جريدة الديار
الإثنين 29 يونيو 2026 01:58 مـ 14 محرّم 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
حقيقة تطبيق الدعم النقدي بداية من يوليو.. ورفع سعر الخبز لـ 150 قرشًا مصر وسويسرا تطلقان ”مبادرة الإلكترونيات الدائرية” لتعزيز الاقتصاد الأخضر وتطوير منظومة إدارة المخلفات كوجك: تعديلات الضريبة على الدخل ستعزز الاستدامة المالية لنظام التأمين الصحي أسعار النحاس تتراجع تحت ضغط تشدد الفيدرالي الأمريكي وصعود الدولار وزيرة التنمية المحلية والبيئة تُصدر قراراً بتعيين د. صابر عثمان مساعداً للوزير لشئون الاستدامة والمسئولية المجتمعية 4 شهداء و8 مصابين خلال الساعات الـ24 الماضية بغزة 5 لاعبين.. أوستاكيو أحدث المنضمين لقائمة الأهداف القاتلة في كأس العالم وزيرة التنمية المحلية والبيئة تترأس لجنة اختيار المتقدمين على بعض الوظائف القيادية الشاغرة بالوزارة 4800 حادثة.. زيادة الهجمات الإلكترونية الإيرانية على الكيان الصهيوني خلال 2026 وزير المالية: الانتهاء من إعداد جميع العقود وكراسات الشروط النموذجية للتعاقدات الحكومية تاريخ مواجهات البرازيل واليابان قبل مواجهة كأس العالم 2026 أسعار الدواجن والبيض اليوم

مها بسطاوي تكتب: نساء حكمن إمبراطوريات من الظل

مها بسطاوي
مها بسطاوي

التاريخ لم يكن يومًا قصة رجال فقط، بل كان أيضًا قصة نساء تحركن في الظل، تاركات بصمات عميقة على مسار الحضارات، وإن كان المؤرخون قد مروا بأسمائهن سريعًا أو تجاهلوهن تمامًا.

حين يقرأ المرء كتب التاريخ التقليدية، يبدو له وكأن العروش لم تعرف سوى الرجال، وأن القرارات المصيرية كانت تصدر دائما من قاعات الحكم التي جلس فيها الخلفاء والسلاطين والملوك، وفي كتب التاريخ، تتكرر أسماء الملوك والقادة والجنرالات حتى يخيل للقارئ أن العالم القديم لم يعرف صانعي قرار غيرهم.

غير أن التاريخ، شأنه شأن المسرح، لا يكشف دائمًا عن جميع أبطاله؛ فخلف الستائر، وفي دهاليز القصور، جلست نساء لم يحملن ألقابًا رسمية، ولم تظهر صورهن على العملات، لكنهن امتلكن من النفوذ ما مكنهن من توجيه مصير دول وإسقاط وزراء وصناعة خلفاء.

لم يكن هذا النفوذ استثناء عابرا، بل كان جزءا أصيلا من بنية السلطة في كثير من الدول الإسلامية، خاصة في العصر العباسي، حيث برزت أمهات الخلفاء والجواري والقهرمانات كقوى سياسية فاعلة داخل البلاط.

الخيزران

ولعل الخيزران، زوجة الخليفة المهدي وأم الخليفتين الهادي وهارون الرشيد، تمثل النموذج الأبرز لهذا النفوذ. فقد بدأت حياتها جارية يمنية الأصل، قبل أن يتزوجها الخليفة المهدي، لكنها لم تكتف بدور الزوجة التقليدي، بل استطاعت أن تفرض نفسها لاعبا رئيسيا في السياسة العباسية.

وتشير الروايات إلى أن كبار رجال الدولة كانوا يقصدون بابها لطلب الشفاعة أو التأثير في قرارات الخليفة، حتى أصبحت مركزا غير رسمي للسلطة داخل القصر.

وعندما توفي المهدي سنة 169هـ/785م، استمرت الخيزران في ممارسة نفوذها خلال حكم ولدها الهادي، الذي حاول الحد من تدخلها السياسي، إلا أن محاولاته باءت بالفشل.

وبعد وفاة الهادي وتولي هارون الرشيد الخلافة، استعادت الخيزران نفوذها كاملا، حتى وصفها بعض المؤرخين بأنها كانت شريكة فعلية في إدارة الدولة.

وإذا كانت الخيزران قد مارست السلطة عبر مكانتها كزوجة وأم للخلفاء، فإن شغب، والدة الخليفة المقتدر بالله، نقلت هذا النفوذ إلى مستوى غير مسبوق.

فقد اعتلى ابنها العرش وهو في الثالثة عشرة من عمره، الأمر الذي أتاح لها إدارة شؤون الدولة من خلف الستار.

وخلال سنوات حكم المقتدر، تمكنت شغب من بناء شبكة واسعة من الموالين داخل القصر، ضمت القهرمانات والخصيان وكبار الموظفين.

شجر الدر

في مصر الأيوبية، فقد برزت شجر الدر بوصفها إحدى أكثر الشخصيات النسائية إثارة في التاريخ الإسلامي. فعندما توفي السلطان الصالح نجم الدين أيوب أثناء الحملة الصليبية السابعة سنة 648هـ/1250م.

