جريدة الديار
الخميس 6 أغسطس 2026 02:04 مـ 22 صفر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

مها بسطاوي تكتب: ثلاثية غرناطة.. الرواية التي جعلت الهزيمة أكثر ألمًا من الحرب

هناك روايات نقرأها فنغلق صفحاتها بعد النهاية، وهناك روايات أخرى تظل مفتوحة داخلنا سنوات طويلة. ومن هذا النوع جاءت *ثلاثية غرناطة* للكاتبة المصرية رضوى عاشور، ذلك العمل الذي لم يكتفِ بإعادة سرد مأساة الأندلس، بل حوّل التاريخ إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة والوجع.

منذ السطر الأول، لا تأخذنا الرواية إلى قصور الملوك ولا إلى ساحات المعارك، بل إلى الأزقة الضيقة والبيوت البسيطة حيث يعيش أناس عاديون وجدوا أنفسهم فجأة غرباء في وطنهم. هنا تكمن عبقرية رضوى عاشور؛ فهي لا تروي قصة سقوط مدينة، إنما تروي قصة البشر الذين اضطروا إلى العيش بعد السقوط.

فبعد أن سقطت غرناطة وانتهى الحكم الإسلامي في الأندلس، لم تنتهي المأساة كما يظن البعض، بل بدأت مرحلة أشد قسوة. لم يعد الصراع على الأرض فحسب، بل على الإنسان نفسه، على لغته ودينه وذاكرته وتاريخه. وكأن الرواية تطرح سؤالًا مؤلمًا: ماذا يحدث عندما يُجبر شعب كامل على نسيان نفسه؟

ما يجعل ثلاثية غرناطة مختلفة عن أغلب الروايات التاريخية أنها تنحاز إلى الإنسان العادي. فلا تجعل الأبطال من السلاطين والقادة، بل من الوراقين والنساء والأطفال والحرفيين. أولئك الذين لا تذكرهم كتب التاريخ عادة، لكنهم يدفعون دائمًا الثمن الأكبر في لحظات التحول الكبرى.

في عالم الرواية تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أحداث ضخمة. كتاب يُخفى خوفًا من الحرق، كلمة عربية تُقال همسًا، أم تروي لأبنائها حكايات الماضي، رجل يحتفظ بذكرياته كما يحتفظ بكنز ثمين. هذه التفاصيل التي قد تبدو عادية هي في الحقيقة جوهر الصراع كله، لأن معركة الهوية تبدأ حين يصبح التمسك بأبسط الأشياء فعل مقاومة.

ومن أجمل ما قدمته رضوى عاشور تصويرها للمرأة الأندلسية. فالنساء في الرواية لسن مجرد شخصيات ثانوية تدور في فلك الرجال، بل يحملن عبئًا ثقيلًا يتمثل في حفظ الذاكرة الجماعية. ع

ندما ضاقت المساحات العامة واختفت المدارس والمساجد والكتب، أصبح البيت آخر حصون الهوية. وهنا برز دور الأمهات والجدات اللاتي نقلن اللغة والعادات والقصص من جيل إلى آخر.

كانت المرأة في ثلاثية غرناطة حارسة لما تبقى من الوطن. لم تحمل سيفًا، لكنها حملت الحكاية. ولم تخض حربًا بالمعنى التقليدي، لكنها خاضت معركة يومية ضد النسيان.

ومن خلال شخصيات مثل سليمة ومريمة تكشف الرواية أن مقاومة المحو الثقافي قد تبدأ من كلمة تُقال، أو ذكرى تُحفظ، أو طفل يتعلم من أين جاء.

لكن الرواية لا تقدم صورة رومانسية للمقاومة. فهي تكشف أيضًا حجم التمزق الذي عاشته الأجيال الجديدة.

فالأحفاد لم يروا غرناطة التي عرفها أجدادهم، ولم يعيشوا زمن الازدهار الذي يسمعون عنه في الحكايات.

كانوا عالقين بين عالمين؛ عالم قديم يتلاشى، وعالم جديد يفرض نفسه بالقوة. ولهذا تصبح الهوية في الرواية سؤالًا دائمًا أكثر منها إجابة جاهزة.

هنا تظهر واحدة من أعمق أفكار العمل، فالهزيمة ليست سقوط جيش أو احتلال مدينة. الهزيمة الحقيقية تبدأ عندما يقتنع المهزوم بأنه لا يملك ماضيًا يستحق التذكر. ولذلك كان استهداف اللغة والكتب والذاكرة جزءًا أساسيًا من المأساة. لم يكن المطلوب فقط السيطرة على الأرض، بل السيطرة على الرواية نفسها؛ على الطريقة التي يتذكر بها الناس أنفسهم وتاريخهم.

ورغم الحزن الذي يغلف أحداث الثلاثية، فإن الرواية لا تترك قارئها غارقًا في اليأس. على العكس، فهي تؤكد أن الإنسان قادر على المقاومة حتى في أكثر الظروف قسوة. قد تُهدم المدن، وقد تُنتزع السلطات، وقد يُطرد الناس من ديارهم، لكن الذاكرة تظل قادرة على البقاء إذا وجدت من يحملها.

وربما لهذا السبب تزال ثلاثية غرناطة تُقرأ بشغف بعد سنوات طويلة من صدورها. فالقارئ لا يجد فيها مجرد حكاية تاريخية عن الأندلس، بل يجد أسئلة إنسانية تمسه بصورة مباشرة: ما معنى الوطن؟ وما الذي يصنع الهوية؟ وكيف يمكن للإنسان أن يبقى نفسه عندما يتغير العالم من حوله؟

في النهاية، لم تكتب رضوى عاشور رواية عن الماضي فقط، بل كتبت رواية عن الإنسان في كل زمان ومكان. جعلت من غرناطة رمزًا لكل وطن مهدد بالنسيان، ومن شخصياتها شهادة على أن الذاكرة قد تكون آخر ما يملكه الإنسان، وأقوى ما يدافع به عن نفسه.

ولهذا تبقى ثلاثية غرناطة أكثر من رواية تاريخية؛ إنها حكاية عن الفقد، وعن التمسك بالأمل، وعن المعركة التي لا تنتهي بين النسيان والذاكرة. وفي هذه المعركة تحديدًا، منحت رضوى عاشور شخصياتها انتصارًا لا تستطيع أي قوة أن تسلبه منها: أن تظل تتذكر.