الجندي الأسود تحت المجهر.. بروتين بديل أم قنبلة موقوتة على موائد المصريين؟
بينما يتسابق العالم نحو ابتكار أعلاف غير تقليدية لتأمين مستقبل الغذاء، تسللت إلى عمق السوق المصري بصمتٍ مريب، و لأكثر من أربعة أعوام، مشروعات «ذبابة الجندي الأسود» كوافد جديد يَعِد بتدوير المُخلّفات و إنتاج أعلاف رخيصة غنية بالبروتين؛ إلا أن هذا النشاط الذي تمددت إعلاناته عبر منصات التواصل الاجتماعي بعيداً عن أعين الرقابة، و بدون تراخيص رسمية أو فحوصات مخبرية، بدأ يُثير جدلاً واسعاً بعدما تحول إلى ما يشبه «القنبلة البيولوجية» الموقوتة التي تتربص بالمنظومة الصحية و البيئية. ففي الوقت الذي تحظر فيه التشريعات الدولية، ومنها الاتحاد الأوروبي، دخول هذا البروتين الحشري في السلسلة الغذائية للبشر و تقتصر استخدامه كأعلاف للحيوانات الأليفة، تبرز اليرقات المرباة في بيئات «الفضلات و الروث» كـ «مخازن صامتة» للسموم و المعادن الثقيلة التي تجد طريقها مباشرة إلى مائدة المواطن.
أمام هذا الاختراق البيولوجي، أصبح من الضروري على الجهات المختصة، و في مقدمتها مصلحة الجمارك و الحجر الزراعي، التحرك الفوري لفرض رقابة حديدية عبر كافة المنافذ لتشكل «حائط صد» يمنع استجلاب أي سلالات أو بيوض لهذه الحشرات دون موافقات بيئية و تصاريح نابعة من صلاحية مخبرية مُسبقة؛ إذ يُمثل إحكام القبضة على هذه «المُستجلبات» و تصنيفها كتهديد مباشر للأمن القومي الغذائي السبيل الوحيد لغلق الباب أمام الاستثمار في «المجهول الصحي» و وقف المبادرات العشوائية لمزارع تلك الذبابة، حمايةً للمجتمع من «حرب بيولوجية» قد يصعب احتواء آثارها مستقبلاً، و تجنباً لتكبد الدولة أعباءً مالية باهظة جراء فاتورة علاج الأمراض الناتجة عن تداول هذه الأعلاف المُلوثة.
تجارة في «المنطقة الرمادية»
شهدت المحافظات المصرية مؤخراً توسعاً ملحوظاً في نشاط تجارة و استزراع يرقات «ذباب الجندي الأسود»، و هو ما انعكس بوضوح من خلال حملات ترويجية واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعيداً عن أعين الرقابة الحكومية. و رغم رواج هذا المنتج، إلا أنه يصطدم بجدار قانوني صلب؛ إذ يفرض قطاع تنمية الثروة الحيوانية بوزارة الزراعة رقابة صارمة تحظر تداول أي أعلاف دون تسجيل رسمي و شهادات تحليل معتمدة، و في ظل غياب «كود مصري» يُشرعن استخدام هذه اليرقات حتى الآن، تظل هذه الأنشطة حبيسة «سوق سوداء» مُقنّعة، تفتقر إلى المعايير الصحية و الضمانات التشريعية.
بروتين مُلوث بالأرقام
في رصد و مطابقة رقمية تقريبية، تبين وجود أكثر من 150 مجموعة و صفحة نشطة على منصات التواصل الاجتماعي مُخصصة حصراً لتجارة يرقات «الجندي الأسود»، تضم في عضويتها ما يزيد عن قرابة الـ 250 ألف مُهتم و مربي، فيما تنتشر تلك المزارع غير المُرخصة في ما لا يقل عن 12 محافظة، تصدرتها محافظات الدقهلية، الشرقية، و البحيرة. و تُشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم الإنتاج اليومي من هذه اليرقات في «مزارع بئر السلم» تجاوز حاجز الـ 10 أطنان من البروتين الحشري غير المُراقب، و الذي يتم ضخه بشكل مباشر في مزارع الدواجن و الأسماك الصغيرة و المتوسطة، فضلاً عن تجارة الأسمدة العضوية المُشتقة من مُخرجات اليرقات، بعيداً عن المنظومة الرقابية للمركز الإقليمي للأغذية و الأعلاف.