أخفت شجر الدر خبر وفاته حتى لا تنهار الجبهة العسكرية في مواجهة القوات الصليبية بقيادة الملك لويس التاسع.

واستمرت في إصدار الأوامر باسم السلطان المتوفى، محافظة بذلك على تماسك الدولة في لحظة شديدة الخطورة.

وبعد الانتصار في معركة المنصورة وأسر لويس التاسع، تولت شجر الدر السلطنة لفترة قصيرة، لتصبح أول امرأة تتولى عرش مصر الإسلامية بصورة رسمية.

ورغم قصر مدة حكمها، فإنها لعبت دورا محوريا في الانتقال من الدولة الأيوبية إلى دولة المماليك.

ثمل القهرمانة المرأة التي جلست للفصل في المظالم

تُعد ثمل القهرمانة واحدة من أكثر الشخصيات إثارة في التاريخ العباسي. فقد عاشت في القرن الرابع الهجري، وكانت في الأصل قهرمانة، أي مسؤولة عن إدارة شؤون القصر العباسي.

لكن نفوذها تجاوز حدود القصر، خاصة في عهد الخليفة المقتدر بالله، وبدعم من شغب، والدة الخليفة، جلست ثمل للنظر في شكاوى الناس والمظالم، وأصبحت تستقبل أصحاب القضايا بحضور القضاة والفقهاء والكتّاب.

ويشير المؤرخون إلى أن مجلسها كان يعقد بانتظام، وهو أمر استثنائي في مجتمع كانت المناصب القضائية العليا فيه حكرًا على الرجال.

ورغم الجدل الذي أثاره دورها، فإن وجودها يكشف عن مرونة النظام السياسي العباسي وقدرة النساء داخل البلاط على اكتساب سلطة فعلية تجاوزت الحدود التقليدية.

صبح البشكنجية: الجارية التي حكمت الأندلس

كانت صبح جارية من أصل بشكنجي (باسكي)، دخلت قصر الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله في الأندلس، ثم أصبحت أمًا للخليفة هشام المؤيد بالله.

وعندما تولى ابنها الحكم وهو طفل، أصبحت صبح صاحبة الكلمة العليا في الدولة، وسيطرت على شؤون الحكم بالتعاون مع الحاجب الشهير محمد بن أبي عامر.

وتشير المصادر الأندلسية إلى أنها كانت تتدخل في تعيين كبار المسؤولين وإدارة شؤون الدولة، والعلاقة السياسية بين صبح وابن أبي عامر أسهمت في صعود الأخير إلى قمة السلطة، وهو الرجل الذي سيصبح الحاكم الفعلي للأندلس لسنوات طويلة.

أروى الصليحية:

قد لا يعرف كثيرون اسم أروى بنت أحمد الصليحي، رغم أنها حكمت اليمن فعليًا لنحو خمسين عامًا في القرنين الخامس والسادس الهجريين أي نصف قرن، ولم تكن أروى مجرد زوجة حاكم أو أم خليفة، بل مارست الحكم بنفسها، وأدارت شؤون الدولة، وأشرفت على تعيين الولاة، وورد اسمها في خطبة الجمعة، ونجحت في الحفاظ على وحدة الدولة الصليحية وسط صراعات داخلية وخارجية معقدة، حتى لقبها المؤرخون بـ"السيدة الحرة".

توران خاتون:

بعد وفاة السلطان السلجوقي ملكشاه سنة 485هـ، دخلت الدولة في أزمة خطيرة. وهنا ظهرت تركان خاتون، زوجة السلطان، التي خاضت صراعًا سياسيًا مع كبار رجال الدولة من أجل تأمين العرش لابنها محمود.

ورغم فشل مشروعها، فإن تحركاتها السياسية كادت تغير مسار الدولة السلجوقية بالكامل، كما تكشف عن حجم النفوذ الذي كانت تتمتع به نساء النخبة التركية في العصور الوسطى.

إن استعادة هذه النماذج النسائية لا تعني إعادة كتابة التاريخ من منظور نسوي فحسب، بل تعني أيضا الاعتراف بأن السلطة لم تكن دائما مرئية.

فالتاريخ الذي وصل إلينا كتبه في أغلب الأحيان رجال ركزوا على السلاطين والخلفاء، بينما بقيت أدوار النساء في الظل، رغم أن كثيرا من القرارات التي غيرت مسار الدول صيغت داخل الحجرات الخاصة، وعلى أيدي نساء لم تذكر أسماؤهن إلا عرضا في كتب المؤرخين.

وربما آن الأوان لإعادة قراءة التاريخ، ليس بوصفه تاريخا للملوك وحدهم، بل بوصفه تاريخا للبشر جميعا، بمن فيهم أولئك الذين حكموا من وراء الستار.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض هؤلاء النساء لا يعرفهن اليوم إلا المتخصصون، رغم أن أيديهن امتدت إلى قلب السياسة في إمبراطوريات مترامية الأطراف، فمن هن هؤلاء النسوة اللاتي حكمن من الظل، ولماذا نسيهن التاريخ؟