هل تتجدد الثقة في محافظ المركزي؟ حسن عبد الله بين نجاحات الإصلاح وأخطاء إدارة الأزمات
بالتزامن مع انتهاء ولاية حسن عبد الله على رأس البنك المركزي المصري، يسود الترقب والانتظار مع اقتراب صدور القرار الجوهري.
تفصلنا دقائق قليلة عن معرفة ما إذا كان يتم تجديد الثقة في قيادة البنك المركزي لمواصلة إدارة الملف النقدي في هذه المرحلة الحساسة، أم أننا سنشهد ظهور وجه جديد يحمل رؤية مختلفة لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.
وبغض النظر عن الاسم، فإن عين الشارع تبقى متجهة نحو نتيجة هذا القرار وأثره المباشر على استقرار الأسعاروجيب المواطن وقدرته الشرائية وقوت يوم المواطن.
البنك المركزي
مرت إدارة البنك المركزي خلال الفترة الماضية بمرحلتين فارقتين في مواجهة الصدمات الخارجية:
أزمة 2022 (تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية):
شهدت خروج نحو 20 مليار دولار من الأموال الساخنة.
أسفرت عن قيود صارمة على المستوردين (كالعمل بالاعتمادات المستندية)، مما تسبب في تكدس البضائع وتراجع قيمة الجنيه تدريجيًا وظهور سوق موازية حادة.
أزمة 2026 (تداعيات التوترات الإقليمية وحرب إيران):
خرج نحو 10 مليارات دولار في غضون شهر واحد، وانخفض الجنيه بنسبة 13%.
الفارق الجوهري: امتص البنك المركزي الصدمة عبر آلية سعر صرف مرن ورسمي دون اللجوء للتقييد المستندي أو عودة السوق الموازية، واعتمد على امتصاص السيولة وتوافر تدفقات دولارية ضخمة (أبرزها صفقة رأس الحكمة ودعم صندوق النقد والودائع الخليجية).
كشف حساب.. أين أخطأ محافظ البنك المركزي وأين أصاب؟
1. المساحات التي شهدت إخفاقات أو نقاط ضعف (ما لم ينجه تمامًا)
التثبيت الإجباري لسعر الصرف (2023): الإبقاء على الجنيه شبه ثابت عند ~30.85 للدولار لمدة عام كامل أدى إلى تثبيت صوري، ووسع الفجوة مع السوق الموازية وتسبب في تقييد استخدام البطاقات الائتمانية للبنوك.
البطء في معالجة التضخم المالي: شهد عام 2023 زيادة في المعروض النقدي بنسبة 24.6%، ورغم ذلك اكتفى البنك برفع الفائدة 300 نقطة أساس فقط، مما جعل تفسير التضخم بأنه "مستورد فقط" أمرًا غير متكامل.
الاعتماد على سيولة خارجية موقتة: جزء كبير من الصمود الحالي استند إلى تدفقات استثنائية (رأس الحكمة والودائع الخليجية بـ 18 مليار دولار) وليس فقط على تنمية الموارد الذاتية المستدامة.
2. القرارات الصائبة والنجاحات الهيكلية (ما يحسب له)
تحرير سعر الصرف الواقعي (مارس 2024): ترك تحديد السعر للآلية الفعلية والتداول عبر الإنتربنك، مما قضى تمامًا على السوق الموازية وأعاد التدفقات للقنوات الرسمية.
وقف التمويل المباشر للحكومة: تعزيز الاستقلالية التشغيلية من خلال الامتناع عن طباعة النقود أو تمويل عجز الدولة مباشرًا، واعتماد آليات السوق المفتوحة لامتصاص السيولة.
إصلاحات القطاع المصرفي والتكنولوجيا: إصدار قواعد البنوك الرقمية (ترخيص أول بنك رقمي "وان بنك") وتشديد الضوابط الرقابية على سندات الشركات والتمويل غير المصرفي لحماية أموال المودعين.
ماذا تعني هذه البيانات والأرقام للمواطن المصري؟
الأسعار والتضخم: تراجع التضخم من مستوياته القياسية ليحوم حول 14.3% - 14.9% يعني أن حدة "قفزات الأسعار" اليومية قد خفت نسبياً، وإن كانت أسعار الخدمات والسكن والنقل لا تزال تضغط على ميزانية الأسرة بزيادات سنوية تجاوزت 40%.