الأمان الغذائي أولاً
إنّ وضع ملف «الجندي الأسود» تحت المجهر ليس محاولةً لعرقلة قطار الابتكار أو الوقوف في وجه الحلول غير التقليدية، بل هي صرخة وعي جوهرها حماية الأمن الغذائي المصري و الصحة العامة من عشوائية «مزارع بئر السلم» التي تفتقر إلى التحليل المخبري و الترخيص الرسمي و الرقابة. إن الهدف هو «مأسسة الحلول» لضمان ألّا يتحول توفير الجنيه في سعر العلف إلى فاتورة صحية باهظة تُنفق لاحقاً على أمراض مُستعصية؛ لذا يقتضي الواجب حظر تداول هذه الأعلاف مجهولة المصدر، و مناشدة المربين بتحري الدقة و التعامل حصراً مع الجهات المعتمدة -كوزارة الزراعة و هيئة سلامة الغذاء- و الإبلاغ الفوري عن أي مُمارسات تضر بالإنسان و البيئة، فالاقتصاد الحقيقي هو الذي يحمي الأرواح لا الذي يُقامر بها لصالح الربح المادي فقط.
أعلاف للحيوانات الأليفة
تضع المعايير الدولية فاصلاً حازماً؛ إذ تقتصر تشريعات الاتحاد الأوروبي (EU 2017/893) على السماح بالبروتين الحشري كأعلاف لحيوانات الأليفة كالقطط و الكلاب «غير مُخصصة للاستهلاك البشري»، مع قيود صارمة تمنع دخوله السلسلة الغذائية الرئيسية إذا رُبي على فضلات. غير أن غياب الرقابة حوّل هذا المحظور لواقعٍ مُعاش، حيث تُباع يرقات «فضلات الروث» لمزارع الدواجن و الأسماك، في تجاوز صارخ لضوابط الأمان الغذائي العالمي.
اختراق بيولوجي و تهديد للمنظومة المناعية
حذرت الأستاذة الدكتورة سامية جلال سعد، أستاذة بالمعهد العالي للصحة العامة و البيئية بالإسكندرية و مستشار الأمم المتحدة لصحة البيئة و إدماج نظم الإدارة البيئية المُتكاملة، من العواقب الكارثية لمشروعات إنتاج الإعلاف من يرقات «ذباب الجندي الأسود» غير المرخصة، مُطالبةً بالإيقاف الفوري لنشاط هذه الشركات و إعدام كافة الحشرات المرباة بداخلها لعدم حصولها على الموافقات البيئية و القانونية. مُوضحة أن غياب الدراسات المخبرية حول التأثير الصحي المُباشر لاستهلاك لحوم المواشي و الدواجن و الأسماك التي تتغذى على هذه اليرقات يضع الجهاز المناعي للمواطنين في مهب الريح، خاصة مع غموض الشفرة الوراثية لهذه الحشرات و تأثيرها «الأيكولوجي» المُدمر في حال تسربها للبيئة الزراعية المجاورة لمراكز مشروعات تكاثرها، مُشددة على أن إقحام هذه الكائنات الغريبة في المنظومة الحيوية المصرية يُعد بمثابة «حرب بيولوجية» ناعمة تستهدف تقويض النمو الصحي و الاقتصادي للدولة.
