جريدة الديار
الأربعاء 12 أغسطس 2026 11:57 مـ 28 صفر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
تفاصيل حفل تكريم أوائل الشهادات بالتعليم والأزهر مستوي الجمهورية ومحافظه الدقهلية كلية التربية النوعية بجامعة المنصورة تناقش مستقبل التعليم النوعي في عصر الثورة المعلوماتية جامعة المنصورة تستقبل طلاب الثانوية العامة لتسجيل رغبات المرحلة الثانية وتوفر الدعم والإرشاد الرئيس السيسي أصدر اليوم عدة قرارات جمهورية هامة مدحت الشيخ يكتب: القراءة.. حصن الوعي وذاكرة الإنسان في مواجهة الزمن «مالك رجع».. 6 ساعات بين الخوف والفرحة.. ووزير الداخلية يتابع استغاثة أسرة الطفل حتى عودته لأحضان أهله تجديد الاعتماد الدولي لمعمل «الصحة الحيوانية» ببورسعيد في 19 اختبارًا لسلامة الأغذية استقبال رئيس جامعة المنصورة وفد جامعة المعقل العراقية لبحث سبل تعزيز التعاون الأكاديمي استكمالًا لحضور جامعة المنصورة في «مصر للتميز الحكومي 2026» .. 3 فرق عمل ومبادرة ابتكارية تتأهل لمرحلة المقابلات الشخصية مجلس عمداء جامعة المنصورة الأهلية يناقش عددًا من الملفات الأكاديمية والتنظيمية والاستعدادات للعام الجامعي الجديد 2026-2027 جيش الاحتلال يعلن تصفية رئيس خلية بحماس في شمال قطاع غزة لص يُتلف كاميرات مُراقبة لمحاولة سرقة منزل بالإسكندرية

مدحت الشيخ يكتب: القراءة.. حصن الوعي وذاكرة الإنسان في مواجهة الزمن

ليست القراءة ترفًا ثقافيًا نلجأ إليه في أوقات الفراغ، ولا وسيلة عابرة لقتل الساعات، وإنما هي واحدة من أعمق الأدوات التي امتلكها الإنسان لمقاومة الجهل، وتوسيع الوعي، وفهم ذاته والعالم من حوله.

فالإنسان لا يعيش في زمن ثابت؛ العالم يتغير، والأفكار تتبدل، والمعارف تتضاعف، والتكنولوجيا تعيد تشكيل تفاصيل الحياة بصورة متسارعة. وبين هذا التدفق الهائل يصبح العقل الذي لا يتغذى بالمعرفة أكثر عرضة للسطحية والانقياد، بينما يظل القارئ قادرًا على التمهل والتأمل والمقارنة وإعادة النظر في الأشياء قبل إصدار الأحكام.

القراءة تمنح الإنسان حياة تتجاوز حدود عمره وتجربته الشخصية. فمن خلال كتاب واحد يمكن أن يعبر القارئ قرونًا من التاريخ، وأن يجالس مفكرين لم يلتقهم، ويستمع إلى أصوات رحلت منذ زمن، ويتعرف إلى حضارات وشعوب وأفكار ربما لم يكن ليقترب منها في حياته اليومية.

وهنا تكمن عظمة الكتاب؛ فهو لا يمنحنا المعلومات فقط، وإنما يوسّع حدود رؤيتنا للحياة.

قد نقرأ التاريخ فنكتشف أن كثيرًا من أزمات الحاضر ليست وليدة اللحظة، وإنما امتداد لصراعات وأفكار وجذور قديمة.

وقد نقرأ الفلسفة فنكتشف أن السؤال العميق قد يكون أحيانًا أكثر قيمة من إجابة جاهزة. وقد نقرأ الأدب فنكتشف أن الإنسان، مهما اختلفت الأزمنة واللغات والحدود، يظل يحمل في داخله الأحلام والمخاوف والهزائم والانتصارات نفسها.

ولهذا فإن القراءة الحقيقية لا تعزل الإنسان عن واقعه، وإنما تعيده إليه أكثر وعيًا وقدرة على الفهم.

نحن نعيش اليوم في عصر انفجار معلوماتي غير مسبوق. بضغطة واحدة يمكن الوصول إلى آلاف الأخبار والمقالات والآراء، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، كما أن كثرة ما نراه ونسمعه لا تعني أننا أصبحنا أكثر وعيًا.

المشكلة لم تعد في ندرة المعلومة، وإنما في القدرة على التحقق منها، وفهم سياقها، وتمييز الحقيقة من التضليل، والرأي من الحقيقة، والمعرفة من مجرد التكرار.

ومن هنا تصبح القراءة تدريبًا يوميًا للعقل على التفكير النقدي، وعلى مقاومة الاستسهال والانقياد وراء ما تفرضه الموجة العامة.

القارئ الواعي لا يمنح ثقته لكل ما يقرأ، ولا يرفض كل ما يختلف معه، وإنما يسأل ويبحث ويقارن ويحلل، ثم يصل إلى موقفه الخاص. وهذه القدرة على التفكير المستقل أصبحت من أثمن ما يمكن أن يمتلكه الإنسان في زمن تتسابق فيه المنصات على تشكيل الوعي وتوجيه الانتباه.

فالجهل في عصرنا لم يعد مجرد ألا تعرف، وإنما أن تعرف كثيرًا دون أن تمتلك القدرة على التمييز.

وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب الفرد والمجتمع؛ أن تصبح العقول ساحات مفتوحة لكل فكرة، ولكل شائعة، ولكل خطاب، دون امتلاك أدوات الفرز والنقد.

ومن هنا تظل القراءة فعلًا من أفعال المقاومة الهادئة؛ مقاومة الجهل، ومقاومة التسطيح، ومقاومة التعصب، ومقاومة الاستسلام للأفكار الجاهزة.

لكن القراءة لا تقاوم الجهل وحده، وإنما تقاوم الزمن أيضًا.

فالزمن يمحو الوجوه، ويبدل الأمكنة، ويطوي المراحل، ويأخذ معه تفاصيل كثيرة نظن أننا سنحتفظ بها إلى الأبد. إلا أن الكتاب يمتلك قدرة استثنائية على إنقاذ التجارب الإنسانية من النسيان.

في صفحات الكتب تبقى أصوات الذين رحلوا، وتظل أفكار الذين سبقونا حاضرة، وتستمر تجاربهم في مخاطبة أجيال لم تكن قد وُلدت عندما كتبوا كلماتهم.

نفتح كتابًا، فنجد أنفسنا أمام زمن آخر، ثم نغلقه ونعود إلى حاضرنا، لكننا لا نعود كما كنا.

فالقراءة الجادة تترك أثرًا عميقًا في تكوين الإنسان؛ تظهر في لغته، وفي طريقة تفكيره، وفي قدرته على الاستماع، وفي اتزان أحكامه، وفي احترامه للاختلاف، وفي اتساع رؤيته للحياة.

ولهذا لا ينبغي أن نقيس قيمة القراءة بعدد الكتب التي انتهينا منها، وإنما بما فعلته هذه الكتب في داخلنا.

قد يقرأ شخص مئات الكتب ولا يغادر مكانه الفكري خطوة واحدة، بينما يستطيع كتاب واحد أن يوقظ في إنسان آخر سؤالًا يغير مسار حياته بالكامل.

المهم ليس أن نقرأ كثيرًا فقط، وإنما أن نقرأ بوعي، وأن نتوقف أمام الأفكار، وأن نسمح للكتاب بأن يحاورنا، وأن نختلف معه أحيانًا، وأن نعيد النظر في بعض قناعاتنا عندما نكتشف أنها لم تعد صالحة.

وفي عصر أصبحت فيه الهواتف الذكية تنافس الكتب على عقولنا، وتتنافس المنصات على انتزاع كل دقيقة من انتباه الإنسان، يصبح الجلوس مع كتاب نوعًا من استعادة الإنسان لحقه في الهدوء.

أن تقرأ يعني أن تمنح عقلك فرصة بعيدًا عن الضجيج.

أن تقرأ يعني أن تتوقف قليلًا في زمن يريد منك أن تركض باستمرار.

أن تقرأ يعني أن تقول للزمن: لن أكتفي بأن يمر بي، بل سأحاول أن أفهمه.

والأجيال الجديدة تحديدًا تحتاج إلى أن تدرك أن التكنولوجيا مهما بلغت من التطور لا يمكن أن تكون بديلًا عن العقل الواعي. فالأدوات الحديثة تمنحنا سرعة الوصول، لكنها لا تمنحنا بالضرورة القدرة على الفهم.

وقد يصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى ملايين المعلومات، لكنه يظل عاجزًا عن طرح سؤال واحد صحيح.
وهنا تأتي أهمية القراءة؛ لأنها لا تمنح الإنسان إجابات جاهزة بقدر ما تمنحه القدرة على صناعة الأسئلة، وفهم السياقات، وربط الأحداث، واكتشاف ما وراء الظاهر.

إن المجتمعات التي تريد أن تبني مستقبلًا حقيقيًا لا يكفيها أن تنشئ أجيالًا تجيد استخدام التكنولوجيا، وإنما تحتاج إلى أجيال تمتلك عقلًا نقديًا، ووعيًا تاريخيًا، وذائقة معرفية، وقدرة على الحوار والاختلاف.

والكتاب، رغم كل التحولات، سيظل أحد أهم الحراس الذين يقفون على أبواب العقل.

قد تتغير أشكال الكتب، وقد تنتقل من الورق إلى الشاشات، وقد تتطور وسائل القراءة، لكن جوهر الفكرة سيبقى قائمًا: إنسان يريد أن يعرف، وعقل يبحث عن المعنى، وتجربة إنسانية تنتقل من جيل إلى آخر.
فالزمن يمضي ولا ينتظر أحدًا، لكن الإنسان يستطيع أن يواجهه بالمعرفة.

وقد لا نستطيع إيقاف عقارب الساعة، ولا استعادة ما مضى، ولا معرفة كل ما سيأتي، لكننا نستطيع أن نمنح أنفسنا وعيًا يجعلنا أكثر قدرة على فهم الطريق.

فالقراءة ليست مجرد هواية، ولا عادة عابرة، ولا صفحات نطويها ثم ننساها.

القراءة بناء للعقل، وتحصين للوعي، ومقاومة للنسيان، وجسر يصل الإنسان بتجارب من سبقوه.
فالزمن يأخذ منا الكثير، لكن الكتاب يمنحنا فرصة نادرة: أن نمضي معه دون أن نفقد ذاكرتنا، وأن نعيش الحاضر دون أن نجهل الماضي، وأن نستقبل المستقبل بعقل لا يخشى المجهول لأنه اعتاد أن يبحث عن المعرفة.