جريدة الديار
الجمعة 2 أكتوبر 2026 11:22 صـ 20 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

مها بسطاوي تكتب: بني مزار.. الجريمة التي لم تترك وراءها جثثًا فقط

في صباح التاسع والعشرين من ديسمبر عام 2005، استيقظت عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا على مشهد لم تعرفه المنطقة من قبل. داخل ثلاثة منازل متجاورة عُثر على عشرة أشخاص من ثلاث أسر مختلفة وقد فارقوا الحياة في ظروف غامضة، بينهم رجال ونساء وأطفال. كانت الجريمة من حيث عدد الضحايا صادمة، لكن ما منحها مكانتها الاستثنائية لم يكن عدد القتلى بقدر ما كان حجم الأسئلة التي خلّفتها وراءها. فقد تحولت الواقعة سريعًا من جريمة قتل جماعي إلى واحدة من أكثر القضايا غموضًا وإثارة للجدل في الذاكرة المصرية الحديثة.

في العادة، تنتهي قوة الجريمة عند حدود مسرحها. تصل الشرطة، تبدأ التحقيقات، يُقبض على الجاني أو يُعرف الدافع، ثم تتحول الواقعة مع مرور الوقت إلى خبر قديم محفوظ في أرشيف الصحف. لكن بني مزار سلكت طريقًا مختلفًا تمامًا. فكلما مرت السنوات، تراجعت معرفة الناس بالتفاصيل الدقيقة، لكن حضور القضية في الذاكرة العامة ازداد بدلًا من أن يتلاشى. وبمرور الزمن لم يعد السؤال الأهم هو: من قتل الضحايا؟ بل أصبح سؤال آخر أكثر إثارة: لماذا بقيت هذه القضية حيّة في أذهان الناس حتى اليوم؟

ما يجعل بني مزار مختلفة ليس فقط ما حدث فيها، وإنما ما لم يُعرف عنها. فالمجتمعات تستطيع التعايش مع الحقائق مهما كانت قاسية، لكنها تجد صعوبة أكبر في التعايش مع الفراغات. والحقيقة المؤلمة أفضل نفسيًا من السؤال المفتوح. وعندما تغيب الإجابات الواضحة، يبدأ العقل الجمعي في إنتاج رواياته الخاصة، ويصبح الحدث أكبر من نفسه.

فجر الرعب في عزبة شمس الدين

في الساعات الأولى من صباح 29 ديسمبر 2005، تلقت أجهزة الأمن بلاغًا يفيد بالعثور على قتلى داخل عدد من المنازل في عزبة شمس الدين. ومع انتقال قوات الشرطة والنيابة إلى مكان الواقعة، بدأت تتكشف ملامح جريمة غير اعتيادية. لم يكن الأمر يتعلق بمشاجرة عائلية، أو جريمة قتل فردية، أو حادث ثأر تقليدي. لقد كانت ثلاثة منازل متجاورة تضم عشرة قتلى من ثلاث أسر مختلفة.

الضحايا كانوا موزعين بين رجال ونساء وأطفال. ففي المنزل الأول قُتل سيد محمود محمد عبده وزوجته وطفلاه، وفي المنزل الثاني قُتل طه عبد الحميد محمد ووالدته، بينما شهد المنزل الثالث مقتل يحيى محمد أبو بكر وزوجته وطفليه. بهذه الصورة وجد المحققون أنفسهم أمام ثلاثة مسارح للجريمة في وقت واحد، وعشرة قتلى، وعشرات الأسئلة التي فرضت نفسها منذ اللحظة الأولى.

كانت الصدمة كبيرة داخل القرية الصغيرة. ففي المجتمعات الريفية يعرف الناس بعضهم بعضًا، وتصبح العلاقات اليومية جزءًا من الحياة المعتادة. ولذلك لم ينظر الأهالي إلى الضحايا باعتبارهم مجرد أسماء في محضر رسمي، بل باعتبارهم جيرانًا وأصدقاء وأقارب. ومن هنا جاءت قوة الصدمة الأولى.

