جريدة الديار
الأحد 1 نوفمبر 2026 04:35 مـ 21 جمادى أول 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
لدعم التوسع في قطاع السياحة.. الأهلي يشارك في تمويل مشترك ضمن تحالف بقيادة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار محافظ الفيوم يشارك الصيادين فرحتهم بافتتاح موسم الصيد ببحيرة قارون ”محافظ الدقهلية”: 3 جوائز ماسية وبلاتينية وذهبية لمستشفيات الدقهلية رئيس مياه الشرب بالإسكندرية يتفقد محطة المنشية 2 . تموين الدقهلية يضبط 1.5 طن طماطم فاسدة و1.5 طن دقيق وردة مجهولة المصدر و120 مخالفة تموينية في يوم واحد محافظ البحيرة ورئيس هيئة الخدمات البيطرية وممثل منظمة وفد منظمة الأغذية والزراعة يتابعون الخدمات البيطرية المجانية المقدمة للمربين محافظ بورسعيد يتابع الإنتاج بالمنطقة الصناعية مديرية الزراعة بالمنوفية تطلق مبادرة رئاسية لدعم صغار مزارعي القمح بخصم 50% على خدمات الميكنة الزراعية لبحث دعم وتنمية الثروة محافظ البحيرة تستقبل رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية ووفد منظمة «الفاو» الرئيس عبد الفتاح السيسي يكتب عبر صفحته على الفيس بوك رئيس جامعة المنصورة يعقد اجتماعًا موسعًا لمتابعة الخطوات التنفيذية لمشروع الجامعة الرائدة عالميًا TIER1 وكيل وزارة التعليم بالدقهلية يختبر مستوى الطلاب داخل الفصول بمدرسة الشهيد أحمد البلتاجي الابتدائية

مها بسطاوي تكتب: نحن نُربي أبناءنا على الفشل ثم نلومهم عليه

كل يوم نسمع الشكوى نفسها: الجيل الحالي ضعيف، الشباب لا يتحملون المسؤولية، لا يريدون العمل، ويفشلون عند أول أزمة. نردد هذه العبارات وكأن المشكلة ظهرت فجأة من العدم، وكأن هؤلاء الشباب لا علاقة لنا بتكوينهم أو تشكيل شخصياتهم. لكن السؤال الذي يخشاه كثيرون هو: من الذي ربّى هؤلاء؟
الحقيقة التي لا يحب المجتمع مواجهتها هي أننا في كثير من الأحيان نُربي أبناءنا على الفشل منذ سنواتهم الأولى، ثم نقف مدهوشين عندما تظهر نتائج هذه التربية. نزرع الخوف وننتظر الشجاعة، ونزرع التبعية وننتظر القيادة، ونكافئ الحفظ ونعاقب التفكير، ثم نتساءل لماذا لا يوجد إبداع.

نقتل الفضول قبل أن يتعلم المشي
الطفل يولد فضوليًا بطبيعته. يريد أن يلمس كل شيء ويسأل عن كل شيء ويجرب كل شيء. الفضول ليس سلوكًا يتعلمه الطفل، بل غريزة فطرية داخله. لكنه يصطدم سريعًا بعبارات مثل: "اسكت"، و"متسألش كتير"، و"اعمل اللي بنقولك عليه". ومع الوقت يتعلم أن السؤال ليس مرغوبًا فيه، وأن التفكير قد يجلب له المشكلات، وأن الطريق الأسهل هو الصمت. وبدل أن نُربي عقلًا يبحث عن المعرفة، نُربي شخصًا ينتظر التعليمات. ثم بعد سنوات نتساءل لماذا ليست لديه مبادرة أو قدرة على الإبداع.

الخوف من الخطأ
من أكبر الكوارث التربوية أننا نتعامل مع الخطأ كجريمة. إذا كسر الطفل شيئًا نعاقبه، وإذا أخطأ في إجابة نسخر منه، وإذا فشل في تجربة نوبخه. وهكذا يرتبط الخطأ في ذهنه بالألم والخوف والإهانة. والمفارقة أن النجاح نفسه لا يأتي إلا بعد سلسلة طويلة من الأخطاء. لكننا نعلم أبناءنا أن السلامة أهم من التجربة، وأن تجنب الفشل أهم من السعي للنجاح. لذلك يكبر كثير منهم وهم يخافون من اتخاذ القرارات أو خوض المغامرات الجديدة، ليس لأنهم عاجزون، بل لأنهم تعلموا أن الخطأ ثمنه باهظ.

