جريدة الديار
الثلاثاء 7 يوليو 2026 02:29 صـ 21 محرّم 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
مها بسطاوي تكتب: النوبة وطن يحمل في القلب قبل أن يسكن على الأرض سقوط صانعة المحتوى الخادش للحياء شرق الإسكندرية رئيس جامعة المنصورة الأهلية يعقد اجتماعًا لمناقشة خطة صيانة وتطوير الإسكان الجامعي والارتقاء بالخدمات المقدمة للطلاب المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة: حزمة مبادرات وبرامج نوعية لتمكين ذوي الهمم وبناء قدراتهم في النصف الأول من 2026 141 ألف مستفيد من أنشطة قصور الثقافة بالمنيا وضواحيها خلال عام البنك الأهلي الأول في السوق المصرفي المصري كوكيل للتمويل ومرتب رئيسي ومسوق للتمويل رسميًا.. برشلونة يضم بطل مونديال 2014 إلى جهاز هانز فليك تأجيل استئناف الـ3 طالبات المتهمات بالتعدي على زميلتهن فى مدرسة التجمع القبض على المتهمين بالتعدى على سيدة بشومة داخل محل بالشرقية وزير التعليم العالي يغادر إلى أوزبكستان للمشاركة في المنتدى الإسلامي الدولي الأول للحضارة الإسلامية مصرع شخص في إنهيار عقار قديم ببحري ...وقرار هدم سابق يثير التساؤلات جهز ورقك.. خطوات تحويل العداد الكودي إلى قانوني ورابط التقديم

مها بسطاوي تكتب: النوبة وطن يحمل في القلب قبل أن يسكن على الأرض

هناك أماكن يزورها الإنسان فيغادرها، وهناك أماكن تغادره فلا تغيب عنه أبدًا. والنوبة من الأماكن التي لا تُقاس مساحتها على الخرائط، بل بما تتركه في الوجدان من أثر. فهي ليست مجرد بقعة جغرافية على ضفاف النيل، ولا فصلًا من فصول التاريخ يُقرأ ثم يُطوى، وإنما حكاية ممتدة، كتبتها أجيال متعاقبة بلغتها، وأغانيها، وبيوتها، وعاداتها، حتى أصبحت الثقافة فيها وطنًا موازيًا للأرض.

في السابع من يوليو من كل عام، يحتفل أبناء النوبة باليوم العالمي للنوبة، اعتزازًا بإرث حضاري عريق لم تصنعه المعابد وحدها، بل صنعه الإنسان النوبي الذي أدرك منذ آلاف السنين أن الحضارة ليست ما يُشيَّد بالحجارة فقط، وإنما ما يُبنى في الضمير ويُورَّث للأبناء. لذلك لا يمثل هذا اليوم مناسبة عابرة في التقويم، بقدر ما يمثل وقفة مع حضارة استطاعت أن تحافظ على ملامحها، رغم ما مرت به من تحولات كبرى.

عرفت النوبة منذ فجر التاريخ بوصفها أحد أهم المراكز الحضارية في وادي النيل، وكانت أرضًا التقت فيها طرق التجارة، وتعاقبت عليها الممالك، وتبادلت مع مصر وعمق إفريقيا التأثير والتأثر. ومن ممالك كرمة ونبتة ومروي، إلى الممالك النوبية المسيحية، ظلت هذه الأرض تؤدي دورًا حضاريًا بارزًا، وتقدم نموذجًا لمجتمع استطاع أن يصنع هويته دون أن يفقد انفتاحه على الآخرين.

وقد سجل عدد من الجغرافيين والمؤرخين المسلمين ملامح الحياة في النوبة، فكتب الشريف الإدريسي عن خصوبة أرضها ووفرة نخيلها، بينما نقل ابن سليم الأسواني كثيرًا من عادات أهلها ونظمهم الاجتماعية، وهي شهادات تؤكد أن النوبة لم تكن يومًا أرضًا هامشية، بل كانت مجتمعًا نابضًا بالحياة، له خصوصيته الثقافية ونظامه الاجتماعي المميز.