أسئلة أربكت المحققين

منذ اللحظة الأولى ظهرت مجموعة من التساؤلات التي منحت القضية طابعها الاستثنائي. كيف تمكن مرتكب الجريمة من الوصول إلى ثلاثة منازل مختلفة؟ وكيف وقعت الاعتداءات دون أن يسمع الجيران استغاثات واضحة؟ وهل كان القاتل فردًا واحدًا أم أكثر من شخص؟ وإذا كان شخصًا واحدًا، فكيف استطاع تنفيذ كل ذلك خلال فترة زمنية محدودة؟

كان المحققون يبحثون عن إجابات جنائية، لكن المجتمع كان يبحث عن شيء آخر؛ كان يبحث عن معنى. فالحدث منذ بدايته بدا أكبر من أن يُفهم بسهولة. وهذا تحديدًا ما يمنح بعض الجرائم حياتها الطويلة. فالجريمة التي يمكن تفسيرها تظل حدثًا جنائيًا، أما الجريمة التي تقاوم التفسير فإنها تتحول إلى لغز.

إن واحدة من السمات الأساسية للعقل البشري هي رفضه للفوضى. فالإنسان يحب أن يربط الأسباب بالنتائج، وأن يجد لكل حدث تفسيرًا منطقيًا. وعندما يعجز عن ذلك يشعر بقلق عميق. ولهذا فإن الجرائم الغامضة لا تثير الفضول فقط، بل تثير القلق أيضًا، لأنها تضع الإنسان أمام حدود معرفته.

ظهور المتهم الوحيد

بعد أيام من التحقيقات أعلنت أجهزة الأمن التوصل إلى مشتبه به، هو محمد علي محمد أحمد عبد اللطيف. ووفقًا لما نُشر لاحقًا من تفاصيل القضية، نُسبت إليه اعترافات بتنفيذ الجريمة بمفرده، كما جرى تمثيل الواقعة استنادًا إلى أقواله.

في تلك اللحظة بدا أن القضية تتجه نحو نهايتها الطبيعية. فالرأي العام اعتاد أن تكون الجريمة بلا متهم لعدة أيام أو أسابيع، ثم يظهر الجاني، وتنتهي القصة. لكن بني مزار لم تسر وفق هذا السيناريو المعتاد.

فبدلًا من أن تؤدي الاعترافات إلى إغلاق الملف، بدأت مرحلة جديدة من الجدل. فقد ظهرت تساؤلات حول قدرة شخص واحد على تنفيذ جريمة بهذا الحجم. كما دار نقاش واسع حول تفاصيل الاعترافات وطبيعة الأدلة المتوافرة في الملف ومدى انسجامها مع الوقائع المعروفة.

وهنا تحديدًا بدأت القضية تتحول من جريمة إلى قضية رأي عام. فالمجتمع لم يعد يناقش فقط هوية الجاني، بل بدأ يناقش الرواية نفسها.

عندما أصبح المتهم جزءًا من اللغز

في أغلب القضايا الجنائية يكون المتهم هو الإجابة. لكن في بني مزار أصبح المتهم جزءًا من السؤال.

وهذه نقطة شديدة الأهمية لفهم سبب بقاء القضية حيّة حتى اليوم. فحين تختلف آراء الناس حول الرواية الرسمية، لا تنتهي القضية بالقبض على المشتبه به. بل تبدأ مرحلة جديدة من النقاش. ويصبح كل تفصيل في الملف موضع تحليل وإعادة قراءة.

من الناحية النفسية، يمكن القول إن الناس كانوا يبحثون عن يقين كامل. لكن ما حصلوا عليه كان صورة مليئة بالثغرات والاحتمالات. وعندما يشعر المجتمع بأن هناك أجزاء ناقصة من القصة، فإنه يواصل البحث عن تلك الأجزاء حتى لو مرّت سنوات طويلة.

