جريدة الديار
الجمعة 25 سبتمبر 2026 11:08 صـ 13 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

مها بسطاوي تكتب: مسجد الطرطوشي.. حين تحوّل بيت عالم أندلسي إلى صفحة خالدة في تاريخ الإسكندرية

في مدينة اعتادت عبر تاريخها الطويل أن تستقبل التجار والرحالة والعلماء من كل بقاع الأرض، تقف بعض الأماكن شاهدة على قصص أشخاص عبروا البحار ولم يغادروا الذاكرة. ومن بين هذه الأماكن يبرز مسجد الطرطوشي في قلب الإسكندرية القديمة، ليس باعتباره مجرد مسجد أثري أو ضريحًا لعالم من علماء الإسلام، بل باعتباره رمزًا لمرحلة كاملة من تاريخ المدينة، حين كانت الإسكندرية مركزًا للعلم ومقصدًا للدارسين وموطنًا لرجال الفكر الذين تركوا بصماتهم في الحياة الدينية والثقافية للعالم الإسلامي.

وعندما يزور المرء المسجد اليوم، قد يرى بناءً تاريخيًا هادئًا وسط أحياء الإسكندرية القديمة، لكنه ربما لا يدرك أن هذا المكان يخفي وراء جدرانه حكاية امتدت قرابة ألف عام، تبدأ في أقصى الغرب الإسلامي، في بلاد الأندلس، وتنتهي على شاطئ البحر المتوسط بمدينة الإسكندرية، حيث اختار أحد أشهر علماء عصره أن يقيم وينشر العلم ويُدفن في الأرض التي أحبها حتى صار اسمه جزءًا من تاريخها.

ينسب المسجد إلى الإمام أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي، أحد كبار فقهاء المذهب المالكي في القرن الخامس والسادس الهجريين. وقد ولد في مدينة طرطوشة بالأندلس نحو سنة 451هـ، ومنها أخذ لقبه الذي اشتهر به في كتب التاريخ والتراجم. وكانت طرطوشة آنذاك إحدى المدن المهمة في الأندلس الإسلامية، حيث نشأ الطرطوشي في بيئة علمية ساعدته على تلقي علومه الأولى قبل أن ينطلق في رحلة طويلة من الرحلات التي اشتهر بها علماء المسلمين في طلب العلم.

لم يكن طلب العلم في ذلك العصر أمرًا سهلًا، فالعلماء كانوا يقطعون آلاف الكيلومترات سيرًا أو بحرًا من أجل الاستماع إلى شيخ أو دراسة كتاب أو مناقشة مسألة علمية. ولهذا غادر الطرطوشي الأندلس وهو في مقتبل العمر، متنقلًا بين المدن الإسلامية الكبرى، فزار مكة المكرمة وأقام بها فترة، ثم اتجه إلى بغداد والبصرة والشام وبيت المقدس، والتقى عددًا من كبار علماء عصره، واكتسب خبرات علمية وفكرية واسعة جعلته من أبرز شخصيات زمانه.

وبعد سنوات من الترحال والاستزادة من العلم، وصل الطرطوشي إلى الإسكندرية في أواخر القرن الخامس الهجري. ولم تكن الإسكندرية آنذاك مجرد ميناء تجاري، بل كانت مدينة نابضة بالحياة الفكرية والعلمية، يقصدها طلاب العلم من مختلف الأقاليم. وقد وجد الطرطوشي في هذه المدينة بيئة مناسبة لنشاطه العلمي، فاختار أن يستقر فيها ويجعلها موطنه الدائم بعد رحلة طويلة لم يعرف فيها الاستقرار.

جاء الطرطوشي إلى مصر خلال العصر الفاطمي، وهي فترة شهدت تحولات سياسية ومذهبية مهمة. وكان المناخ الفكري في البلاد يشهد نقاشات مذهبية متعددة، الأمر الذي جعل وجود عالم بحجم الطرطوشي حدثًا مهمًا داخل المدينة. واستطاع خلال فترة قصيرة أن يجذب الانتباه إليه بفضل علمه الواسع وشخصيته المؤثرة وقدرته على التدريس والإقناع، حتى أصبح واحدًا من أبرز العلماء الموجودين في الإسكندرية آنذاك.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن الطرطوشي تزوج من سيدة من أهل الإسكندرية كانت تملك منزلًا منحته له، فاستغل هذا المنزل بطريقة تعكس طبيعة شخصيته ورسالة حياته. لم يحوله إلى مقر للراحة أو المعيشة فقط، بل خصص جزءًا منه للتعليم والتدريس، فأصبح المكان ملتقى للطلاب والراغبين في دراسة الفقه والعلوم الشرعية. ومع مرور الوقت تحولت هذه المدرسة الصغيرة إلى مركز علمي مؤثر داخل المدينة.

