جريدة الديار
السبت 5 سبتمبر 2026 07:17 صـ 23 ربيع أول 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
فريق طبي بقصر العيني ينجح في استخراج رصاصة غائرة من وجه مريض بالمنظار الضوئي دون جراحة تقليدية تطور كبير في جراحات الجلوكوما برمد المنصورة المشرف العام على ”القومي للأشخاص ذوي الإعاقة” تشهد المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء انعقاد الاجتماع الأول للجنة الوطنية للاقتصاد الأزرق في البحر الأحمر وخليج عدن برئاسة جهاز شئون البيئة نشرة الحصاد الأسبوعي لرصد أنشطة وزارة التنمية المحلية والبيئة ( 28 أغسطس : 3 سبتمبر 2026) وزارة التنمية المحلية والبيئة تشن حملة تفتيشية على عدد من مصانع إعادة تدوير مخلفات المجازر والدواجن بالخانكة وزيرة التنمية المحلية والبيئة تعلن بدء منظومة مواجهة نوبات تلوث الهواء الحادة ”السحابة السوداء” خريف 2026 محافظ البحيرة تتابع أعمال رصف طريق عزبة صقر وتوجه بسرعة إنجاز الأعمال وفق أعلى معايير الجودة بروتوكول تعاون بين ”الرقابة المالية” و”البريد المصري” لإتاحة خدمة ”بريدي” للمراسلات الرسمية الإلكترونية مش مجرد كسل.. علامات صادمة تكشف تعرض طفلك للتنمر داخل المدرسة الكهرباء تحسم الجدل حول تحويل العدادات الكودية إلى شرائح لماذا ينصح الخبراء بغسل الملابس الجديدة قبل ارتدائها؟

«محمد غنيمي .. علي مثله تبكي البواكي ! »

الكاتب صبري الموجى
الكاتب صبري الموجى

ترددتُ كثيرا في الكتابة عنه خوفا من تجديد أحزانٍ عليَّ وعلي أهله، بل وعلي كل من عرفه وأحبه، ولكنْ مُقتضي الوفاء أن أكتبَ عنه، حتي ولو اجترت كتابتي عليَّ وعلي كلِ من قرأني جراحاتٍ وأحزانا.

كثيرا ما كانت تُردد أمي  رحمها الله علي أسماعنا عند فقدِ عزيز : (ما يغلاش علي اللي خلقه)، لم أعرفْ معني هذه العبارة إلا بعد فقد أستاذنا الحبيب محمد غنيمي .. ومعناها أن كلَ مفقودٍ مهما علا شأنه، وارتفعتْ مكانته، فإنه مادام راجعا إلي خالقه فإن الأمر هين، ولله درُ من قال : ولو كانت الدنيا تدومُ لأهلها .. لكان رسولُ الله حيا وباقيا .

لم أتعرفْ عليه كمدرسٍ جمعتني به قاعةُ الدرس، فلم أجلس أمامه إلا حصة واحدة، في زيارة خاطفة لمدرسة إمياي الإعدادية الحديثة؛ لأقرر بعدها أأنتقل إليها استجابة لإغراءات مديرها والمدرسين، أم أستمر في مدرسة إمياي الإعدادية القديمة؛ لحفظ التوازن بين المدرستين في عدد الطلبة المتفوقين  هكذا قيل لي  .. المهم أنني حضرتُ إحدي الحصص للفقيدِ رحمه الله، ورغم براعته في الشرح، وقدرته الفائقة علي توصيل المعلومة لذهن الطالب، بل وإجباره علي حفظها بوسائل تربوية عديدة كان مُلما بها غاية الإلمام، إلا أنني كنتُ في وادٍ وهو في واد آخر، فلم أستمعُ منه لكلمة واحدة، إذ ظللتُ مُنشغلا بساعةٍ في يده خطف بصري بريقُها، وبشياكة الرجل وأناقته في ملبسه، اللذين أظهرهما جمالُ خلقته واستضاءةُ وجهه وبشاشة مُحياه، ولا أبالغ فيما قلتُ، فقد وهب اللهُ الفقيد وسامة خلقة تخطف الأبصار وجمال خُلق يأسر القلوب، وتحارُ له العقول.