ولأن القضية كانت صادمة وعالية الحضور إعلاميًا، فقد استمرت الأسئلة بالتكاثر بدلًا من أن تتراجع. ومع كل سؤال جديد كانت القضية تكتسب عمرًا إضافيًا في الذاكرة العامة.

المحكمة والبراءة

عام 2006 أحيل المتهم إلى المحاكمة، وخلال جلسات القضية جرى عرض الأدلة ومناقشة الاعترافات وفحص مختلف التفاصيل المتعلقة بالواقعة. إلا أن المحكمة انتهت إلى الحكم ببراءة المتهم من الاتهامات المنسوبة إليه، ولاحقًا طُعن على الحكم، لكن محكمة النقض أيدت البراءة، لتنتهي القضية قانونيًا دون إدانة نهائية لأي شخص.

من الناحية القضائية كانت هذه نهاية المسار الرسمي للقضية. أما من الناحية الاجتماعية فكانت بداية مرحلة جديدة بالكامل.

وهنا يظهر الفرق بين الحقيقة القانونية والحقيقة الاجتماعية. فالمحكمة تحكم وفق الأدلة المتوافرة أمامها، أما المجتمع فيبني قناعاته بناءً على شعوره بأنه حصل على تفسير مقنع لما جرى. وعندما تنتهي القضية دون أن يشعر الناس أن الصورة اكتملت، فإنها تبقى حيّة في الذاكرة مهما طال الزمن.

كيف تولد الأساطير الحديثة؟

بعد انتهاء القضية رسميًا بدأت روايات عديدة في الظهور. بعض الروايات ربطت الجريمة بالبحث عن الآثار والكنوز المدفونة، وأخرى تحدثت عن أعمال سحر ومعتقدات شعبية، فيما حاول آخرون تقديم تفسيرات مختلفة لما حدث. إلا أن هذه التفسيرات بقيت في إطار الروايات والتكهنات ولم تتحول إلى حقائق قضائية مثبتة. لكن الأهم من صحة هذه الروايات أو خطئها هو ما تكشفه عن طبيعة المجتمعات البشرية. فعندما لا يجد الناس إجابة واضحة، فإنهم لا يتركون الفراغ كما هو. بل يملؤونه بقصص وتفسيرات وافتراضات تساعدهم على استعادة الإحساس بالنظام والفهم.

ولهذا لم تكن الأساطير في التاريخ الإنساني مجرد أوهام، بل كانت في جانب منها محاولات لتفسير ما بدا غامضًا. وعندما عجز الإنسان القديم عن تفسير الظواهر الطبيعية صنع لها حكايات. والإنسان الحديث يفعل الشيء نفسه بدرجات مختلفة عندما يواجه أحداثًا لا يجد لها تفسيرًا مقنعًا.

بني مزار والذاكرة الجماعية

تكشف قضية بني مزار جانبًا مهمًا من طريقة عمل الذاكرة الجماعية. فالناس لا يتذكرون الأحداث وفق أهميتها الموضوعية فقط، بل وفق مدى تأثيرها النفسي والعاطفي.

هناك وقائع كانت أكبر حجمًا وأكثر خسائر لكنها اختفت من الذاكرة العامة بعد سنوات قليلة. وفي المقابل بقيت بني مزار حاضرة رغم مرور أكثر من عقدين على وقوعها. السبب ليس عدد الضحايا وحده، بل طبيعة الأثر الذي تركته.

لقد هزّت الجريمة واحدة من أعمق الاحتياجات الإنسانية: الحاجة إلى اليقين.

فالإنسان يحتاج إلى الشعور بأن العالم مفهوم ويمكن تفسيره. يحتاج إلى الاعتقاد بأن لكل حدث سببًا واضحًا يمكن الوصول إليه. وعندما يختفي هذا الشعور، يبدأ القلق بالتسلل إلى الوعي الفردي والجمعي.