ورغم أن التاريخ الحديث حمل للنوبة تحديًا كبيرًا مع تهجير أهلها بعد إنشاء السد العالي، فإن ما حدث أثبت أن الهوية ليست أسوارًا من الطين أو الحجر، بل قيمًا تسكن الإنسان. فقد انتقلت الأسر إلى أماكن جديدة، لكن اللغة بقيت، والأغنية بقيت، والعادات بقيت، والألوان التي زينت البيوت القديمة وجدت طريقها إلى البيوت الجديدة، وكأن النوبيين حملوا وطنهم معهم، ولم يتركوه خلفهم.

الثقافة... لغة الحياة وروحها

من الصعب أن تختصر الثقافة النوبية في عنصر واحد، لأنها نسيج متكامل تتداخل فيه اللغة مع الموسيقى، والطعام مع الضيافة، والعمارة مع البيئة، والحكاية مع التاريخ. فكل تفصيلة صغيرة في الحياة اليومية تحمل أثر قرون طويلة من التراكم الحضاري.

وتأتي اللغة النوبية في مقدمة هذا الإرث، فهي ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل وعاء للذاكرة الشعبية، تحفظ أسماء الأماكن، والأغنيات، والأمثال، والحكايات التي تناقلتها الأجيال. وبرغم ما واجهته من تحديات، فإنها ما زالت حية على ألسنة كثير من أبناء النوبة، كما ظهرت مبادرات شبابية تسعى إلى تعليمها وتوثيقها، إيمانًا بأن اللغة حين تضعف، يضعف معها جزء من هوية أصحابها.

ولا تقل العمارة النوبية جمالًا عن اللغة. فالبيت النوبي يبدو وكأنه لوحة فنية تتنفس. جدران بيضاء تزينها ألوان زاهية، ورسوم للنخيل والطيور وأمواج النيل، وقباب صُممت لتلائم حرارة المناخ، وساحات داخلية تستقبل الضوء والهواء. إنها عمارة لم تنفصل يومًا عن البيئة، بل جاءت امتدادًا لها، حتى بدا كل بيت وكأنه يحكي قصة الأسرة التي تسكنه.

وفي النوبة لا تُستخدم الألوان للزينة وحدها، بل للتعبير عن الفرح والأمل والانتماء. ولذلك يشعر الزائر منذ اللحظة الأولى أنه أمام قرية لا تزينها البيوت، بل يزينها أهلها، بما يحملونه من بساطة وابتسامة وكرم أصبح جزءًا أصيلًا من صورتهم في الوجدان المصري.

حين تروي المائدة والأغنية حكاية الوطن

إذا كانت اللغة تحفظ ذاكرة الشعوب، فإن الطعام يحفظ ملامح حياتها. والمائدة النوبية ليست مجرد مكان تجتمع حوله الأسرة، بل مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالمحبة، وتنتقل عبرها العادات من جيل إلى آخر دون حاجة إلى كتب أو وثائق.

ارتبط المطبخ النوبي ببيئته، فالنيل كان مصدرًا للحياة، والنخيل رمزًا للعطاء، والأرض شريكًا في صناعة تفاصيل اليوم. ولهذا جاءت الأكلات النوبية بسيطة في مكوناتها، لكنها غنية بقيمتها وبما تحمله من دلالات اجتماعية. ومن أشهرها الكابد، والإتر، والويكة، والعصيدة، إلى جانب الخبز النوبي الذي ما زالت كثير من السيدات يخبزنه بالطريقة التقليدية، وكأن كل رغيف يحمل معه شيئًا من رائحة البيوت القديمة.

ويحتل التمر مكانة خاصة في الثقافة النوبية، فهو أكثر من محصول زراعي؛ إنه رفيق الحياة اليومية، وحاضر في الضيافة والمناسبات، كما أن الأسماك، التي منحها النيل لأبنائه، ظلت عنصرًا أساسيًا في المائدة النوبية، تُعد بطرق توارثتها الأسر جيلاً بعد جيل.

وللمشروبات أيضًا مكانة خاصة في الحياة النوبية، إذ ترتبط بالضيافة والتجمعات العائلية ارتباطًا وثيقًا. ويأتي الشاي باللبن في مقدمة هذه المشروبات، حتى يكاد يكون أحد الرموز اليومية للبيت النوبي. ف

قلما تخلو جلسة بين أفراد الأسرة، أو زيارة بين الجيران، أو استقبال للضيوف من أكواب الشاي باللبن التي تُقدَّم بمحبة وترحاب. ولا يُنظر إليه بوصفه مجرد مشروب، بل باعتباره جزءًا من طقس اجتماعي يجمع الناس حول الحديث والذكريات وتبادل الأخبار.

