الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

علي الجنابي يكتب: *وقائِعُ الدّهرِ عَجبٌ *

2020-11-24 23:38:40



تحَدّثَ ذو الشَيبَةِ فأبانَ:
أوَظَنَنتَ أنَّكَ ليثٌ هَصورُ, تَغورُ تارةً وتَجورُ, وأخرى بينَ حورٍ تُسقى خمورُ, إذاً فإسمَع: للدهر ياصاحُ وقائِعٌ عجبٌ! لا تهبطُ إلّا بَغتَة!
وإنّي والدهر لَفي نَبأٍ عَجَب !
رُبَما الوَقائعُ فيهِ قاهرةٌ! رُبَما مُتَقَهقِرةٌ؟ رٌبَما حقائقي فيه حائِرةٌ! ربما مُتَحَيّرةً ؟ فأراني تارةً أجزمُ بأنَّهُ قد دَسَّ وقائِعَهُ ليَ مُتلاحقةً وجائرةً , هادِرةً وغادِرةً, وحيناً أحكُمُ أنّهُ قد بَسَّها لي مُتباطِئةً وزائرةً, مُتفائلةً ونادرةً! إنَّ أمرَهُ لعجبٌ! لكنّهُ الآن ماعادَ عجباً..
أمَا وقد صَحَوتُ ألآن بَعدَ خريفِ عُمُرٍ, و وَهْنٍ حّلَّ بي على حين غرةٍ بأسرارِهِ و باحَ, وعَضَلٍ سالَ على حين غفلةٍ بإعلالهِ وسَاحَ, وفَخرٍ إنسَلَّ فجأةً الى أطلالهِ وانزاحَ, وفِكرٍ أنَّ تَوَجْعاً في ظلالهِ وصاحَ, وصَمتٍ رَنَّ بَغتةً في أدغالهِ وناحَ, ونَوىً وَلّى تَبَرُّماً عَنّي وشَبَكَ عَشرَهَ وراحَ, وأَجَلٍ تدَلّى جَهرَةً عليَّ وحَبَكَ أَغلالَهُ ولاحَ..
أمَا وإنّي قد نَحَوتُ الآن, أنّ كلَّ أمرٍ في الدّهرِ كانَ بغتةً, بَل كانَ وخْزّاً ...
فهُبوطي على مَدارج العمرِ جرى بغتةً, بل كان لأبَويَّ متعةَ شهوةٍ و عَوْزاً .
تَوَلُدي والمصيرُ إنبرى بغتةً, بل كانَ نَشْزاً وبِصرخةٍ مُبهَمَةٍ ليَ ولأمّيَ مُستَفِزّة .
صرخةُ يَنَفثُها على سواءٍ: ذُو عاهةٍ وذو فاقةٍ, ومَن كانَ للسلطانِ رَمزاً !
شَهِيقي والزَفيرُ رَهنُ بَغتةً, فلا ضامنَ في الدهرِ , وتراهما فيه يَجمُزَا جَمْزاً, فكم مِن حَبلِ شَهيقٍ إنقَطعَ بَعدَ زَفيرٍ بغتةً ولُغزاً !
رَغيفي والحَريرُ نَزَلَا إليَّ بغتةً, فأرانيَ تارةً أكابدُ سَعياً لأحجزَهُما بقبضتي حَجزاً ، وتارةً هُما يَتقافزا آليّ فيَأتيانني رَقصاً وقَفزَاً !
ضِحكَتي والعَويلُ يَتَفَجَّرانِ من أنباءٍ كُلَّ آنٍ بغتةً وهَزّاً ؟ نعم, بغتة وإِلّا لمَا تَرَنّمَ وتضَّحكَ لسَلواها فؤادي مُستَعِزّاً , ولمَا تَأَلَّمَ وتَوَعَّكَ لبَلواها مُشمَئِزّاً !
النائباتُ ناظِرَةٌ إليَّ مِن عُلُوٍ فلا تَقصُفُ يَومي إلّا بغتةً, وتراها تَجِزُّ الضِلْعَ جَزّاً ! الأضغاثُ ناطرَةٌ من دُنو ولا تَعصُفُ نَومي الّا بغتةً, وسراها يَحِزَّ الطَلْعَ حَزّاً . أضغاثٌ يَرفُثُها على سواءٍ: ذو جَهلٍ مُسرفٍ, ومَن حَازَ العِلمَ حَيزاً!
