قناة السويس… شريان الاقتصاد المصري في اختبار الجغرافيا والسياسة
بعد سنوات عصيبة مرّ بها قطاع النقل البحري العالمي، تبدو قناة السويس اليوم وكأنها تقف مجددًا على أعتاب مرحلة استعادة التوازن، في مشهد كاشف لتداخل السياسة بالاقتصاد، وتأثر شريان التجارة العالمي بتقلبات الجغرافيا والصراعات.
فمنذ جائحة كورونا التي عطّلت سلاسل الإمداد، مرورًا بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وصولًا إلى الحرب التجارية الأميركية، خاضت التجارة العالمية اختبارًا قاسيًا، كانت قناة السويس في قلبه، باعتبارها الممر البحري الأهم الذي يربط الشرق بالغرب، ويختصر الزمن والتكلفة بين قارات العالم.
في هذا السياق، جاء إعلان شركة “إيه بي مولر–ميرسك”، عملاق الشحن البحري الدنماركي، عزمها استئناف رحلاتها عبر قناة السويس في 15 يناير، ليحمل ما هو أبعد من كونه خبرًا فنيًا في سوق النقل، إذ يعكس تحوّلًا في حسابات المخاطر، ويحمل دلالات اقتصادية وسياسية مباشرة، خاصة بالنسبة لمصر.
سنوات الاضطراب… وخسائر فادحة
قرار غالبية شركات الشحن العالمية تجنّب المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بسبب التهديدات الحوثية المدعومة من إيران، دفعها إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأعلى كلفة. هذا التحول لم يكن بلا ثمن، لا على الشركات التي تحملت زمنًا أطول وتكاليف وقود أعلى، ولا على الاقتصاد المصري الذي فقد أحد أهم موارده الدولارية.
الأرقام هنا لا تحتمل التأويل:
انخفضت الشحنات العابرة للقناة بنحو الثلثين لتسجل 458 مليون طن في 2024، ثم تراجعت بنسبة إضافية بلغت 8% في 2025. ووفق تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقدت مصر ما يقرب من 800 مليون دولار شهريًا من إيرادات القناة، وهو رقم يعكس حجم الضربة المباشرة لموارد النقد الأجنبي.
لماذا عودة “ميرسك” نقطة فاصلة؟
تُعد “ميرسك” لاعبًا قائدًا في سوق الشحن العالمي، وغالبًا ما تتحول قراراتها إلى مؤشر لاتجاهات السوق. عودتها التدريجية تعني أمرين أساسيين:
الأول، أن المخاطر الأمنية باتت – نسبيًا – تحت السيطرة.
والثاني، أن شركات أخرى مرشحة للحاق بها، كما فعلت بالفعل الشركة الفرنسية “CMA CGM”.
وبالنسبة لمصر، فإن هذه العودة لا تعني فقط تحسنًا في أرقام العبور، بل تعني استعادة تدريجية لإيرادات القناة، وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، ودعم استقرار سعر الصرف، فضلًا عن تعزيز الثقة في قدرة الدولة على حماية واحد من أهم أصولها الاستراتيجية.
انعكاسات اقتصادية تتجاوز رسوم العبور
عودة الملاحة عبر القناة لا تتوقف آثارها عند رسوم المرور، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي كله. فالمسار الأقصر يعني خفض زمن الرحلة وكلفة الشحن، وتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للأسطول العالمي بنحو 10%.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الزيادة في السعة تأتي في وقت يشهد فيه العالم طفرة غير مسبوقة في بناء السفن، مع طلبات شراء تمثل 17% من السعة العالمية، وهو ما ينذر بضغط محتمل على أسعار الشحن مستقبلًا.
القناة والموازنة… علاقة أوثق مما نتصور
تعتمد الموازنة المصرية على موارد سيادية واضحة، في مقدمتها قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي إلى جانب السياحة وتحويلات المصريين بالخارج.
وحين نتحدث عن خسارة 800 مليون دولار شهريًا، فإننا نتحدث عن فجوة سنوية تقارب 9.6 مليار دولار، وهو رقم يعادل تكلفة استيراد القمح لعدة أشهر، أو جزءًا معتبرًا من خدمة الدين الخارجي، أو دعمًا اجتماعيًا واسع النطاق.
غياب هذه الإيرادات انعكس مباشرة في زيادة عجز الموازنة، وفرض ضغوطًا إضافية على الاقتراض، وضيّق هامش المناورة أمام الحكومة في إدارة الإنفاق العام.
الدولار تحت الضغط… والقناة جزء من الحل
في سوق يعاني أصلًا من فجوة بين العرض والطلب على الدولار، كانت قناة السويس تمثل رافدًا ثابتًا لتدفقات العملة الصعبة. ومع تراجع العبور، تقلّص المعروض، وارتفعت حساسية السوق لأي صدمة.
