مدحت الشيخ يكتب: المنتخب.. عندما أصبحت مصر منتخب العرب
هناك منتخبات تخرج من البطولات، وهناك منتخبات تخرج وقد ربحت احترام العالم. والمنتخب المصري، مهما كانت النتيجة، غادر كأس العالم وقد كسب شيئًا لا تمنحه الكؤوس ولا تصنعه الميداليات... كسب محبة الجماهير واحترام المنافسين.
في لحظات كثيرة من عمر البطولة، لم يكن العلم المصري وحده حاضرًا في المدرجات. امتزجت الأعلام العربية، وارتفعت الهتافات من جماهير جاءت من دول مختلفة، لكنها وجدت في المنتخب المصري ممثلًا لكرامة الكرة العربية، ونموذجًا لفريق يلعب بشجاعة، ويقاتل حتى الثانية الأخيرة، ولا يعرف الاستسلام.
كان مشهدًا يستحق التأمل. لم تعد مصر تشجع نفسها فقط، بل كانت الجماهير العربية كلها تقريبًا ترى في هذا المنتخب حلمًا مشتركًا. وحين يلتف العرب حول فريق واحد، فهذا لا يحدث بالمصادفة، وإنما لأن الأداء فرض نفسه، ولأن الروح المصرية لامست قلوب الجميع.
العالم أيضًا لم يمر مرور الكرام أمام ما قدمه المنتخب. كثير من المحللين والإعلاميين أشادوا بالشخصية القوية للفريق، وبقدرته على مجاراة أحد أبرز المرشحين للقب، وبالروح القتالية التي جعلت المباراة مفتوحة حتى لحظاتها الأخيرة. لم يكن المنتخب المصري مجرد خصم، بل كان ندًا حقيقيًا فرض الاحترام داخل الملعب.
قد يختلف الناس حول بعض القرارات التحكيمية، وقد تبقى هناك لقطات تثير الجدل طويلًا، لكن ما لا يختلف عليه أحد أن مصر قدمت منتخبًا يليق باسمها. منتخبًا لم يبحث عن الأعذار، ولم يرفع الراية البيضاء، بل ظل يقاتل حتى النهاية، مؤمنًا بأن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يملك الشجاعة.
لقد أعاد هذا المنتخب تعريف صورة اللاعب المصري أمام العالم. لم يعد الحديث عن المهارة فقط، بل عن الانضباط، والالتزام، والروح الجماعية، والإيمان حتى آخر دقيقة. وهذه هي الصفات التي تصنع المنتخبات الكبيرة، حتى وإن غابت عنها لحظة التوفيق.
ربما لم نعد بالكأس، لكننا عدنا بشيء أكثر قيمة. عدنا بصورة مشرقة لمصر، وباحترام دولي، وباحتضان عربي قلما يتكرر. عدنا ونحن نعرف أن هذا المنتخب استطاع أن يوحد ملايين القلوب خلف علم واحد، وأن يجعل اسم مصر يتردد بإعجاب في الاستوديوهات الرياضية، وعلى منصات الإعلام، وبين جماهير اللعبة في مختلف أنحاء العالم.
وهنا يكمن الانتصار الحقيقي. فالكرة ليست مجرد أهداف تُسجل، بل رسائل تصل. ورسالة المنتخب المصري كانت واضحة: مصر لا تستسلم، ولا تنحني، ولا تدخل أي مواجهة إلا وهي مؤمنة بقدرتها على المنافسة حتى النهاية.
قد تنتهي البطولة، لكن ما صنعه هذا المنتخب سيبقى في الذاكرة. سيبقى لأنه أعاد إلينا الإيمان بأن الشخصية المصرية لا تُقاس بنتيجة مباراة، وإنما بما تتركه من أثر في قلوب الناس.
ولهذا أقول بكل يقين... لقد خرج المنتخب من البطولة، لكنه دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وربح حب العرب، واحترام العالم، وفخر كل مصري رأى في قميص منتخب بلاده صورة وطن لا يعرف إلا أن يقاتل بشرف.