توفير السلع: عدم وجود سوق موازية واستقرار سوق الصرف بين البنوك يعني توفر السلع التموينية والأساسية في الأسواق دون ندرة أو احتكار، حتى وإن كانت الأسعار مرتفعة.
أسعار الفائدة: الإبقاء على الفائدة مرتفعة يهدف لحماية قيمة يدخرات المواطنين بالجنيه، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تكلفة الاقتراض للأعمال التجاريّة الصغيرة.
حلول واقعية وقابلة للتطبيق
لتفادي الاعتماد الدائم على الأموال الساخنة والصدمات الخارجية، تتطلب المرحلة المقبلة خططاً عملاتيّة محددة:
التحول نحو مزادات دولارية دورية ومُعلنة: تنظيم عمليات بناء الاحتياطي النقدي من خلال الشراء الممنهج من السوق دون التأثير على معروض الواردات.
ربط الالتزامات بالتدفقات: استمرار سياسة مطابقة أجل الاستثمارات القادمة مع أوقات استحقاقها لتجنب الصدمات المفاجئة عند تخارج الأجانب.
تحفيز الموارد المستدامة: تركيز الجهود الوطنية على تعظيم عوائد تحويلات المصريين بالخارج، السياحة، والتصدير الصناعي والزراعي كبديل أصيل عن أدوات الدين القليلة الأجل.
رؤية لمستقبل الاقتصاد المصري إلى أين نتجه؟
تتجه مصر نحو اختبار حقيقي بنهاية عام 2026 بالتزامن مع انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي واحتمالية استرداد بعض الودائع الخليجية.
الفرص: امتلاك الجهاز المصرفي لبنية رقابية قوية، ودخول الخدمات الرقمية، واستمرار تراجع النفط عالمياً قد يدفع التضخم للهبوط، مما يسمح للبنك المركزي ببدء دورة خفض جديد لأسعار الفائدة لتشغيل المصانع وتحريك الأسواق.
التحديات: الضغوط المتوقعة من أي تعديلات جديدة في أسعار الطاقة أو التعريفات الحكومية قد ترفع التضخم مؤقتاً نحو 16%-18%، مما يفرض على السياسة النقدية التزام الحذر واليقظة.
ما يحتاجه المواطن المصري البسيط من محافظ البنك المركزي في ولايته الجديدة
في نهاية المطاف، لا يبحث المواطن البسيط في القرى والأحياء الشعبية عن تعقيدات «الإنتربنك» أو نسب «الكوريدور»، بل يبحث عن أثر تلك القرارات في سلة غذائه ومصروف أولاده. ما ينتظره الشارع المصري اليوم من المحافظ في مرحلته المقبلة يتلخص في نقاط بسيطة وواضحة:
استقرار ملموس في أسعار السلع: يريد المواطن أن يتوقف مسلسل القفزات المفاجئة في أسعار الطعام والدواء، وأن يُترجم تراجع التضخم في أرقام البنك المركزي إلى انخفاض حقيقي وشعور بالراحة عند الشراء من الأسواق.
حماية القوة الشرائية للجنيه: حماية قيمة القرش الأبيض الذي يدخره لليوم الأسود، حتى لا تتآكل مدخراته البسيطة أمام موجات الغلاء، والعمل على تعزيز ثقة الشارع في العملة الوطنية.
تيسير القروض الصغيرة والتشغيل: إتاحة تمويلات ومبادرات خفيفة الفائدة لدعم أصحاب الورش، والمحلات الصغرى، والمشروعات الشبابية؛ لأن خلق فرص العمل وتدوير عجلة الإنتاج المحلي هما السبيل الوحيد لرفع مستوى معيشة الأسرة.
استدامة وفرة السلع ومنع الاحتكار: القضاء الأبدي على سوق الصرف الموازية وضمان تدفق العملة الصعبة لاستيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الأساسية، بما يضمن عدم ندرة أي سلعة ضرورية من الأسواق.

