ويرتبط حب النوبيين للشاي باللبن بما يمثله من دفء وألفة؛ فهو حاضر في الصباح مع بداية اليوم، وحاضر في المساء حين تجتمع الأسرة بعد عناء العمل، كما يرافق المناسبات والأفراح واللقاءات العائلية. وكثيرًا ما يُعد بعناية وفق عادات متوارثة، حتى أصبح مذاقه جزءًا من ذاكرة المكان، تمامًا كالأغنية النوبية ورائحة الخبز الطازج.

وإلى جانب الشاي باللبن، عرفت النوبة عددًا من المشروبات التقليدية التي ارتبطت ببيئتها الزراعية وعاداتها الاجتماعية، ومن أشهرها الإبرية، ذلك المشروب التراثي الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالمناسبات وشهر رمضان، وأصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية لأبناء النوبة.

وتحرص كثير من الأسر على إعداد الإبرية بالطريقة التي توارثتها عن الآباء والأجداد، ليس فقط لما تتميز به من مذاق خاص، بل لأنها تمثل امتدادًا لعادات وتقاليد حافظت عليها الأجيال عبر الزمن. كما تحضر مشروبات أخرى مثل الكركديه والحلبة وبعض المشروبات المرتبطة بالتمر ومنتجات النخيل، إلا أن الشاي باللبن ظل الأقرب إلى القلوب والأكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية.

لكن ما يميز الطعام في النوبة ليس تنوعه، وإنما الروح التي يقدم بها. فالضيف يحظى بمكانة كبيرة، ويُستقبل بترحاب صادق، حتى أصبحت الضيافة إحدى السمات التي يُعرف بها المجتمع النوبي. وهناك مثل نوبي متوارث يقول إن البيت الذي يدخله الضيف تدخله البركة.

وإذا كانت المائدة تحكي جانبًا من الحكاية، فإن الموسيقى تكمل بقية الفصول. فمنذ القدم، رافقت الأغنية النوبية الإنسان في عمله، وفي أفراحه، وفي لحظات الحنين، حتى أصبحت سجلًا شفهيًا يحفظ اللغة والذكريات. وما إن تبدأ الإيقاعات حتى تتحول الساحات إلى مساحات للفرح، حيث تمتزج أصوات الدفوف بخطوات الرقصات الشعبية التي يؤديها الجميع بروح جماعية، في مشهد يؤكد أن الفرح في النوبة لا يكتمل إلا حين يشارك فيه الجميع.

وللأزياء التقليدية حضورها الذي لا تخطئه العين؛ بألوانها الزاهية، وتصميماتها التي تجمع بين البساطة والجمال، والحلي الفضية التي ارتبطت بالمرأة النوبية عبر أجيال متعاقبة.

كما تظل الحناء جزءًا أصيلًا من طقوس الأفراح، ليست مجرد زينة، بل عادة اجتماعية تحمل معاني البهجة والتفاؤل واستقبال البدايات الجديدة.

ولا يمكن أن يكتمل الحديث عن الثقافة النوبية دون التوقف أمام الحرف اليدوية، التي تعكس براعة الإنسان النوبي في التعامل مع خامات بيئته. فالسلال المنسوجة من سعف النخيل، والمشغولات اليدوية، والتطريز، والأواني التقليدية، ليست منتجات تراثية فحسب، بل أعمال تحمل بصمة أصحابها، وتحفظ جانبًا من تاريخهم وذائقتهم الفنية.

وربما كان أجمل ما حافظ على هذا التراث هو الحكاية. ففي ليالي النوبة، كانت الجدات يجلسن وسط الأحفاد، ينسجن القصص، ويروين حكايات الأبطال، ويغرسن من خلالها قيم الصدق، والشجاعة، واحترام الكبير، وصلة الرحم، والتعاون. ولم تكن تلك الحكايات للتسلية فقط، بل كانت مدرسة شعبية، يتعلم فيها الأطفال تاريخهم، ويكتشفون معنى الانتماء.

وهكذا، تتشابك اللغة مع الأغنية، والطعام مع الضيافة، والحرفة مع الحكاية، لتشكل جميعها لوحة متكاملة يصعب فصل جزء منها عن الآخر. وهذا ما يجعل الثقافة النوبية واحدة من أكثر الثقافات قدرة على البقاء؛ لأنها لم تعش في الكتب وحدها، بل عاشت في تفاصيل الحياة، وفي ذاكرة الناس، وفي محبتهم لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم.