كانت حلقات العلم التي يعقدها الطرطوشي تجذب أعدادًا كبيرة من الطلاب، حتى أصبح له تلاميذ كثر نقلوا أفكاره وتعاليمه إلى مناطق مختلفة من العالم الإسلامي. وقد اشتهر بأسلوبه الواضح في التدريس واعتماده على النقاش والاستدلال، وهو ما جعل تأثيره لا يقتصر على الإسكندرية وحدها، بل يمتد إلى دوائر علمية أوسع في مصر وخارجها.

ولم يكن الطرطوشي مجرد مدرس للفقه، بل كان مؤلفًا ومفكرًا أيضًا. فقد ترك عددًا من المصنفات التي تناولت موضوعات الدين والسياسة والأخلاق والإصلاح الاجتماعي. ويُعد كتابه الشهير "سراج الملوك" من أهم الأعمال التي خلدت اسمه، إذ جمع فيه بين الخبرة السياسية والنصح الأخلاقي والتوجيه الفكري، وهو كتاب ظل موضع اهتمام الباحثين والمؤرخين لقرون طويلة.

لقد آمن الطرطوشي بأن العالم لا ينبغي أن ينعزل عن مجتمعه، ولذلك لم يكتف بالتدريس والتأليف، بل كان حاضرًا في قضايا عصره ومهتمًا بالشأن العام. وقد أكسبه ذلك مكانة كبيرة بين أهل الإسكندرية، الذين رأوا فيه نموذجًا للعالم الزاهد الذي يجمع بين المعرفة والعمل. ولهذا لم يكن غريبًا أن يصبح اسمه معروفًا في الأوساط الشعبية والعلمية على السواء.

ومع مرور السنوات، ترسخت علاقة الطرطوشي بالإسكندرية حتى أصبحت المدينة جزءًا من هويته. فبعد أن جاء إليها زائرًا ومستقرًا مؤقتًا، تحولت إلى وطنه الأخير. عاش فيها ما يقرب من ثلاثين عامًا، أنفقها في التدريس والتأليف وخدمة العلم، حتى وافته المنية سنة 520هـ. وكانت وفاته نهاية رحلة حافلة بالعطاء، لكنها لم تكن نهاية تأثيره.

دُفن الطرطوشي في منطقة كوم الناضورة، وهي منطقة تاريخية عرفت في ذلك الوقت بأهميتها وارتباطها بعدد من المدافن القديمة. وبعد وفاته أقيم فوق قبره بناء صغير تحول بمرور الزمن إلى مسجد وضريح يحملان اسمه. وهكذا انتقلت ذكرى الرجل من الكتب والمجالس إلى معلم عمراني وتاريخي ما زال قائمًا حتى اليوم.

ومع تعاقب القرون، شهد المسجد مراحل متعددة من التطوير والترميم. فالعوامل الطبيعية وتقلبات الزمن كانت كفيلة بإلحاق الضرر بأي مبنى أثري، إلا أن المسجد ظل يحظى باهتمام السلطات والسكان نظرًا لمكانته الدينية والتاريخية. وقد جرت له توسعات وترميمات في عصور مختلفة، كان من أبرزها ما تم في عصر الخديوي توفيق عندما أُعيد الاهتمام بعدد من المساجد التاريخية في مصر.

ويتميز المسجد اليوم بموقعه في منطقة الباب الأخضر بحي الجمرك، وهي منطقة تعد من أقدم مناطق الإسكندرية وأكثرها ارتباطًا بالمراحل التاريخية المختلفة للمدينة. فالزائر الذي يسير في شوارع الحي يشعر أنه يمر بين طبقات متراكمة من التاريخ، حيث تتجاور المباني القديمة والأسواق الشعبية والمساجد التاريخية في مشهد يعكس خصوصية الإسكندرية وتراثها المتنوع.

