أنقذ أباه بذكائه.. طفل 13 عامًا يحوّل مكالمة إسعاف إلى «طوق نجاة» على الطريق الصحراوي الشرقي ببني سويف
في وقت تتصدر فيه مواقع التواصل الاجتماعي يوميًا عشرات القصص والتريندات، بعضها عابر وبعضها لا يستحق كل هذا الاهتمام، تظهر بين الحين والآخر حكاية تستحق أن تتوقف أمامها طويلًا.. حكاية لا تحتاج إلى «تريند» مصطنع، لأنها ببساطة تحمل معنى البطولة الحقيقية.
هذه المرة، بطل القصة طفل لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وجد نفسه فجأة أمام موقف أكبر كثيرًا من سنه، لكنه لم ينهَر، ولم يفقد قدرته على التفكير.. بل التقط الهاتف، واتصل بالإسعاف، وكان سببًا ـ بعد فضل الله ـ في إنقاذ حياة والده.
لحظات صعبة على طريق شبه مقطوع
القصة بدأت بينما كان الأب «رجب»، وهو تاجر موبيليا، يقود سيارة العمل وبرفقته نجله الصغير «محمد»، على الطريق الصحراوي الشرقي بمحافظة بني سويف.
لم يكن الطفل يتوقع أن دقائق قليلة ستضعه أمام اختبار حقيقي للشجاعة والمسؤولية.
فجأة، تعرض والده لأزمة صحية شديدة، يُرجح أنها سكتة دماغية، وتوقفت السيارة في منطقة بعيدة وشبه مقطوعة.
كان الأب في لحظاته الأخيرة قبل فقدان الوعي قادرًا على الكلام، فأدرك خطورة الموقف، وطلب من نجله أن يتصل برقم الإسعاف 123.
لم يتردد محمد.
أمسك الهاتف واتصل، وفي داخله خوف طفل يرى والده أمامه في حالة صحية حرجة ولا يعرف ماذا يفعل.
لكن المكالمة التي أجراها الطفل كانت بداية سلسلة من التصرفات السريعة التي انتهت بوصول سيارة الإسعاف في الوقت المناسب.
«الحقنا يا عمو.. بابا تعبان أوي»
في غرفة عمليات الإسعاف، تلقى الموظف «صابر» البلاغ.
وجاءت الكلمات الأولى من الطفل مرتبكة ومليئة بالخوف:
«الحقنا يا عمو.. بابا تعبان أوي.»
لم يكتفِ صابر بتسجيل البلاغ، وإنما بدأ فورًا في تهدئة الطفل والحصول على المعلومات الضرورية.
سأله:
«اهدى يا حبيبي.. هو بيتنفس؟»
فأجاب محمد:
«آه، بس هو صاحي ومفتح عينيه، بس مش بيتكلم ولا بيتحرك.»
ثم جاء السؤال الأهم:
«طب اديني العنوان بسرعة.»
وهنا ظهرت مشكلة طبيعية جدًا بالنسبة لطفل في الثالثة عشرة من عمره.
محمد لم يكن يعرف تحديد موقعه أو وصف المكان بشكل دقيق.
كان يمكن أن تصبح الدقائق التالية حاسمة، لكن صابر لم يترك الطفل للحيرة أو الخوف.
قال له ما معناه: لا تقلق، سأرسل إليك سيارة الإسعاف فورًا، وأنا معك، ولا تغلق الهاتف.
«أنت عندك كام سنة؟».. موظف الإسعاف يتحول إلى مصدر أمان
لم تكن مهمة صابر في تلك اللحظة مجرد استقبال البلاغ.
فبينما كان يتابع إرسال سيارة الإسعاف، ظل على الخط مع الطفل، يتحدث معه ويطرح عليه أسئلة بسيطة تساعده على الهدوء، وفي الوقت نفسه كان يتواصل مع فريق الإسعاف الموجود على الطريق.
تواصل مع السائق إدوارد فتح الله والمسعف محمد عرفان، وشرح لهما تفاصيل الحالة، وموقع السيارة قدر الإمكان، والأهم أنه أخبرهما بأن مع المريض طفلًا صغيرًا.
وطلب منهما التحرك بأقصى سرعة ممكنة، مع تشغيل سارينة الإسعاف وعدم إيقافها، حتى يتمكن من سماعها عبر الهاتف ومعرفة أن سيارة النجدة أصبحت قريبة منهما.
وفي الجهة الأخرى، ظل صابر يتحدث مع محمد.
سأله عن عمره، وحاول أن يشغله بالحديث ويطمئنه، حتى لا يترك الخوف يسيطر عليه في تلك اللحظات.
وبالنسبة لطفل وحيد مع والده المريض في مكان بعيد، لم تعد المكالمة مجرد اتصال بالإسعاف.
