جريدة الديار
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 07:06 صـ 17 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
أسعار الذهب اليوم الثلاثاء أسعار العملات اليوم الثلاثاء حالة الطقس اليوم الثلاثاء تأييد الإعدام والمؤبد وبراءة باقي المتهمين في قضية الطفلة جهاد بالفيوم بمشاركة 400 أسرة من ذوي الإعاقة ..” القومي لذوي الإعاقة” يدشن المرحلة الرابعة من مبادرة «أسرتي قوتي» ببني سويف تخفيف حكم الإعــدام بحق متهمين بقــتل شاب على باب مسجد بالدقهلية إلى المؤبد الشرطة البريطانية: المشتبه بهم الخمسة في حادث قاعدة ”فيرفورد” بريطانيون الكرة الذهبية تدخل مرحلة الحسم.. يامال ومبابي في الواجهة وكين يراهن على الأرقام مدرب جنوب السودان: محمد صلاح لاعب استثنائي.. لكننا لا نستعد لمباراة أمام لاعب واحد فقط وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتلقى تقريراً حول نتائج المرور الميداني لضبط الأسواق وتحسين الخدمات بأحياء الجيزة والقاهرة جهاز شئون البيئة بالإسكندرية ينفذ حملة مكبرة لتنظيف جزيرة نيلسون / أبو قير وإزالة المخلفات البحرية والبيئية مصدر أمني ينفي إضراب نزلاء بمراكز الإصلاح والتأهيل عن الطعام

مدحت الشيخ يكتب: حكومة منعزلة عن الشعب

لا تستطيع أي حكومة أن تنجح وهي تدير ظهرها للناس، ولا سلطة يمكن أن تحافظ على فاعليتها إذا اكتفت بالجلوس خلف المكاتب، تقرأ التقارير وتستمع إلى الأرقام، بينما الواقع في الشارع يروي قصة مختلفة تمامًا.

فالحكومات لا تُقاس بما تعلنه من إنجازات فقط، وإنما بقدرتها على ملامسة واقع حياة المواطنين، والاستماع إلى نبضهم، وفهم أولوياتهم، والتفاعل مع ما يواجهونه من تحديات يومية.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حكومة ليس نقص الموارد أو تعقد الأزمات، وإنما الانعزال عن المجتمع. فعندما تصبح القرارات حبيسة الغرف المغلقة، ويغيب الحوار مع المواطنين، وتتراجع الشفافية، تبدأ الفجوة في الاتساع بين صانع القرار والرأي العام، ويصبح من الصعب إقناع الناس بأهمية السياسات، مهما كانت أهدافها نبيلة.

ولقد أثبتت التجارب السياسية في مختلف دول العالم أن الحكومات التي فقدت الاتصال بشعوبها لم تسقط بسبب قوة معارضيها، وإنما بسبب ضعف قدرتها على الإنصات.

فالناس قد تتحمل الظروف الاقتصادية الصعبة، وقد تصبر على إجراءات الإصلاح إذا كانت واضحة ومفهومة وعادلة، لكنها لا تتقبل أن تشعر بأن معاناتها لا تجد من يسمعها، أو أن المسؤولين يعيشون في عالم مختلف عن عالمها.

وفي زمن الإعلام الرقمي، لم يعد من الممكن إدارة الدولة بعقلية العقود الماضية. فالمواطن أصبح يمتلك أدوات المعرفة، ويتابع ما يحدث لحظة بلحظة، ويقارن بين التجارب، ويُقيم الأداء، ويشارك في تشكيل الرأي العام. لذلك فإن أي حكومة تتجاهل أهمية التواصل الفعّال، وتكتفي بالبيانات الرسمية، فإنها تخسر معركة الوعي قبل أن تخسر معركة الإنجاز.

ولا يعني الاقتراب من الناس أن تتخلى الحكومة عن هيبتها، بل على العكس، فالدولة القوية هي التي تثق في شعبها، وتصارحه بالحقائق، وتفسر له أسباب قراراتها، وتعترف بأخطائها عندما تقع، وتسارع إلى تصحيحها. فالشفافية لم تعد رفاهية سياسية، بل أصبحت ضرورة للحفاظ على الثقة، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي حكومة.

ومن أكبر الأخطاء الاعتقاد بأن المؤشرات الاقتصادية وحدها تكفي للحكم على النجاح. فالأرقام، مهما كانت إيجابية، تفقد قيمتها إذا لم يشعر المواطن بانعكاسها على حياته اليومية.

وقد تحقق دولة معدلات نمو مرتفعة، لكنها لا تستطيع أن تقنع الناس بنجاحها إذا ظل المواطن يشعر بأن أعباءه تتزايد، وأن صوته لا يصل، وأن مشكلاته لا تجد حلولًا سريعة وعادلة.

إن الإدارة الرشيدة لا تقوم على إصدار القرارات فقط، بل على حسن إدارة ردود الفعل تجاهها، فالقرار الذي يسبقه حوار مجتمعي، ويصاحبه شرح وافٍ، وتتبعه مراجعة مستمرة، يكون أكثر قبولًا وأكثر نجاحًا من قرار صحيح في مضمونه، لكنه سيئ في طريقة تقديمه وإدارته.

كما أن الحكومات الناجحة لا تنتظر حتى تتفاقم الأزمات، بل تمتلك القدرة على استشعارها مبكرًا، لأنها قريبة من الناس، فالميدان، والأسواق، والجامعات، والقرى، والمصانع، ومواقع العمل، هي المصادر الحقيقية للمعلومات، وليست التقارير المكتبية وحدها. ومن هنا كانت الجولات الميدانية، واللقاءات المفتوحة، والاستماع المباشر إلى المواطنين، أدوات لا غنى عنها لصانع القرار.

إن الدولة الحديثة تقوم على الشراكة بين الحكومة والمجتمع، لا على العلاقة الأحادية التي تصدر فيها الحكومة القرارات بينما يكتفي المواطن بالتنفيذ، فالمواطن ليس رقمًا في تعداد السكان، ولا مجرد متلقٍّ للخدمات، بل هو شريك في صناعة المستقبل، وكلما شعر بقيمته ودوره، ازداد انتماؤه واستعداده لتحمل المسؤولية.

وفي النهاية، فإن الحكومات قد تنجح في تنفيذ المشروعات، وقد تحقق إنجازات اقتصادية وعمرانية، لكن النجاح الحقيقي يظل مرهونًا بقدرتها على كسب ثقة المواطنين، فالثقة لا تُفرض بالقوانين، ولا تُشترى بالإعلانات، وإنما تُبنى بالصدق، والعدالة، والإنصات، والاقتراب من الناس.

إن الحكومة التي تبقى بين المواطنين، تستمع إليهم، وتشاركهم همومهم، وتشرح لهم قراراتها، هي حكومة تمتلك فرصة حقيقية للنجاح، أما الحكومة التي تنعزل عن شعبها، فإنها ستكتشف، ولو بعد حين، أن أكبر خسائرها لم تكن في الاقتصاد أو السياسة، بل في فقدان الجسر الأهم الذي يربطها بالدولة نفسها... وهو ثقة المواطن.