ولهذا فإن القضايا الغامضة لا تثير فضول الناس فقط، بل تثير قلقهم أيضًا. فهي تذكّرهم بأن الواقع أعقد مما يظنون، وأن هناك أسئلة قد لا تجد إجابات نهائية مهما بذلت المؤسسات الرسمية من جهود.

الإعلام وصناعة الذاكرة

لعب الإعلام دورًا أساسيًا في استمرار حضور القضية. فمع كل إعادة نشر للملف، أو بث تقرير عنها، أو إنتاج عمل درامي مستوحى من أحداثها، كانت القضية تكتسب حياة جديدة.

وهنا تظهر آلية مهمة في صناعة الذاكرة الجماعية. فالأحداث لا تعيش وحدها، بل تعيش من خلال إعادة سردها. وكلما أعيدت رواية قصة ما، ازدادت رسوخًا في الوعي العام.

ومن الملاحظ أن بني مزار عادت إلى الواجهة مرات عديدة بعد سنوات من وقوعها. وفي كل مرة تعود فيها، يعود معها السؤال القديم نفسه. وهذا يعني أن ما بقي حيًا ليس الجريمة ذاتها، بل الغموض المرتبط بها.

لماذا لا يموت الغموض؟

لأن الغموض يمنح القصة قدرة دائمة على التجدد.

فلو كانت كل الإجابات متاحة منذ البداية، لتحولت القضية إلى جزء من التاريخ وانتهى الأمر. لكن وجود أسئلة معلقة أبقى الباب مفتوحًا أمام التأويل والنقاش.

والإنسان بطبيعته كائن سردي؛ يفهم العالم عبر القصص. وعندما لا يجد قصة مكتملة، يبدأ في استكمالها بنفسه. لذلك يتحول الغموض إلى عنصر جذب دائم. فكل شخص يعتقد أنه يملك تفسيرًا محتملًا، وكل تفسير يولد تفسيرًا آخر.

ومن هنا تنشأ الحياة الطويلة للقصص الغامضة.

أكثر من جريمة

بعد أكثر من عشرين عامًا، لم تعد بني مزار مجرد جريمة وقعت في قرية مصرية صغيرة. لقد أصبحت نموذجًا يدرس كيف تتحول بعض القضايا من أحداث جنائية إلى ظواهر اجتماعية ونفسية.

إنها تذكرنا بأن البشر لا يعيشون بالحقائق فقط، بل بالمعاني. وأن الحاجة إلى الفهم قد تكون أحيانًا أقوى من الحاجة إلى المعرفة ذاتها. كما تذكرنا بأن الحقيقة القانونية لا تنهي دائمًا الجدل الاجتماعي، وأن بعض الملفات تظل مفتوحة داخل الوعي العام حتى بعد أن تُغلق داخل المحاكم.

خاتمة

في النهاية، لم تترك بني مزار وراءها عشرة قتلى فقط، بل تركت شيئًا أكثر بقاءً من الجثث والدماء: تركت أسئلة.

والأسئلة بطبيعتها أكثر قدرة على مقاومة الزمن من الإجابات. فالجواب ينهي القصة، أما السؤال فيمنحها حياة جديدة في كل مرة يُطرح فيها. ولهذا، وبعد أكثر من عشرين عامًا، لا تزال بني مزار تُذكر كلما جرى الحديث عن الجرائم الغامضة في مصر.

لقد انتهت الوقائع منذ زمن بعيد، وتغيرت الوجوه والأماكن، وغاب كثير ممن عاصروا تلك الأحداث، لكن الحيرة بقيت. وربما يكون هذا هو السر الحقيقي وراء بقاء القضية حيّة في الذاكرة. فبعض الجرائم تترك وراءها ضحايا، أما بني مزار فقد تركت وراءها لغزًا. واللغز، بخلاف الجريمة، لا يموت بسهولة.