مها بسطاوي تكتب: المرأة التي اشترت الماء بالذهب
لم يكن الحجاج في العصر العباسي يخشون طول الطريق إلى مكة بقدر ما كانوا يخشون العطش. فالصحراء الممتدة بين المدن والبلاد كانت قاسية لا ترحم، والنجاة فيها قد تتوقف على بئر ماء أو عين صغيرة قد لا يصل إليها المسافر في الوقت المناسب. وكانت أخبار القوافل التي أرهقها الظمأ تتردد كل عام، حتى أصبح الأمر جزءًا من معاناة الحج المعروفة.
وبين آلاف من سمعوا تلك الشكاوى، كانت هناك امرأة قررت ألا تكتفي بالاستماع.
كانت زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد، وأحد أشهر نساء الدولة العباسية. عاشت في قصر تفيض فيه الثروة والنفوذ، وكان بإمكانها أن تنفق أموالها على ما تشاء من مظاهر الرفاهية التي تليق بسيدة القصر الأول في بغداد. لكن رحلة حج غيرت نظرتها إلى الأمور. فبينما كان الناس ينظرون إلى مشقة الطريق باعتبارها أمرًا طبيعيًا لا يمكن تغييره، رأت هي أن معاناة الحجاج ليست قدرًا محتومًا، وأن المال الذي لا يخفف آلام الناس يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته.
مشروع قال الجميع إنه مستحيل
عندما فكرت زبيدة في جر المياه إلى مكة، وتحسين مصادرها على امتداد طرق الحجاج، بدت الفكرة أشبه بالحلم. فقد كانت المسافات طويلة، والتضاريس شديدة الصعوبة، كما أن تنفيذ مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى أموال طائلة وجهد هندسي غير مسبوق. لذلك لم يكن غريبًا أن يحاول بعض أهل الخبرة إقناعها بالتراجع، أو على الأقل تقليص المشروع.
وهنا أمرت زبيدة بجمع المهندسين والعمال، ثم بدأت أعمال الحفر، وشق القنوات، وبناء البرك والخزانات. ومع كل مرحلة كانت التكاليف ترتفع بصورة هائلة، حتى خشي القائمون على العمل من الاستمرار. وعندما أبلغوها بضخامة النفقات، جاء ردها الذي حفظه التاريخ:
"اعمل، ولو كانت الضربة بالفأس بدينار."
فلم تكن زبيدة تنظر إلى الذهب باعتباره ثروة يجب الحفاظ عليها، بل أداة يمكن أن تتحول إلى خير باقٍ لأناس لا تعرف أسماءهم، ولن تراهم أبدًا.
حين جرى الماء إلى مكة
استمرت الأعمال سنوات طويلة، لكن النتيجة كانت استثنائية. فقد ساهم المشروع في إيصال المياه إلى مكة، وتوفيرها للحجاج والسكان، وأصبحت المنشآت التي أقيمت جزءًا من الحياة اليومية للمدينة المقدسة قرونًا متعاقبة. ولم يعد اسم زبيدة مقترنًا بمكانتها في البلاط العباسي فقط، بل ارتبط بواحد من أعظم المشروعات الخيرية في التاريخ الإسلامي.
كان الناس يشربون من الماء ولا يرون صاحبته، لكن اسمها ظل يتردد جيلًا بعد جيل. سقطت دول، وقامت أخرى، وتعاقب الخلفاء والملوك، بينما بقيت "عين زبيدة" شاهدًا على أن قرارًا اتخذته امرأة في بغداد استطاع أن يغير حياة أعداد لا تحصى من البشر.
الذهب الذي تحول إلى ذكرى خالدة
الغريب أن التاريخ لا يتذكر اليوم كثيرًا من أصحاب الثروات الذين عاشوا في عصر زبيدة، رغم أنهم امتلكوا القصور والمزارع والمجوهرات. أما هي، فما زال اسمها حاضرًا بعد أكثر من ألف عام. والسبب أنها فهمت سرًا بسيطًا يغيب عن كثيرين: أن المال يبقى مالًا ما دام حبيس الخزائن، لكنه يتحول إلى مجد عندما يصبح نفعًا للناس.
لم تشتر زبيدة الماء بالذهب فقط، بل اشترت مكانًا دائمًا في ذاكرة التاريخ. لقد أدركت أن الإنسان لا يخلد بما يملك، وإنما بما يتركه وراءه من أثر. ولهذا بقي اسمها حيًا بعد أن اختفت قصور كثيرة، واندثرت ثروات لا حصر لها.
وهكذا يخبرنا الماضي أن بعض الناس يجمعون الذهب، بينما يصنع العظماء منه حياة للآخرين.