مدرسة تصنع الحفظ لا الفهم
يدخل الطفل المدرسة وهو ممتلئ بالأسئلة، لكنه يخرج منها في كثير من الأحيان وقد تعود على الحفظ والتلقين. المطلوب منه أن يتذكر الإجابة الصحيحة لا أن يفهمها، وأن يكرر المعلومة لا أن يناقشها، وأن ينجح في الامتحان لا أن ينجح في الحياة. يكبر مقتنعًا أن الذكاء يعني القدرة على استرجاع المعلومات، بينما العالم الحقيقي يكافئ شيئًا مختلفًا تمامًا، وهو القدرة على التفكير وحل المشكلات. لذلك نجد أحيانًا أن المتفوق دراسيًا لا يحقق النجاح المتوقع، بينما ينجح شخص آخر لم يكن صاحب أعلى الدرجات، لأن الحياة لا تشبه ورقة الامتحان.

المقارنة التي تدمر الثقة
من أكثر الجمل تدميرًا للأطفال: "شوف ابن عمك"، أو "بنت الجيران أشطر منك"، أو "أخوك أحسن منك". يظن كثير من الآباء أنهم يحفزون أبناءهم بهذه العبارات، لكن الطفل يسمع رسالة مختلفة تمامًا. يسمع أنه غير كافٍ، وأن قيمته أقل من الآخرين، وأن عليه أن يتحول إلى شخص آخر كي يستحق التقدير. ومع تكرار المقارنة تنمو بداخله مشاعر النقص، ويفقد ثقته بنفسه، ويصبح نجاح الآخرين مصدر تهديد بدل أن يكون مصدر إلهام.

الطاعة المطلقة ليست فضيلة
كثير من الأسر تفتخر بالطفل الذي لا يجادل ولا يناقش وينفذ كل الأوامر فورًا. لكن كيف سيتعلم اتخاذ القرار إذا كان كل قرار يُتخذ نيابة عنه؟ وكيف سيتحمل المسؤولية إذا لم يُسمح له بالاختيار؟ هناك فرق كبير بين الاحترام وبين تحويل الأبناء إلى تابعين. فالإنسان لا يتعلم القيادة إلا عندما يُمنح مساحة للتفكير والاختيار والخطأ.

الخوف المغلف بالحب
كثير من الآباء والأمهات يفعلون كل شيء بدافع الحب. لكن بعض أخطر أنواع التربية تأتي أحيانًا من أفضل النوايا. فبدافع الخوف يحاولون حماية أبنائهم من كل تجربة صعبة، فيختارون لهم الأصدقاء والتخصصات وأحيانًا الأحلام نفسها. لكن الإنسان لا ينضج بالحماية المستمرة، بل ينضج عندما يجرب ويتحمل نتائج اختياراته. وعندما نزيل كل العقبات من طريق أبنائنا، فإننا لا نصنع حياة أسهل لهم، بل نصنع أشخاصًا أقل قدرة على مواجهة الحياة.

النجاح كما يراه المجتمع
لدينا تعريف ضيق جدًا للنجاح: درجات مرتفعة، وظيفة مرموقة، وراتب جيد. لكن ماذا عن السعادة؟ ماذا عن الرضا النفسي؟ ماذا عن الإبداع والاستقلالية؟ كثيرون يقضون حياتهم في وظائف لم يختاروها أو تخصصات لا يحبونها فقط لأن المجتمع أقنعهم أن هذا هو طريق النجاح الوحيد. وهكذا يبدون ناجحين في نظر الناس بينما يشعرون بالهزيمة في أعماقهم.

لماذا نخاف من الفشل؟
عندما يتعلم الطفل المشي يسقط عشرات المرات، ولا أحد يصفه بالفاشل. الجميع يدرك أن السقوط جزء من عملية التعلم. لكن عندما يكبر يتغير كل شيء، ويصبح الفشل فضيحة والخطأ وصمة. لهذا يفضل كثير من الشباب البقاء داخل منطقة الأمان، فلا يبدأون مشاريع جديدة ولا يجربون أفكارًا مختلفة. إنهم لا يخشون الفشل نفسه، بل يخشون نظرة المجتمع إلى الفشل.

وفي النهاية...
عندما نقول إن الشباب ضعفاء أو مترددون أو خائفون من المسؤولية، علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا سؤالًا صعبًا: من الذي علّمهم ذلك؟ ربما تكون الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من المشكلات التي نراها اليوم ليست عيوبًا وُلد بها الأبناء، بل نتائج طبيعية لسنوات من التربية القائمة على الخوف والمقارنة والطاعة العمياء.
لقد طلبنا منهم ألا يخطئوا، فخافوا من التجربة. وطلبنا منهم ألا يعترضوا، فتخلوا عن آرائهم. وطلبنا منهم ألا يختلفوا، فتشابهوا جميعًا. ثم استغربنا أنهم لا يعرفون كيف يعيشون حياتهم بأنفسهم. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا يفشل بعض أبنائنا؟ بل: كيف ساهمنا نحن في صناعة هذا الفشل؟ لأن الأجيال لا تُولد ناجحة أو فاشلة، بل تُصنع، ونحن أول المشاركين في هذه الصناعة.