مها بسطاوي تكتب: هل نشعر حقًا أم نستعير مشاعرنا؟
لم تعد المشاعر في العصر الحديث تجربة داخلية خالصة كما كانت تُصور في الأدبيات الكلاسيكية عن الإنسان. فمع تدفق الصور، والمنشورات، والمقاطع القصيرة، أصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل "بيئة شعورية جاهزة"، يتلقاها كما يتلقى الأخبار، ثم يعيد إنتاجها بشكل غير واعي.
هذه الظاهرة يمكن أن نسميها: المشاعر المستعارة (Borrowed Emotions)، فعندما نرى مشهدًا حزينًا نحزن، أو نتابع قصة مؤثرة فنشعر بثقلٍ في القلب، أو نشارك فرحًا لا يخصنا فنبتسم كأننا جزء منه. ومع تكرار ذلك بشكل يومي، تتشكل مشاعرنا تدريجيًا من خلال ما يصل إلينا، لا من خلال ما نمر به فعليًا فقط، وكأننا نستعير إحساسنا من العالم دون أن ننتبه.
ولفهم ظاهرة المشاعر المستعارة، يمكن النظر إلى طبيعة الإنسان نفسه. فالعقل البشري ليس منفصلًا عما يراه حوله، بل يتأثر به بشكل عميق. منذ سنوات طويلة، وأشار علم النفس إلى أن المشاعر يمكن أن تنتقل بين الناس دون وعي مباشر، فيما يُعرف ب ـ"عدوى المشاعر". فيكفي أن تجلس مع شخص حزين لفترة، حتى يتسلل إليك شعور مشابه دون أن تشعر، وكذلك الفرح والقلق والارتباك، ومع تطور الحياة الرقمية، لم يعد هذا الانتقال يحدث في المكان فقط، بل أصبح يحدث عبر الشاشة، حيث تنتقل الانفعالات من ملايين الأشخاص إلينا في اليوم الواحد.
ومع التدفق الهائل من المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الإنسان يتعرض لموقف أو اثنين في اليوم، بل لعشرات وربما مئات المشاهد العاطفية المختلفة في وقت قصير. خبر هنا، فيديو هناك، قصة نجاح، مأساة، لحظة فرح، لحظة فقد، وكلها تمر أمامه بسرعة كبيرة، لكنها تترك أثرًا داخليًا متراكمًا، حتى وإن لم ينتبه هو لذلك. وهكذا تبدأ مشاعره في التشكّل بطريقة غير مباشرة.
ومع مرور الوقت، يمكن ملاحظة تغير خفي في طبيعة الإحساس نفسه. فالحزن أصبح يظهر بسرعة، لكنه لا يستمر طويلًاـ والتعاطف أصبح واسعًا لكنه متقطع. والفرح قد يأتي فجأة من مشهد لا علاقة له بالحياة الشخصية، ثم يختفي أيضًا بسرعة، هذه السرعة في تبدّل المشاعر لا تعني غياب الإحساس، لكنها تشير إلى أن الإحساس أصبح مرتبطًا بالمثير الخارجي أكثر من التجربة الداخلية المستمرة.
وفي هذا السياق، يصبح من الصعب أحيانًا على الإنسان أن يميز بين ما يشعر به فعلًا، وما تم زرعه فيه عبر التكرار والمشاهدة. فهناك لحظات نظن فيها أننا حزينون بسبب أمر شخصي، بينما يكون السبب الحقيقي هو تراكم مشاهد مؤثرة شاهدناها خلال اليوم. وهناك لحظات نشعر فيها بالفرح أو الامتلاء العاطفي، لكنه فرح مستمد من نجاحات الآخرين أو قصصهم، لا من تجربة تخصنا نحن.
ورغم ذلك، فإن هذه المشاعر ليست وهمًا أو غير حقيقية. فهي حقيقية بكل معنى الكلمة، لكنها مؤقتة وسريعة الزوال، لأنها لم تنشأ من تجربة شخصية مباشرة، بل من تأثير ما نراه ونسمعه ونعيشه بشكل غير مباشر عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي. ولا يكون مصدر هذا الإحساس دائمًا داخليًا، بل من الخارج الذي يفرض حضوره بقوة، ويعيد تشكيل ردود فعلنا العاطفية بشكل مستمر.
وهنا يتضح التناقض: فنحن لا نتخيل مشاعرنا، لكننا أيضًا لا نعيشها دائمًا من مصدرها الأصلي.
ومع هذا التداخل المستمر بين الداخل والخارج، يصبح الإنسان محاطًا بسيل من الإحساسات التي تتبدل باستمرار، دون أن يملك دائمًا فرصة للتوقف أو الفهم. فيشعر أنه متأثر طوال الوقت، لكنه لا يعرف بدقة لماذا، أو من أين جاء هذا التأثر.
وهنا يظهر سؤال: هل ما نشعر به هو انعكاس لحياتنا، أم انعكاس للعالم الذي نراه أكثر مما نعيش؟ وهل بقيت مشاعرنا ملكًا لنا وحدنا، أم أصبحت جزءًا من تدفق الأحاسيس الجاهزة التي نتلقاها كل يوم دون وعي؟
وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان إلى أن يقلل من مشاعره، بقدر ما يحتاج إلى أن يهدأ قليلًا أمام هذا السيل المتواصل، ليعيد التمييز بين ما هو شعوره الحقيقي، وما هو مجرد صدى للعالم من حوله، قبل أن يضيع الحد الفاصل بين الاثنين دون أن يلاحظ.