ولا تقتصر أهمية المسجد على قيمته المعمارية أو الدينية، بل تتجاوز ذلك إلى قيمته الحضارية. فهو يمثل شاهدًا على التواصل الثقافي بين الأندلس ومصر، وعلى حركة العلماء الذين كانوا ينتقلون بحرية بين أقاليم العالم الإسلامي. فلو لم يغادر الطرطوشي الأندلس، ولو لم تستقبله الإسكندرية، لما نشأت هذه القصة التي جمعت بين ضفتي البحر المتوسط في إطار علمي وحضاري واحد.

ومن المثير للاهتمام أن المسجد ما زال حتى اليوم مقصدًا للباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي، كما يحظى باهتمام عدد من الزوار القادمين من إسبانيا بسبب ارتباط صاحبه بمدينة طرطوشة الأندلسية. فبين الحين والآخر يزور المكان من يرغب في التعرف إلى سيرة هذا العالم الذي غادر وطنه منذ قرابة ألف عام، وما زال اسمه حاضرًا في الذاكرة التاريخية لكلا البلدين.

وتكمن فرادة المسجد في أنه لا يروي قصة مبنى بقدر ما يروي قصة إنسان. فالكثير من المساجد القديمة تُعرف بأسماء الحكام أو السلاطين الذين أمرو ببنائها، لكن مسجد الطرطوشي يرتبط بعالم عاش حياته في التدريس والتعليم. وبذلك أصبح تخليد ذكراه تعبيرًا عن تقدير المجتمع للعلم والعلماء، وهو تقليد حضاري يعكس المكانة الكبيرة التي احتلها أهل المعرفة في التاريخ الإسلامي.

وعندما نتأمل سيرة الطرطوشي ومسجده ندرك أن التاريخ لا يُصنع بالحروب والملوك وحدهم. فهناك رجال تركوا آثارهم من خلال الكتب والأفكار وتربية التلاميذ ونشر المعرفة. وربما كان تأثير هؤلاء أطول عمرًا من تأثير كثير من أصحاب السلطة والنفوذ. فالطرطوشي لم يؤسس دولة، ولم يقُد جيشًا، لكنه أسس مدرسة فكرية وعلمية جعلت اسمه باقيًا بعد قرون من وفاته.

إن مسجد الطرطوشي يذكرنا كذلك بالدور الثقافي الفريد الذي لعبته الإسكندرية عبر العصور. فقد كانت المدينة دائمًا نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين البحر والصحراء، وبين الثقافات والشعوب المختلفة. وفي هذا الإطار لم يكن وجود عالم أندلسي بها حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من طبيعتها كمدينة مفتوحة على العالم وقادرة على احتضان المواهب والعقول القادمة من بعيد.

كما يدفعنا المسجد إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتراث. فكثير من الناس يمرون يوميًا بجوار مبانٍ تاريخية دون أن يعرفوا القصص الإنسانية التي تختبئ خلفها. ولو عرف زائر المسجد اليوم حجم الرحلة التي قطعها صاحبه من الأندلس إلى الإسكندرية، وحجم الجهد الذي بذله في نشر العلم وتكوين أجيال من الطلاب، لوجد نفسه أمام تجربة مختلفة تمامًا عن مجرد زيارة مكان أثري.

لقد مرت على المسجد دول وسلالات وحكام وأحداث كبرى، من العصر الفاطمي إلى العصور اللاحقة، ومع ذلك بقي قائمًا يؤدي رسالته ويحتفظ باسم صاحبه. وهذه الاستمرارية تمنحه قيمة معنوية كبيرة، لأنه يمثل حلقة وصل بين أجيال متعاقبة عاشت في المدينة نفسها واختلفت ظروفها وأزمانها.

وفي النهاية، فإن مسجد الطرطوشي ليس مجرد معلم أثري من معالم الإسكندرية، بل هو قصة علم وهجرة واستقرار وعطاء. إنه شاهد على عالم أندلسي جاء إلى مصر باحثًا عن المعرفة وناشرًا لها، فوجد في الإسكندرية موطنًا جديدًا ووجدت فيه المدينة واحدًا من أبرز علمائها. وبين جدران هذا المسجد تختبئ ذاكرة قرون طويلة من التاريخ، تذكرنا بأن الأمم لا تبنى بالحجارة وحدها، بل تبنى أيضًا بالأفكار والعلماء والرجال الذين يتركون خلفهم أثرًا يستمر بعد رحيلهم بقرون طويلة.