مضت الأعوامُ سراعا، وتعرفتُ علي الرجل عن قرب، عندما آلت إليه رئاسة مجلس إدارة جمعية أنصار السنة بقرية إمياي في وقت عصيب، فاستطاع بحكمة أفعاله، ورجاحة عقله وحلاوة لسانه، أن يستوعبَ الموقف، ويزيل الخلافات، التي كادت تعصف بهذا الكيان الدعوي والخدمي، بل صارت بين المتخاصمين بفضل جهوده المخلصة ألفةٌ وحميمية، تؤكد أنه لا مشكلة إلا ومحمد غنيمي لها.

توطدت علاقتي بالرجل، فكنتُ دائم التردد عليه؛ لأنهلَ من معينه وأستقي من خبرته، كما حرص هو الآخر علي أن يُبادلني الزيارات، ويشاركني الرأي فيما يطرأ عليه من قضايا، وأظنه كان يفعل ذلك، ليس لافتقاره إلي رأي تلميذه، أو ابنه كما كان يقول، لكنه كان يرمي إلي تربية كوادر، وتفريخ قيادات، وكان يفعلُ مع غيري مثل ما يفعلُه معي.

وإذا كانت الخنساء قد قالتْ في رثاء أخيها صخر :

وإن صخرا إذا جاعوا لعقّار.. وإن صخرا لتأتمُ الهداةُ به .. كأنه علمٌ في رأسه نار، فإني أظنُها كانت تقصد بهذه الأبيات أستاذنا محمد غنيمي، وحدث تصحيفٌ أو تحريفٌ بنسبة الأبيات لصخر.

يعرف هذا كلُ من دُعي إلي مائدة الرجل العامرة، التي تفننتُ زوجته المصون وبناتُه في إعدادها طبعا باشرافه وتوجيهه هو.

كان محمد غنيمي ذواقة؛ لنشأته في بيت عزٍ وكرم، وكثيرا ما كان يُردد علي مسامعنا ونحن جلوسٌ علي مائدته : أفضل اللحم ما خالط الشحم، وحدث أن أمسكتُ أمامه بقطعة لحم انطبق عليها وصفُه السابق، وقبل وصولها لفمي سقطت في حجري، فتبقع الثوبُ، ولم ألبسه من يومها، إذ لم تُفلح معها حيلُ الغسيل !

كان الرجل  بما أوتي من رجاحة عقل، وذكاء تلمحُه في بريق عينيه، وحسنِ حديثٍ حرص علي اختيار ألفاظه تماما كـ(جواهرجي) تفنن في ضم اللآلئ إلي بعضها، ليصنع تشكيلة تسرُ الناظرين - زينة المجالس العرفية، وحلّال العقد والمشاكل المستعصية، فما من قضية أعيت المحاكم وحار فيها القضاة، إلا وكان حلها علي يدِ محمد غنيمي.

تخرج محمد غنيمي في كلية التربية، وعمل مدرسا لمادة الأحياء، فجابت شهرتُه الآفاق، وتدرج في سلمه الوظيفي حتي وصل لدرجة مدير إدارة المتابعة، ولولا انشغالُه بالعمل الخدمي لارتقي أكثرَ من ذلك بفضل ذكائه الاجتماعي، ورؤيته الاستشرافية، التي جعلته يحرص علي تفريخ قيادات شابة تحمل المسئولية علي عاتقها من بعده، فاغتنم فرصة توليه مدير إدارة المتابعة بإدارة طوخ التعليمية، واستقطب كثيرا من الوجوه الشابة، ودرَّبهم علي مساعدة الغير والتفاني في قضاء حوائج الناس، وحقا :  من جدَّ وجد، ومن زرع حصد، فتنامي عددُ العاملين بالإدارة من أبناء قريتنا بجهود الرجل، بعدما كان الدخول إليها مُستحيلا !.

محمد غنيمي حالةٌ فريدة في مخبره ومبطنه، شياكة وأناقة لم تغيرها الأيام، ذكاءٌ وفطنة، لين جانب وسخاء بلا حدود.. مجموعة وفيرة من الصفات جعلته رجلا علي مثله تبكي البواكي.