشاكل الاستسهال، والنقل من نشرات الأخبار، والعمل الصحفي عبر الهاتف، دون محاولة التطوير من الأداء. ولفت أستاذ الصحافة إلى أن الصحافة المطبوعة "في غرفة الإنعاش"، حيث تواجه أزمات في التوزيع، مطالبا الصحافة الإلكترونية بالاجتهاد في الاتجاهات الحديثة كصحافة البيانات والصحافة الاستقصائية، لجذب القراء وهو ما لا تستطيع مواقع التواصل الاجتماعي تقديمه.

ولفتت الدكتورة نجوى كامل، أستاذ الصحافة، إلى أن ضيق الوقت وضغوط العمل من ضمن التحديات التي تواجه الصحفيين للعمل في هذا المجال، كما أن سياسات المؤسسات الصحفية لا تدعم هذا الاتجاه حتى الآن. وقالت الدكتورة فاطمة الزهراء محمد أحمد، أستاذ الصحافة المساعد، إن الجهات الحكومية والرسمية نادرا ما ترحب بنشر البيانات الجديدة على مواقعها، مما يدفع الباحثين والصحفيين إلى أرشيف الصحف والمراكز البحثية.

تعرف على نشاط جامعة القاهرة في أسبوع


إرسل لصديق