كَتفايّ يا صاحبي, قد باتا مقبرةً خَفِيَّةً يَرضخانِ بأجداثٍ لأَبي وأَمّي وأَخي وخِلّي وأَتراحي, لكنّ مُقلَتايَ ياصاحُ, محبرةٌ حَفِيَّةٌ ينضحانِ بأحداثٍ لأفراحي ومُهجَتي وإرتياحِي , وكلُّ أولئكَ جرت وقائعُهُ بغتةً, رغمَ أَنفي ودَهائي و رِماحي.
أنّهُ الدهرُ ياصاح وتلكَ هي وقائِعُه, كلُّ زَهوٍ يَدهَسُهُ,كلَ رَهوٍ يَدعَسُهُ, أَطَّت وقائِعُه بدستُورِها في جِذعِ القَضاءِ, وخَطّته بيَمينِها في صَدعِ الفَضاءِ , و حَطّت بهِ على جبينِ كلِّ ذي كَبَدٍ فَيحاء و صَخرةٍ صَمّاء, وأنا أتلوها خُفيَةً أو خِيفَةً مِن على جِباهٍ حَولي في صبحِي والمساء, وهُم مثلي يُرتِلونَها سِرّاً أو جِهاراً مِن على جِبهتي في غُدوِّهمُ والعشاء. وسَواءٌ علينا ياصاحبي أنَأبى مضغاً للوقائعِ أم للمضغِ نشاءُ, ترانا نَمضغُ كُلَّ وَرقَةٍ من ورَيقات القضاءِ حالَ سقُوطها بيننا تَيَبُسَاً أو خَضراء, بل نَتَّبِعُ وقائعَهُ أينَما حلّت وتَرَنَّحَت كَبِندُولٍ في قِبّةِ السَماء ولكنّا سكارى فلا نُبصِرُها؟ أولا نُريدُ؟ أو كأنَّا نَسِينَاها؟ أو تِناسَيناها؟ أو أنَّ ثَوبَ نِعامَةٍ أُكسِيِنَاهُ فَأضحى دِرعَنا للخَفاء؟ فترانا نَغُضُّ طَرفَنا عنها رَغمَ أنَّها تَقرَعُ, ونَفُضُّ خَوفَنا مِنها رغمَ أنّها تَصرَعُ, وقد نَخضَعُ بِحَنانٍ لِنُصُوصِ دستورِها ونَخشَعُ, وقد نُصَوِّتُ له بإحِسانٍ وإليه بِالبَنانِ نَنزَعُ, وفي كلٍّ لا نَفعَ لهِجاءٍ معها ولا ثَناءَ يدفعُ , وإلى رَبِّ دُستُورِ الوقائعِ خِتامُ الأمرِ والبَقاء .
هَوِّنْ عَلَيكَ فلا تتمطّى, إذ أنتَ ترمي الخطى ! فمَن يا ذا عِزُّ لا يَتَغَيَّرُ ! ومَن ذا يا صَاح لا يَتَحَيَّرُ ! فَكلُّ كَمَالٍ إلى تَبَدّلٍ وإهمال, وكلُّ جمالٍ إلى تَهَدّلٍ و زَوال, وكلّ خَيَالٍ إلى تَلَبّدٍ وإبطال, إلّا وَجهَ وَارثٍ ذو جَلالٍ لايتَلَبّد, وكمال لايتَبَدّل, وجمال لايتَهَدّل, ولا يَمَسُّهُ زَوالُ , وإنَّ الأمرَ لَصاغرٌ دَاخِرٌ في قَبضةِ القَدرِ ويَأبى هُبُوطاً إلا بغتةً , لِئَلّا تَظُنَّ أنَّ ما أُوتِيتَ من جاهٍ كانَ مِن عِندِكَ فَلتَةٌ , وَإعلَمَ أنَّ وَراءَكَ أَجَلٌ لا تَأخِيرَ فيه, وإنّهُ لَأَشَقُّ نُكتَةٍ, وها قَد أُقْفِلَ سِجلّي بِخَتْمِ شيبتي وَالوَسمُ فيه: (الوقائع بغتة).
(إِنّي نَظَرتُ إِلى المِرآةِ إِذ جليت فَأَنكَرَت مُقلَتايَ كُلَّ ما رَأَتا
رَأَيتُ فيها شُيَيخاً لَستُ أَعرِفُهُ وَكُنتُ أَعرِفُ فيها قَبلَ ذاكَ فَتى
هَوِّن عَلَيكَ فَهذا لا بَقاءَ لَهُ أَما تَرى العُشبَ يَفني بَعدَما نَبَتا)-لقائله
بغداد – بقلم : علي الجنابي


إرسل لصديق