مسئولية الرقابة و حق المستهلك
أبدت الدكتورة سامية، استغرابها الشديد من غياب الدور الرقابي لوزارة الزراعة على المزارع المنتشرة تلك الذبابة في مصر، مُطالبةً بحظر هذه الأنشطة التي تُلقي بظلالها على الثروة الزراعية، فيما حمّلت مصلحة الجمارك و الحجر الزراعي مسئولية تشديد الرقابة على كافة «المُستجلبات» عبر المنافذ الحدودية حمايةً للأمن الغذائي و ترشيداً للإنفاق الصحي للدولة بعد تعرض المواطن للأمراض من تداول أعلاف تلك الذبابة؛ و شددت الدكتورة سامية على حق المواطن الأصيل في الشفافية الكاملة بشأن مُكونات الأعلاف التي تتغذى عليها مصادره البروتينية، من مواشٍ و دواجن و أسماك. مُتسائلة باستنكار: «هل سيقبل المُستهلك المصري تناول أغذية اعتمدت في دورتها على يرقات حشرات مُرباة على الفضلات و الروث، و هو يدرك ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر صحية و شبهات شرعية قاطعة؟»
من المُخلّفات العضوية للمعدة
إن جوهر المشكلة يَكْمُنْ في «غذاء الذبابة» ذاتها؛ فهذه اليرقات تتغذى على الفضلات و الروث و بقايا الطعام المتخمرة من المُخلّفات العضوية، و هو ما يفسر روائح التعفن المحمل بالملوثات و السموم الضارة بالإضافة إلى ما تصدره تك الذبابة من صوت الطنين المزعج الذي يُطارد جيران تلك المزارع. و هنا يبرز الدليل العلمي الصادم؛ إذ تحذر دراسات منظمة الأغذية و الزراعة (FAO) من أن الحشرات التي تعمل كناقل حيوي للسموم الفطرية و المعادن الثقيلة، مثل الكادميوم و الرصاص، إذا تربت على بيئات مُلوثة. و في ظل غياب الفحص المعملي لمُخرجات هذه الذبابة، يظل خطر انتقال هذه المُلوثات الفتاكة إلى لحوم المواشي و الدواجن و الأسماك، و من ثم إلى كبد و أمعاء الإنسان.
المراكمة الحيوية
و ما يضاعف من قتامة هذا المشهد هو ما يعرف علمياً بظاهرة «المراكمة الحيوية»؛ إذ تمتلك هذه اليرقات قدرة بيولوجية فائقة على امتصاص المعادن الثقيلة و المُلوثات من البيئة التي تتغذى عليها، لتعيد تركيزها داخل أنسجتها بنسب تضاعف ما كانت عليه في المُخلّفات الأصلية بمرات عديدة. هذا يعني أننا لسنا بصدد حشرة عادية، بل نحن أمام «مركزات سموم متنقلة»، تختزل قذارة المُخلّفات في جرعات مُركزة تنتقل مباشرة إلى اللحوم التي نأكلها، مما يجعل خطرها لا يزول بمجرد المُعالجة السطحية.
و ما يثير الريبة هو القدرة الفائقة لهذه الذبابة على «غزو» البيئة المحلية في وقت قياسي؛ فبالرغم من قدومها من موطنها الأصلي في القارة الأمريكية، إلا أنها أظهرت مرونة بيولوجية مُذهلة في التأقلم و التكاثر السريع مع المناخ المصري المُتباين. هذا النمو الطبيعي في أجواء غريبة عنها، يعكس قدرة هذه الحشرة على فرض وجودها كأمر واقع، مما يضاعف من مخاوف تحولها إلى «آفة بيئية» يصعب السيطرة عليها إذا ما استمرت تربيتها خارج الأطر الرقابية.
بروتين بطعم السموم
كما تؤكد التقارير الصادرة عن الوكالة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) أن الحشرات التي تتغذى على مُخلّفات غير مُعالجة تحمل مخاطر كيميائية جسيمة؛ فالمعادن الثقيلة مثل الزرنيخ و الزئبق لا يمكن التخلص منها عبر عمليات التجفيف أو الطهي التي تخضع لها اليرقات لاحقاً، بل تظل كامنة في مسحوق البروتين. و بمجرد وصول هذه السموم إلى جسم الحيوان، فإنها تتركز في الأنسجة الدهنية و العضلية، مما يجعل اللحوم و الأسماك الناتجة عنها «مخازن صامتة» للأمراض المُزمنة التي تُهدد المُستهلك البشري على المدى الطويل.
لماذا المخاطرة؟.. البدائل الآمنة متاحة
يثير الاندفاع المحموم نحو «ذباب الجندي الأسود» دهشة المُتخصصين، فمصر تمتلك بالفعل بدائل بروتينية مُعتمدة و مجربة علمياً، مثل «طحالب الأزيولا» و مسحوق الأسماك المعتمد، وصولاً إلى التوسع في المحاصيل التقليدية كالصويا و البرسيم الحجازي و غيرها. هذه البدائل ليست «مجهولة الهوية»، بل خضعت لعقود من البحث و لها جداول تحليل واضحة، بعكس يرقات «الجندي الأسود» التي تتقلب قيمتها الغذائية وسُميتها تبعاً لنوع «القذارة» التي تتغذى عليها، مما يجعل المُراهنة عليها مُغامرة غير محسوبة العواقب.
