مدحت الشيخ يكتب: كفاية يا حكومة
ليست كل صرخة غضب دعوة إلى الفوضى، وليست كل شكوى اعتراضًا على الدولة، وليس كل مواطن يرفع صوته في مواجهة الغلاء وضغوط المعيشة يريد صدامًا أو مواجهة.
أحيانًا تكون الصرخة الأخيرة محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يتحول الاحتقان إلى شعور أعمق بالعجز.
ولهذا أقولها بوضوح: كفاية يا حكومة.
كفاية تحميلًا للمواطن فوق طاقته، وكفاية النظر إلى الأزمات من أعلى المكاتب ومن خلال الأرقام والجداول فقط.
فالأرقام، مهما كانت دقيقة، لا تستطيع وحدها أن تحكي قصة بيت يحاول رب الأسرة أن يوزع دخله على احتياجات لم تعد تنتظر نهاية الشهر.
هناك فرق كبير بين أن تقول إن الاقتصاد يواجه ظروفًا صعبة، وبين أن تترك المواطن وحده في مواجهة نتائج هذه الظروف.
نعم، هناك أزمات دولية وتقلبات في الأسواق وارتفاع في تكاليف الطاقة والنقل والاستيراد، وتداعيات لأحداث إقليمية ودولية لا تملك الدولة وحدها التحكم فيها.
لكن المواطن لا يعيش داخل نشرات الاقتصاد العالمية.
هو يعيش في السوق، ويدفع فاتورة الكهرباء، ويشتري الطعام، ويتحمل تكاليف المواصلات والتعليم والعلاج، ويحاول أن يحافظ على الحد الأدنى من استقرار أسرته.
وهنا يجب أن تتغير زاوية النظر.
المواطن لا يريد من الحكومة أن تمنحه حياة بلا أزمات، فهذا غير موجود في أي دولة، لكنه يريد أن يرى عدالة في توزيع تكلفة الأزمة، وكفاءة في إدارة الموارد، ورقابة حقيقية على الأسواق، ووضوحًا في القرارات، وسرعة في التدخل عندما تتحول الظروف الاقتصادية إلى ضغط يومي على الناس.
المشكلة ليست في أن تطلب من المواطن التحمل مرة، وإنما في أن يصبح التحمل هو الحل الدائم.
ليس منطقيًا أن تكون الإجابة على كل أزمة: اصبروا.
الصبر قيمة، لكنه ليس سياسة اقتصادية.
والتحمل فضيلة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن الإصلاح.
والمواطن الذي تحمل كثيرًا من أجل بلده يريد أن يرى في المقابل إدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على حماية محدودي ومتوسطي الدخل، وأسواقًا لا تترك مساحة للاستغلال والمبالغة.
الأخطر من ارتفاع الأسعار هو أن يفقد المواطن إحساسه بأن هناك من يراقب المشهد من أجله.
فالأسعار حين ترتفع مرة يمكن تفسيرها، وحين ترتفع ثانية يمكن احتمالها، لكن عندما يشعر المواطن أن دخله يتآكل باستمرار بينما احتياجاته تتسع، يبدأ السؤال الأصعب:
إلى متى؟
وهذا السؤال لا ينبغي تجاهله.
الحكومة ليست مطالبة بأن ترضي الجميع، ولا يمكن لأي حكومة أن تمنع كل الأزمات، لكنها مطالبة بأن تقنع الناس بأن القرارات الصعبة جزء من طريق واضح، وأن هناك نهاية يمكن الوصول إليها، وأن ثمار الإصلاح لن تظل دائمًا مؤجلة.
المواطن يريد أن يعرف: ماذا بعد؟
ماذا بعد ارتفاع الأسعار؟
ماذا بعد زيادة تكلفة الخدمات؟
ماذا بعد تراجع القدرة الشرائية؟
ومتى يشعر المواطن العادي بأن الإصلاح الاقتصادي انتقل من لغة المؤشرات إلى حياته اليومية؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى بيانات إنشائية، وإنما تحتاج إلى إجابات صريحة.
نحن في حاجة إلى حكومة لا تخشى الاعتراف بأن بعض السياسات تحتاج إلى مراجعة، وأن بعض القرارات قد تحتاج إلى إعادة تقييم، وأن النجاح الحقيقي ليس في تمرير القرار، وإنما في قياس أثره على المجتمع.
فالحكم الرشيد لا يعني أن الحكومة لا تخطئ، وإنما يعني أنها تملك الشجاعة لتصحح المسار عندما يظهر أثره.
كما أن مواجهة الغلاء لا تكون فقط بإطلاق المبادرات أو افتتاح المنافذ، وإنما بمنظومة متكاملة تضبط الأسواق، وتمنع الاحتكار، وتواجه التلاعب، وتضمن وصول السلع إلى المواطن بسعر عادل، وتربط بين زيادة الأسعار ومستوى الدخول وفرص العمل والإنتاج.
فالاقتصاد في النهاية ليس مجرد مؤشرات تتحسن على الورق.
الاقتصاد هو حياة الناس.
إذا تحسن المؤشر ولم يتحسن إحساس المواطن بالأمان المعيشي، فهناك فجوة تحتاج إلى تفسير.
وإذا زادت المشروعات بينما ظل المواطن البسيط يبحث عن مساحة أوسع داخل دخله، فهناك حاجة إلى إعادة النظر في ترتيب الأولويات الاجتماعية.
الدولة القوية ليست التي تطلب من مواطنيها الصمت، وإنما التي تستطيع أن تسمعهم حتى عندما يكون كلامهم قاسيًا.
والحكومة الناجحة ليست التي تبرر كل قرار، وإنما التي تشرح، وتقنع، وتراجع، وتصحح.
لذلك فإن «كفاية يا حكومة» ليست دعوة إلى الهدم، وإنما دعوة إلى الإنصات.
إنها رسالة تقول إن الناس تريد أن ترى أثرًا مباشرًا للسياسات على حياتها، تريد سوقًا أكثر انضباطًا، وخدمات أكثر كفاءة، وفرصًا حقيقية، ودخلًا قادرًا على مواجهة متطلبات الحياة، وإدارة تشعر بأن المواطن شريك في الوطن وليس مجرد طرف يتحمل تكلفة القرارات.
وفي النهاية، لا يمكن بناء الثقة بالبيانات وحدها.
الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن شكواه تصل، وأن المسؤول يعرف تفاصيل معاناته، وأن القرارات لا تُتخذ بعيدًا عن واقع الشارع.
لقد تحمل المواطن كثيرًا.
وحان الوقت لأن يكون السؤال داخل أروقة الحكومة ليس فقط:
كم حققنا من مؤشرات؟
بل أيضًا:
كم خففنا عن الناس؟
وكم أسرة أصبحت أكثر قدرة على مواجهة الغد؟
وكم مواطنًا يشعر اليوم أن الدولة تقف إلى جواره؟
تلك هي الأرقام التي يجب أن تكون حاضرة في كل حسابات الإصلاح.
أما المواطن، فكل ما يطلبه في النهاية ليس المستحيل.
يريد أن يعيش بكرامة، وأن يخطط لغده، وأن يشعر أن تعبه له قيمة، وأن يكون لديه يقين بأن الدولة لا تطلب منه التحمل إلى ما لا نهاية.
كفاية يا حكومة...
فالمواطن يستطيع أن يتحمل الصعب، لكنه يحتاج أن يرى في نهاية الطريق ما يستحق كل هذا التحمل.