ما دام هناك من يروي الحكاية... ستبقى النوبة

حين يحتفي العالم باليوم العالمي للنوبة، فإنه لا يحتفي بحضارة رحلت، بل بثقافة ما زالت تنبض بالحياة. فالتراث النوبي لم يبقَ لأنه كُتب في الكتب، وإنما لأنه عاش في البيوت، وانتقل من الأجداد إلى الأحفاد، وحضر في الكلمة والأغنية، وفي رائحة الخبز، وفي دفء الضيافة، وفي الألوان التي تزين الجدران، وفي الحكايات التي تُروى قبل النوم.

واليوم، في زمن تتشابه فيه المدن، وتتقارب فيه الثقافات بفعل التكنولوجيا، تبدو النوبة أكثر حاجة إلى أن تُروى قصتها. ليس من باب الحنين إلى الماضي، وإنما لأن التنوع الثقافي هو أحد أهم عناصر قوة المجتمعات. فكل لغة نحافظ عليها، وكل حرفة ننقذها من الاندثار، وكل أغنية تبقى حية في الذاكرة، هي انتصار جديد للإنسان قبل أن تكون انتصارًا للتراث.

ولذلك، فإن مسؤولية الحفاظ على الثقافة النوبية لا تقع على عاتق أبنائها وحدهم، بل هي مسؤولية كل من يؤمن بأن الحضارات لا تُقاس بما شيدته من مبانٍ، وإنما بما تركته من أثر في وجدان البشر. فالتراث ليس رفاهية ثقافية، بل جزء من الذاكرة الوطنية، وكلما ازددنا وعيًا به، ازددنا فهمًا لأنفسنا ولتاريخنا.

وأكتب هذه الكلمات، لا بصفتي باحثة في التاريخ والحضارة المصرية فحسب، بل بصفتي ابنة من أبناء النوبة. لذلك لا تبدو هذه السطور بالنسبة إليّ مجرد استعراض لمعلومات أو سرد لمحطات تاريخية، بل محاولة لرد جزء يسير من الجميل إلى أرض صنعت جزءًا من هويتي، وإلى ثقافة تعلمت منها أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه، بل بما يحافظ عليه.

تعلمت من النوبة أن البيت قد يتغير، لكن الدفء الذي يسكنه يبقى. وأن الطريق قد يبتعد، لكن الحنين يعرف دائمًا كيف يعود. وأن اللغة ليست كلمات نتحدث بها، بل وطن صغير نحمله معنا أينما ذهبنا. وتعلمت أيضًا أن الأغنية قد تكون وثيقة تاريخ، وأن طبقًا بسيطًا على مائدة الأسرة قد يروي من الحكايات ما لا ترويه المجلدات، وأن كوبًا من الشاي باللبن أو كأسًا من الإبرية قد يحملان في مذاقهما ودفئهما ذاكرة أجيال كاملة لا تزال تعيش في الوجدان.

ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لليوم العالمي للنوبة؛ أن نتذكر أن الحضارات لا تموت ما دام هناك من يروي حكايتها، وأن الثقافات لا تضيع ما دام هناك من يتمسك بها، ويمنحها للأجيال القادمة كما تسلمها ممن سبقوه.

ستبقى النوبة، بالنسبة إلى العالم، صفحة مضيئة من تاريخ الإنسانية، لكنها بالنسبة إلينا نحن أبنائها، أكثر من ذلك بكثير. إنها أول أغنية سمعناها، وأول حكاية حفظناها، وأول معنى عرفنا به الانتماء. هي لون البيوت المطلة على النيل، وصوت الدفوف في ليالي الفرح، ورائحة الخبز الساخن، وظلال النخيل التي علمتنا أن الجذور العميقة وحدها هي القادرة على مواجهة الريح.

وفي النهاية، قد تتغير الخرائط، وتتبدل الأماكن، وتتعاقب الأجيال، لكن هناك أشياء لا يطالها الزمن. والنوبة واحدة منها؛ لأنها لم تكن يومًا مجرد أرض، بل كانت ـ وما زالت ـ وطنًا يسكن أبناءه قبل أن يسكنوه.

"مها بسطاوي" باحثة في التاريخ الإسلامي، وابنة من أبناء النوبة.