الاستثمار في المجهول و كلفة «بئر السلم»
إن المزاعم التي تسوقها هذه المبادرات حول إنتاج بروتين رخيص الثمن تخفي خلفها كلفة باهظة قد تدفعها الدولة بأكملها. فالأمر لا يتوقف عند انبعاث الروائح الكريهة و مخالفة قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 فحسب، بل يمتد لتهديد سُمعة الصادرات المصرية؛ فإذا ما اكتُشفت مُتبقيات مُلوثة في شحنات الأسماك أو الدواجن المُصدرة للخارج، ستكون الخسارة الاقتصادية أكبر بكثير من أي توفير مزعوم في أسعار الأعلاف.
أما عن المخاطر الكيميائية، كشفت دراسات منشورة في دورية (Journal of Food Protection) أن بيئة تربية يرقات الذباب على المُخلّفات العضوية تعد بيئة مثالية لنمو البكتيريا المُقاومة للمُضادات الحيوية. هذه البكتيريا تنتقل من اليرقة إلى أمعاء الماشية و الدواجن، و تُساهم في خلق سلالات بكتيرية شرسة يصعب علاجها لدى الإنسان، مما يحول مشروع إنتاج الأعلاف من مبادرة اقتصادية إلى أزمة صحة عامة تُهدد بانهيار المنظومة العلاجية.
خارطة الطريق
لذا، تستوجب هذه المخاطر وضع «خارطة طريق» عاجلة، تبدأ بفرض تقنين حازم يوقف فوراً تداول هذه الأعلاف مجهولة المصدر عبر المنصات الرقمية، لحين صدور «كود مصري» مُلزم يحدد بدقة مواصفات بيئة التربية و اشتراطاتها الفنية. كما يتوجب إخضاع كافة المبادرات القائمة لرقابة مختبرية صارمة، تُلزمها بتقديم شهادات فحص دوري من «المعمل المركزي لتحليل مُتبقيات المبيدات» و «المركز الإقليمي للأغذية و الأعلاف»، لقطع الشك باليقين حول ظاهرة «المراكمة الحيوية» للسموم، مع تبني المعايير الدولية التي تحظر استخدام الروث و المُخلّفات المُلوثة، و قصر التربية على «المُتبقيات النباتية النظيفة» لضمان سلسلة غذائية تبدأ بالأمان و تنتهي بالصحة و منع استخدام اليرقات مُطلقًا في دورة غذاء الإنسان أو الحيوانات الاليفة التي يربيها.
الأمان الغذائي خط أحمر
إن معركة «الأمعاء و الوعي» لا تحتمل أنصاف الحلول، و الرهان على حذر المستهلك وحده لن يجدي نفعاً ما لم تضرب الدولِة بيد من حديد على كل من يستثمر في «المجهول الصحي». فالحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن «الأمان الغذائي خط أحمر»، و صحة الإنسان تظل هي الاستثمار الأبقى و الوحيد الذي لا يقبل الخسارة أو المُقامرة؛ مما يجعل تدخل الأجهزة الرقابية ضرورة قصوى لحماية المائدة المصرية من سموم عشوائية الإنتاج، و إعادة الانضباط لسوق قد يُهدد سلامة الغذاء المصري.
أمعاء الإنسان ليست حقلاً للتجارب
إن الانتقال إلى مصادر بروتين بديلة يجب أن يمر حتماً عبر «البوابة الشرعية» للدولة، ممثلة في المركز الإقليمي للأغذية والأعلاف، و تحت إشراف مباشر من الهيئة القومية لسلامة الغذاء. إن تداول أعلاف «تحت بئر السلم» ناتجة عن مُخلّفات عضوية غير مراقبة يضع أمام كارثة صحية مُحتملة لا يُحمد عقباها. لا يجوز أن يتحول الأمن الغذائي إلى «حقل تجارب» لمبادرات تفتقر معايير السلامة المخبرية؛ فالصحة العامة خط أحمر، والرقابة هي صمام الأمان الوحيد.
فهل يقبل أحد أن يتناول لحوم أو دواجن أو أسماك تمت تربيتها على مخلفات عضوية غير معالجة؟