عودة الملاحة تدريجيًا تعني دخول دولارات مباشرة إلى البنك المركزي، وتحسّن قدرة الدولة على تلبية الطلبات الاستيرادية، وتهدئة توقعات المضاربة. وبعبارة أبسط: كل سفينة تعبر القناة تقلّل الضغط على سعر الدولار، ولو بشكل محدود، لكنه تراكمي ومؤثر.
قناة السويس… ميزان الثقة
في عالم يبحث عن الاستقرار بعد سنوات من الصدمات، تمثل عودة حركة السفن إلى قناة السويس اختبارًا حقيقيًا لتعافي التجارة العالمية. وبالنسبة لمصر، فإن القناة ليست مجرد ممر مائي، بل رمز للسيادة الاقتصادية، وأداة استقرار مالي، ومؤشر ثقة في قدرة الدولة على إدارة المخاطر.
وإذا ما استمرت العودة التدريجية، فإن قناة السويس مرشحة لاستعادة دورها الكامل كقلب نابض للتجارة الدولية، ورافعة أساسية للاقتصاد المصري في مرحلة دقيقة تحتاج فيها البلاد إلى كل دولار، وكل رسالة طمأنة للأسواق.
الوطن مسؤولية الجميع
في لحظات التحول الكبرى، لا يكون المطلوب من المواطن أن يقلق بقدر ما يكون المطلوب أن يفهم. وما يجري اليوم في قناة السويس يؤكد أن الدولة المصرية تتعامل مع التحديات بعقلٍ واعٍ وخبرة متراكمة، وتتحرك لحماية مواردها الاستراتيجية وسط عالم لا يعرف الاستقرار. هذه ليست وعودًا، بل حقائق تترجمها عودة السفن، وتحسن المؤشرات، وتماسك الاقتصاد رغم الضغوط.
الثقة في القيادة السياسية لا تعني غياب الأسئلة، لكنها تعني الوعي بحجم ما يُدار من ملفات معقدة في توقيت شديد الحساسية. فالدولة التي تحافظ على شريانها الملاحي، وتستعيد مواردها تدريجيًا، وتوازن بين الأمن والتنمية، هي دولة تعرف طريقها، حتى وإن طال الطريق.
ومن هنا، تصبح مسؤوليتنا جميعًا ألا ننساق وراء الشائعات أو الأخبار المبتورة التي تُبنى على القلق لا على الحقائق. فالكلمة غير المسؤولة قد تُربك السوق، وتُضعف الثقة، وتضر بنا جميعًا قبل أن تضر بالدولة.
الحفاظ على مصر لا يكون بالخوف، بل بالوعي، ولا يكون بالتشكيك، بل بالفهم. ومع كل خطوة تعافٍ، وكل سفينة تعبر قناة السويس، تتأكد حقيقة واحدة: هذا الوطن يُدار بإرادة، ويحمي نفسه بأبنائه، ويستحق منا الثقة والعمل والأمل.
صواب القرار وتوقيت التنفيذ
في إدارة الدول، لا يكفي أن يكون القرار صحيحًا من حيث المبدأ، فالتوقيت وحده قد يحوّل القرار السليم إلى عبء ثقيل على المواطن، أو يجعله يفقد جزءًا من أثره الإيجابي. فالاقتصاد لا يتعامل مع الأرقام فقط، بل مع شعور الناس، وقدرتهم على الاحتمال، وثقتهم في المستقبل.
الحكومة المصرية تبذل جهودًا واضحة في إدارة ملفات شديدة التعقيد وسط ظروف إقليمية ودولية غير مسبوقة، لكن تبقى الحاجة قائمة دائمًا إلى قراءة أعمق لتوقيت بعض القرارات، خاصة تلك التي تمس الحياة اليومية للمواطن، حتى لا تتداخل الرسائل الإيجابية مع أعباء مفاجئة تُربك الشارع وتفتح الباب أمام القلق والشائعات.
المطلوب هنا ليس التراجع عن الإصلاح، بل إدارته بإيقاعٍ إنساني، يراعي ترتيب الأولويات، ويُحسن اختيار اللحظة المناسبة، ويُمهّد للقرار بشرحٍ واضح وصريح يشارك المواطن في الفهم قبل التحمل. فحين يشعر الناس أن القرار مفهوم ومُبرَّر، يصبح تحمّله أيسر، ويزداد الالتفاف حوله.
إن نجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس فقط بسلامة الاتجاه، بل بقدرتها على الوصول إلى المواطن في الوقت المناسب وبالأثر الأقل كلفة اجتماعيًا. وبين صواب القرار وحساسية التوقيت، تكمن مساحة واسعة لتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر، وهي مساحة تستحق دائمًا أن تُدار بالحوار والثقة المتبادلة.

