أصبح صوت صابر نفسه بالنسبة إليه علامة على أن هناك شخصًا يعرف ما يفعل، وأن النجدة في طريقها إليه.
«أنا شايف عربية الإسعاف جاية أهي»
مرت الدقائق بطيئة على الطفل، لكنها كانت حاسمة.
وفجأة قال محمد:
«أنا شايف عربية الإسعاف جاية أهي.. وصلت يا عمو.. هو أنت معاهم؟»
جملة قصيرة، لكنها تحمل الكثير من المعاني.
فالطفل الذي كان قبل دقائق خائفًا ولا يعرف ماذا يفعل، أصبح الآن مطمئنًا إلى درجة أنه يتخيل أن الشخص الذي ظل معه على الهاتف طوال الأزمة موجود داخل سيارة الإسعاف التي وصلت لإنقاذ والده.
ربما لم يكن الطفل يعرف اسم الوظيفة التي يقوم بها صابر، ولا تفاصيل غرفة العمليات، ولا كيف تحركت سيارة الإسعاف، لكنه عرف شيئًا واحدًا: هناك شخص لم يتركه وحده.
دقائق صنعت الفارق
وصل فريق الإسعاف إلى الأب، وتم نقله إلى المستشفى، حيث تلقى الرعاية الطبية اللازمة، وتمكن الأطباء من إعطائه حقنة إذابة الجلطة في الوقت المناسب، وفقًا لما ورد في تفاصيل الواقعة.
وفي حالات الجلطات الدماغية، يمكن أن يكون عامل الوقت بالغ الأهمية، ولذلك فإن سرعة اكتشاف الحالة وطلب الإسعاف والوصول إلى الرعاية الطبية قد تصنع فارقًا حقيقيًا في النتيجة.
وهنا تظهر قيمة كل حلقة في هذه القصة.
فالأب، رغم حالته الصحية، استطاع قبل فقدان الوعي أن يطلب من نجله الاتصال بالإسعاف.
والطفل محمد، رغم صغر سنه وخوفه، استجاب بسرعة ولم يتجمد أمام الموقف.
وموظف الإسعاف صابر لم يتعامل مع المكالمة باعتبارها مجرد بلاغ يُسجل وينتهي، وإنما تابع الطفل حتى وصول المساعدة.
وفريق الإسعاف، السائق إدوارد فتح الله والمسعف محمد عرفان، تحرك للتعامل مع الحالة والوصول إلى الأب.
البطولة التي لا تحتاج إلى كاميرا
قد تمر هذه الواقعة على البعض باعتبارها مجرد بلاغ إسعاف ناجح.
لكن خلف تفاصيلها قصة إنسانية أكبر.
قصة طفل اضطر فجأة إلى أن يكون الرجل المسؤول في المكان، فتصرف بهدوء وشجاعة تتجاوز سنوات عمره.
وقصة موظف في غرفة عمليات لم يرَ الطفل أمامه، لكنه استطاع بكلماته أن يطمئنه ويشعره بأنه ليس وحيدًا.
وقصة مسعفين وسائق تلقوا البلاغ وتحركوا لإنقاذ إنسان في حاجة عاجلة للمساعدة.
لهذا ربما يكون هذا هو «التريند الحقيقي» الذي نحتاج أن نتوقف أمامه.
ليس تريندًا قائمًا على جدل أو مشاجرة أو فضيحة، وإنما حكاية تجعلنا نطمئن إلى أن هناك أطفالًا يتعلمون المسؤولية مبكرًا، وأن هناك أشخاصًا يؤدون أعمالهم بضمير، وأن كلمة طيبة في لحظة خوف قد تكون أحيانًا جزءًا من عملية الإنقاذ نفسها.
محمد لم يكن طبيبًا، ولم يكن يعرف كيف يتعامل مع جلطة دماغية، ولم يكن يعرف حتى عنوان المكان الذي يقف فيه.
لكنه عرف أهم شيء في تلك اللحظة: طلب المساعدة وعدم الاستسلام للخوف.
وبعد فضل الله، كان ذلك التصرف سببًا في وصول والده إلى المستشفى في الوقت المناسب.
أما صابر، وإدوارد فتح الله، ومحمد عرفان، فقد أثبتوا أن البطولة ليست دائمًا في المواقف الكبيرة التي تصنع العناوين، وإنما قد تكون في أداء الإنسان لواجبه بإخلاص، وفي أن يقرر ألا يترك شخصًا خائفًا وحده حتى تأتي النجدة.
هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون.. طفل أنقذ أباه بذكائه، ورجال إسعاف أدوا واجبهم بإنسانية ومهنية.
والأجمل أن بطل الحكاية الأصغر سنًا لم يحتج إلى أن يكون قويًا حتى ينقذ والده.
كان يكفي أن يكون شجاعًا، وأن يعرف ماذا يفعل عندما احتاجه أبوه.


















